(أي ذلك فعلت جاز.
فإن حملته على الاسم الذي بني عليه الفعل كان بمنزلته إذا بنيت عليه الفعل مبتدأ، يجوز فيه ما يجوز فيه إذا قلت: " زيد لقيته "، وإن حملته على الذي بني على الفعل، اختير فيه النصب، كما اختير فيما قبله وجاز فيه ما جاز في الذي قبله، وذلك قولك: " عمرو لقيته وزيد كلمته "، إن حملت الكلام على الأول، وإن حملته على الآخر قلت: " عمرو لقيته وزيدا كلمته ").
قال أبو سعيد: اعلم أن الكلام إذا كان مبتدأ وخبرا، ثم عطفت عليه جملة في أولها اسم، وبعده فعل مشتغل بضميره، كان الاختيار رفع الاسم الثاني بالابتداء كحاله لو لم
[ ١ / ٣٨٩ ]
تكن قبله جملة، كقولك: " زيد أفضل منك وعمرو كلمته "، و" زيد أخوك وأبوك قمت إليه "؛ لأنه لم يتقدم الجملة الثانية شيء يوجب إضمار الفعل الناصب للاسم الذي في أوله، فصار بمنزلة مبتدأ. وقد قدمنا أن الجملة الأولى، إذا كانت مصدرة بفعل مضمر كان الاختيار في الاسم الذي في الجملة الثانية النصب، على إضمار فعل يفسره الفعل الذي بعده فهذان أصلان لما يشتمل عليه هذا الباب.
وذلك أنك إذا قلت: " زيد لقيته وعمرو كلمته " ففيه جملتان إحداهما مبنية على اسم ولا موضع لها والأخرى مبنية على فعل ولها موضع، فالجملة التي هي مبنية على اسم، قولك: " زيد لقيته كما هو " لأن " زيدا " مبتدأ، ولقيته خبره، والجملة التي هي مبنية على فعل قولك: " لقيته " لأنه فعل وفاعل، وهذه الجملة التي هي فعل وفاعل خبر " زيد ".
ومعنى قولنا: جملة لها موضع هو: أنّا متى نحينا الجملة جاز أن يقع موقعها اسم واحد، فيلحقه الإعراب. والجملة التي ليس لها موضع: هي التي إذا نحيناها لم يقع موقعها اسم، فأما الجملة التي لها موضع فقولك: " مررت برجل أبوه قائم "، و" رأيت رجلا قام عمرو إليه " لأنك لو نحّيت " أبوه قائم " أو " قام عمرو إليه " لقلت: " مررت برجل قائم " و" رأيت رجلا قائما " فيقع موقع الجملة اسم واحد، وقولك: " مررت برجل أبوه قائم " هو جملة ليس لها موضع من الإعراب؛ لأنك لو نحيتها كما هي لم يقع موقعها اسم.
فإذ قد وطّأنا أمر الجمل نرجع إلى قولك: " زيد لقيته وعمرو كلمته ".
قال سيبويه: (أنت في " عمرو " بالخيار، إن شئت نصبته، وإن شئت رفعته).
وذلك أنه قد تقدمته جملتان: إحداهما مبنية على اسم، وهي قولك: " زيد لقيته كما هو "، والأخرى قولك: " لقيته "، فإن عطفته على الجملة التي هي " زيد لقيته كما هو "، رفعت عمرا؛ لأن صدر الجملة اسم، وإن عطفته على الجملة التي هي " لقيته "، نصبت؛ لأن صدر الجملة فعل فيصير بمنزلة قولك: " لقيت زيدا وعمرا كلمته ".
وقد أنكر الزيادي وغيره من النحويين هذا على سيبويه، فقالوا: إذا قلنا: " زيد لقيته وعمرو كلمته " لم يجز حمل " عمرو " على " لقيته "، وذلك أن لقيته " جملة لها موقع، ألا ترى أنك تقول: " زيد ملقى "، و" زيد قائم "، فيقع موقعها اسم واحد، وهي خبر " لزيد "، وكل شيء عطفت عليها وقع موقعها، وصار خبرا " لزيد "، كما هي خبر له، و" عمرو كلمته " لا يجوز أن يكون خبرا " لزيد "؛ ألا ترى أنك تقول: " زيد عمرو كلمته "، فالهاء
[ ١ / ٣٩٠ ]
تعود على عمرو ولا شيء يعود إلى زيد من الجملة.
فإن جعلت في " عمرو كلمته " ما يعود إلى " زيد " جاز حينئذ ما قال سيبويه من الوجهين جميعا: وذلك قولك: " زيد لقيته وعمرو كلمته عنده "، فتجعل الهاء في " عنده " عائدة إلى " زيد "، أو في " كلمته "، وتجعل الأخرى عائدة إلى عمرو؛ لأنك في هذا الوجه إذا عطفت " عمرو كلمته عنده " على " لقيته " الذي هو خبر " زيد " جاز، وصار خبرا له أيضا؛ ألا ترى أنك تقول: " زيد عمرو كلمته عنده "، فتصير الجملة خبرا ل " زيد "، وأظن سيبويه إنما أراد ذلك، إذ جعل في الجملة الثانية ضميرا يعود إلى " زيد " واشتغل بأن أرانا جواز رد الجملة الثانية إلى المبتدإ مرة وإلى المفعول مرة ولم يشتغل بتصحيح لفظ المسألة.
وقال سيبويه: (ومثل ذلك " زيد لقيت أباه وعمرا مررت به "، إن حملته على " الأب "، وإن حملته على الأول رفعته).
والكلام في هذا كالكلام في الأول.
قال: (والدليل على أن الرفع والنصب جائز كلاهما، أنك تقول: " زيد لقيت أباه وعمرا "، إن أردت أنك " لقيت عمرا والأب "، وإن زعمت أنك " لقيت أبا عمرو " ولم تلقه رفعته ومثل ذلك " زيد لقيته وعمرو "، إن شئت رفعت، وإن شئت قلت: " زيد لقيته وعمرا ").
فاستشهد على جواز حمل الاسم الذي في الجملة الثانية على المنصوب في الجملة الأولى بقولك: " زيد لقيت أباه وعمرا " قال: فلما جاز عطف " عمرو " على " الأب " مرة، وعلى " زيد " مرة، جاز ذلك في قولك: " وعمرا كلمته ".
فقال له الزيادي: هذا غير مشبه لذلك؛ لأن قولنا: " وعمرا " ليس بجملة وإنما هو اسم واحد وقع عليه الفعل الذي
وقع على " الأب " بعينه، فقد صار " عمرو " مع " الأب " مفعولي " لقيت "، و" لقيت " خبرا " لزيد "، وفي مفعوليه ما يعود إليه، وهو الهاء في " الأب "، و" عمرو كلمته " جملة قائمة بنفسها ليست بداخلة في الفعل الأول ولا الفعل الأول واقع عليها.
قال سيبويه: (ومثل ذلك " زيد لقيته وعمرو "، إن شئت رفعت، وإن شئت قلت:
" زيد لقيته وعمرا " تقول أيضا: و" زيد ألقاه وعمرو وعمرا ").
قال: (فهذا يقوى أنك بالخيار في الوجهين)
[ ١ / ٣٩١ ]
وقد بينا الكلام في ذلك.
قال: (وإذا قلت: " مررت بزيد وعمرا مررت به " نصبت، وكان الوجه؛ لأنك بدأت بالفعل ولم تبتدئ اسما بنيته عليه، ولكنك قلت: " فعلت " ثم بنيت عليه المفعول، وإن كان الفعل لا يصل إلا بحرف الإضافة، فكأنك قلت: " مررت زيدا ").
يعني: أن قولك: " مررت بزيد " بمنزلة قولك: " ضربت زيدا "؛ لأن " مررت " فعل، كما أن " ضربت " فعل، وإن كان " مررت " لا يتعدى إلا بحرف، فإذا كان كذلك فينبغي أن تختار في الجملة الثانية نصب الاسم، كما اختير من " ضربت زيدا " نصب الاسم في الجملة الثانية.
قال: (ولولا أنه كذلك، ما كان وجه الكلام: زيدا مررت به ولا لقيت زيدا وعمرا مررت به وقمت وعمرا مررت به).
يعني أنك إذا قلت: زيدا مررت به أضمرت فعلا ينصب " زيدا "، وإن كان " مررت " قد تعدى إلى ضميره بحرف، كما ينصب الاسم إذا تعدى الفعل إلى ضميره بغير حرف، كقولك: " أزيدا ضربته ".
قال: (ونحو ذلك " خشنت بصدره "، " فالصدر " في موضع نصب وقد عملت الباء.
يريد: أن " خشنت بصدره "، كقولك " خشّنت صدره "، فإن دخول الباء لم يغير حكم الفعل؛ ليريك أن " مررت بزيد "، كقولك: " ضربت زيدا "، وكقولك: " مررت زيدا " لو كان يتكلم به.
قال: كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ (١)، وإنما هو: كفى الله، ولكنك لما أدخلت الباء عملت، والموضع موضع نصب، والمعنى معنى النصب، وهذا قول الخليل).
يعني: أن قوله: " كفى بالله " لو نزعت الباء، لقلت: " كفى الله " والباء زائدة، وقد جرت الاسم الذي بعدها، وإن كان موضعه رفعا بالفعل الذي قبله، فكذلك موضع زيد نصب، إذا قلت: " مررت بزيد ".
_________________
(١) سورة الرعد، آية: ٤٣.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وقوله: (ولكنك لما أدخلت الباء عملت والموضع موضع نصب).
يعني: " مررت بزيد " لا " في كفى بالله ".
قال: (وإذا قلت: " عبد الله مررت به " أجريت الاسم بعده مجراه بعد " زيد لقيته ").
يعني: أنك إذا قلت: " عبد الله مررت به وعمرا كلمته "، جاز في " عمرو " الوجهان، كما جاز بعد قولك: " زيد لقيته ". وقد مضى الكلام في هذا المعنى.
وتقول: (" هذا ضارب عبد الله وزيدا يمر به "، إذا حملته على المنصوب، فإن حملته على المبتدأ، وهو " هذا " رفعت).
يعني: أن قولك: " هذا ضارب عبد الله " بمنزلة قولك: " هذا يضرب عبد الله "، " فهذا " مبتدأ، " وضارب " خبره، كما يكون " يضرب " خبره. فإذا جئت بالجملة الثانية، فأنت بالخيار في الاسم الذي في أولها، إن شئت حملته على المبتدأ، وإن شئت حملت على الفعل الذي في الخبر، كما قدمنا في قولك: " زيد لقيته وعبد الله مررت به "، وذلك أن اسم الفعل يعمل عمل الفعل، ألا ترى أنك تقول: " مررت برجل ضارب زيدا " كما تقول: " مررت برجل يضرب زيدا ".
قال: (فإذا ألغيت النون، وأنت تريد معناها فهي بتلك المنزلة، وذلك قولك:
" هذا ضارب زيد غدا وعمرا سيضربه ").
يعني: أن اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل، إذا لم تعمله في الجملة الأولى، وأضفته إلى المفعول، فإنك إذا جئت بالجملة الثانية عاملتها معاملة ما قد أعملت فيه الفعل في الجملة الأولى، فقلت: " هذا ضارب زيد وعمرا سيضربه " على ما قدمناه، وذلك؛ لأن قولك: " ضارب زيد "، بمنزلة: " ضارب زيدا "، " وضارب زيدا " بمنزلة " يضرب زيدا "، فكأنا قلنا: " هذا يضرب زيدا وعمرا سيضربه ".
قال: (ولولا أنه كذلك، لما قلت: " أزيدا أنت ضاربه "، و" وما زيدا أنا ضاربه ").
يعني: لولا أن اسم الفاعل، وإن كان مضافا يجري مجرى ما قد عمل ولم يضف لما قلت: " أزيدا أنا ضاربه "، وذلك أنك نصبت " زيدا " بإضمار فعل، ولا يجوز أن تنصبه بإضمار فعل إلا والذي قد ظهر من تفسير المضمر يجري مجرى الفعل، فكأنك قلت:
" أتضرب زيدا أنت تضربه "؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: " أنت غلامه "؛ لأن " غلامه "
[ ١ / ٣٩٣ ]
لا يجري مجرى الفعل.
قال سيبويه: (فهذا نحو " مررت بزيد "؛ لأن معناه منونا وغير منون سواء، كما أنك إذا قلت: " مررت بزيد " فكأنك قلت: " مررت زيدا ").
يعني: أن الجر في قولك: " هذا ضارب زيدا "، لم يخرج " زيدا " بالإضافة من أن يكون في معنى مفعول، وأن يكون ما قبله في معنى فعل قد وصل إليه، كما أنك إذا قلت:
" مررت بزيد "، فجر " زيد " لم يخرجه من أن يكون في معنى مفعول، وأن يكون المرور وصل إليه بالباء.
وقوله: (لأن معناه منونا وغير منون سواء).
يريد: أن قولك: " هذا ضارب زيدا "، بمنزلة قولك: " هذا ضارب زيد "، كما أن قولك: " مررت بزيد "، بمنزلة قولك: " مررت زيدا "، وإن كان لا يستعمل إيصال المرور إلا بالباء، وفي الأفعال ما يستعمل بالباء وغير الباء كقولك: " تعلّقت زيدا "، و" تعلّقت بزيد ".
قال: (وتقول: " ضربت زيدا وعمرا أنا ضاربه ") بمنزلة قولك: " ضربت زيدا وعمرا ضربته "، وقد قلنا إن قوله: " أنا ضاربه "، بمنزلة " ضربته "، فلذلك اختير فيه النصب.
وقوله: (" تختار هذا "، كما يختار في الاستفهام).
يعني: أن قولك: " ضربت زيدا وعمرا أنا ضاربه "، بمنزلة قولك: " ضربت زيدا وعمرا ضربته " وقد مضى الكلام في اختيار النصب في " ضربت زيدا وعمرا ضربته " وقد قلنا: إن " ضاربه " بمنزلة " ضربته "، فلذلك اختير فيه النصب.
وقوله: (كما يختار في الاستفهام).
يعني: في قولك: " أزيدا ضربته "، الاختيار فيه النصب، وله باب يأتي يستقصى فيه الحجة- إن شاء الله تعالى-.
قال: (ومما يختار فيه النصب قول الرجل: " من رأيت "، و" أيهم رأيت " فتقول:
" زيدا رأيته "، تنزله منزلة قولك: " كلمت زيدا وعمرا لقيته ").
قال أبو سعيد: اعلم أن المستفهم الاختيار له في كلامه أن يورد الجواب على منهاج الاستفهام، فإذا قال المستفهم: " من رأيت "، و" أيهم رأيت؟ " قال: " زيدا "؛ لأن
[ ١ / ٣٩٤ ]
" أيا " و" من " ونحوهما منصوبتان بوقوع الفعل عليهما، فتجعل " زيدا " منصوبا بمثل ذلك الفعل الذي وقع على الاستفهام، فكأنه قال: " زيدا رأيت "، وإذا قال: " أيهم رأيته "، فالاختيار في الجواب أن تقول: " زيدا "؛ لأن المستفهم
قد جعل حرف الاستفهام مبتدأ، وجعل الفعل واقعا على ضميره، وفي موضع خبره فيختار أن يكون الجواب كذلك، فإذا قال: " زيد " في الجواب، فكأنه قال: " زيدا رأيته " فقد جرى الجواب مجرى العطف من أنه تابع للاستفهام. فإذا قلت: " من رأيت؟ " قلت: " زيدا رأيته "، ذلك أن قوله: " من رأيت؟ "، الاسم فيه منصوب، والفعل معمل في الاسم، فيختار أن يكون الجواب على ذلك المنهاج، فنصب الاسم بإضمار فعل، ويكون الفعل الواقع على ضميره تفسيرا له، فكأنه قال: " رأيت زيدا رأيته "، كما كان ذلك في قولك: " رأيت زيدا وعمرا رأيته ".
قال: (ومثل ذلك قولك: " أرأيت زيدا " فتقول: " لا! ولكن عمرا مررت به ").
يعني: أن " لكن " في الجواب بمنزلتها في العطف، كأن قولك: " ولكن عمرا مررت به " بمنزلة قولك " ألا ترى أنك تقول ": " ما رأيت زيدا ولكن عمرا مررت به " فلما كان قوله: " رأيت زيدا " مصدّرا بفعل، والجواب بمنزلة العطف، والاستفهام متى نصبناه بالفعل الذي بعده فهو بمنزلة ما قد صدر بفعل، وإن لم يصلح تقديم الفعل بسبب الاستفهام.
قال: (فإن قال: " من رأيته؟ " و" أيهم رأيته " فأجبته قلت: " زيد رأيته " إلا في قول من قال: " زيدا رأيته " في الابتداء لأن هذا كقولك: " أيهم منطلق "، و" من رسول؟ " فيقول: فلان).
يعني: أنك إذا رفعت في الاستفهام، فالجواب مثله على ما قدمنا وهذا هو الاختيار، فإن قال: " زيدا رأيته " وقد قيل له: " أيهم رأيته "، فهو جائز وليس بالاختيار؛ ألا ترى أن قولك: " زيدا رأيته " في الابتداء.
هو جائز وليس بالاختيار.
قال الأخفش: ويجوز إذا قلت: " أيهم ضربته " أن تقول: زيدا ضربته؛ لأن الهاء منصوبة، وهي في المعنى مستفهم عنها.
أما جواز النصب فإن سيبويه لم يأبه، ولكن معنى كلام الأخفش أن الرفع والنصب جميعا يجوزان، فالرفع على اللفظ والنصب على المعنى، وليس الأمر إلا ما قاله سيبويه،
[ ١ / ٣٩٥ ]
وذلك أن المعنيين إذا تساويا في اللفظ والمعنى، كان إتباع اللفظ اللفظ أولى بالاختيار، ألا ترى أن قولنا: " مررت بزيد وعمرو "، أولى من قولنا: " مررت بزيد وعمرا "، وقد قدمنا ذكر الحجج في المطابقة بين الألفاظ.
ومما يدل على صحة قول سيبويه إجماعهم أنك إذا قلت: " قد علمت أزيد في الدار أم لا "، أن " زيدا " مرفوع؛ لأن حرف الاستفهام منع الفعل من الوصول إليه، فإذا قلت:
" قد علمت زيدا في الدار هو أم لا "، فإن الاختيار نصب " زيد " لزوال حرف الاستفهام عنه، ويجوز رفعه؛ لأنه في
المعنى مستفهم عنه، فهو بمنزلة ما معه حرف الاستفهام، فلم يجعلوا لفظ الاستفهام كمعناه في اختيار الرفع، ومنع الفعل من الوصول إليه.
قال: (وهذا كقولك: " أيهم منطلق؟ " ومن رسول؟)
يعني قولك: " أيهم رأيته: كقولك: " أيهم منطلق " في باب المبتدأ والخبر؛ فإذا قيل لك: " أيهم منطلق " كان الجواب " زيد " بالرفع لا غير، وكذلك إذا قيل: " أيهم منطلق " في باب الابتداء والخبر، فإذا قيل لك: " أيهم منطلق " كان كالجواب رفع لا غير، وكذلك إذا قيل: " أيهم رأيته " فالاختيار في الجواب أن تقول: " زيد "، وإن كان يجوز في هذا النصب على ما ذكرنا.
قال: (وإن قال: " أعبد الله مررت به أم زيدا "، قلت: " زيدا مررت به "، كما فعلت ذلك في الأول).
يعني تنصب في الجواب كما نصب هو في المسألة.
وكذلك إذا قلت: " لا بل زيدا " نصبت " زيدا "، نصبت أيضا في الجواب، وإن جئت بحرف عطف كما أنه إذا قال: " من رأيت؟ "، قلت: " زيدا "؛ لأن " من " في موضع نصب " فإنما يحمل الاسم في الجواب على إعرابه في المسألة.
قال: (ولو قلت: " مررت بعبد الله وزيدا " كان عربيا فكيف هذا؟، لأنه فعل، والمجرور في موضع مفعول منصوب).
يعني: أنك إذا قلت: " مررت بعبد الله وزيدا "، جاز على تأويل: " لقيت عبد الله وزيدا، و" جزت عبد الله وزيدا "، فإذا كان هذا جائزا عربيا في العطف، كان في الاسم المستفهم عنه أولى، وذلك قولك: " أعبد الله مررت به ".
وإنما صار فيه أولى وأجود؛ لأن عبد الله لا يمكن جره بالباء الظاهرة، لاشتغالها
[ ١ / ٣٩٦ ]
بالضمير ولا بباء مضمرة؛ لأن الجار لا يضمر، وقولك: " مررت بعبد الله وزيد " يمكن جر " زيد " بالعطف على " عبد الله "، فلما جاز نصبه، كان نصب المستفهم عنه أولى لما ذكرنا.
والباء الجارة ليست تمنع المجرور من أن يكون في معنى مفعول على ما تقدم من ذكرنا له، فلذلك جاز أن يحمل المعطوف عليه على الفعل، وإن كان الفعل الظاهر يصل بحرف جر.
(قال جرير:
جئني بمثل بني زيد لقومهم أو مثل أسرة منظور بن سيّار (١)
ومثله قول العجاج:
يذهبن في نجد وغورا غائرا) (٢)
فنصب " وغورا "؛ لأن معنى: يذهب فيه يسلكن فيه.
فكأنه قال: ويسلكن غورا غائرا.
ومعنى: جئني بكذا، أي: أعطنيه. فكأنه قال: أعطني مثل بني بدر أو مثل أسرة منظور.
قال: (ولا يجوز أن تضمر فعلا لا يصل إلا بحرف جر؛ لأن حرف الجر لا يضمر، وسترى بيان ذلك إن شاء الله تعالى، ولو جاز ذلك لقلت: " زيد " تريد: " مرّ بزيد ").
يعني: أنه لا يجوز أن تقول: " زيد مررت به " على معنى: " مررت بزيد مررت به ".
(ومثل هذا وَحُورٌ عِينٌ (٣) في قراءة أبي بن كعب).
على إضمار " ويعطون حورا عينا "؛ لأن قوله: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ (٤) دليل على أنهم قد أعطوا ذلك، فنصب أبي وَحُورٌ عِينٌ على معنى و" يعطون "، ومن رفع أراد: و" لهم حور عين " وقد دل الكلام عليه أيضا؛ لأن ما طيف به عليهم من الأكواب، والأباريق هو لهم.
_________________
(١) البيت لجرير الديوان ٣١٢ - الأعلم ١/ ٤٩ - المقتضب ٤/ ١٥٣.
(٢) البيت للعجاج في سيبويه ١/ ٤٩، الأعلام ١/ ٤٩.
(٣) سورة الواقعة، آية: ٢٢.
(٤) سورة الواقعة، الآيتان: ١٧، ١٨.
[ ١ / ٣٩٧ ]
قال: (فإن قلت: " قد لقيت زيدا وأما عمرو فقد مررت به "، و" لقيت زيدا فإذا عبد الله يضربه عمرو " فالرفع، إلا في قول من قال: " زيدا رأيته وزيدا مررت به "، لأن " أما " و" إذا " يقطع بهما الكلام، وهما من حروف الابتداء، يصرفان الكلام إلى الابتداء، إلا أن يدخل عليهما ما ينصب، ولا يحمل بواحد منهما آخر على أول، كما يحمل ب " ثم " و" الفاء ").
يعني: أن " أما " ليست من حروف العطف، وهي تقطع ما بعدها مما قبلها فإذا كان ما قبلها جملة مصدرة بفعل، لم يختر في الاسم الذي بعدها النصب بإضمار فعل، كما اختير ذلك في حروف العطف؛ لأنك تقول في حروف العطف: " لقيت زيدا وعمرا مررت به "، وهو الاختيار، وتقول في " أما ": " لقيت زيدا وأما عمرو فقد مررت به "، فيكون ما بعد " أما " بمنزلة جملة ليس قبلها شيء، ومن قال في الابتداء: " أزيدا ضربته " وقال: " زيدا مررت به "، وليس بالاختيار، قال في هذا: " أما عمرا فقد مررت به ".
و" إذا " بمنزلة " أما "، وذلك أن ما بعدها لا يكون معطوفا على ما قبلها ب " إذا "، وهي للاستئناف وأما قول الشاعر:
فقال لي المكّي أمّا لزوجة فسبع، وأمّا خلّة فثمان
فإنه لم يعطف " خلة " على " زوجة "؛ لأن " أما " الثانية قد منعت من ذلك وحالت دونه، ولكنه أضمر اللام لضرورة الشعر، وحذفها اكتفاء باللام الأولى وهو قبيح جدا.
ومعنى قوله: (إلا أن يدخل عليها ما ينصب).
يعني: إلا أن تدخل على ما بعد " أما "، و" إذا "، فتقول: " لقيت زيدا وأما عمرا فضربته "، أو ما يجر، فتقول: " وأما بعمرو فمررت "، و" لقيت زيدا وإذا عبد الله يضربه بكر "، فما بعدها بمنزلة المبتدأ، حتى يدخل عليهما ما ينصب أو يجر.
قال: (ألا ترى أنهم قرءوا وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (١) وقبله نصب).
يعني: أن قوله (ثمود) مرفوع بالابتداء، وإن كان (فهديناهم) قد وقع على ضميره وقبله منصوب، وهو قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا (٢)، ولو كان بمنزلة
_________________
(١) سورة فصلت، آية: ١٧.
(٢) سورة فصلت، آية: ١٦.
[ ١ / ٣٩٨ ]
العطف لاختير فيه النصب.
ولمعترض أن يقول في قوله: (وقبله نصب) أن الذي قبله عطف عليه قوله: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (١) والذي أراده سيبويه: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا.
قال: (ولو قلت: " إن زيدا فيها " أو " إن فيها زيدا وعمرو أدخلته أو دخلت به "، رفعته، إلا في قول من قال: " زيدا أدخلته وزيدا دخلت به ").
يعني: إن نصب " زيد " في قولك: " إن زيدا فيها " خلاف نصبه في قولك: " ضربت زيدا "، وذلك أنك إذا قلت: " ضربت زيدا " كان الاختيار أن تقول: " وعمرا أدخلته " على ما تقدم ذكرنا له، وإن قلت: " إن زيدا فيها "، كان الاختيار أن تقول: " وعمرو أدخلته "، وذلك أن " إنّ " ليست بفعل، فيضمر قبل " عمرو " فعلا، حتى تكون الجملة الثانية مشاكلة للأولى على نحو ما مضى، وليس الغرض من تشاكل الجملتين في النصب، وإنما يراد تشاكلهما في الفعل وإن اختلف إعرابهما وقد مضى نحو هذا.
قال: (لأن " إن " ليس بفعل وإنما هو مشبه به، ألا ترى أنه لا يضمر فيه فاعل، ولا يؤخر فيه الاسم، وإنما هو بمنزلة
الفعل، كما أن " عشرين درهما " " وثلاثين رجلا "، و" بئس رجلا " بمنزلة " ضاربين زيدا " وليس بفعل ولا فاعل).
يعني: أن " إنّ " ليست بفعل؛ لأنه لا يضمر فيه الفاعل، كما يضمر في الفعل.
ألا ترى أنك لا تقول: " الزيدون إنو قائمين "، ولا " أنت قائما " ولا شيء من الضمائر التي تكون للفاعلين، فهي مشبهة بالفعل وليست بفعل، كما أن " عشرين درهما "، و" بئس رجلا " مشبه " بضاربين رجلا "، ولا يقوى قوته؛ لأنك تقول: " هؤلاء زيدا ضاربون " ولا تقول: " هذه درهما عشرون "، ولا " رجلا بئس "، وتفصل فتقول: " هؤلاء ضاربون اليوم زيدا "، ولا تقول: " هذه عشرون اليوم درهما "، فليس لما شبه بالشيء قوته.
قال: (وكذلك تقول: " ما أحسن عبد الله وزيد قد رأيناه ").
يعني: أن " زيدا " الاختيار فيه الرفع، وإن كان قبله فعل، وهو " أحسن "، وذلك أن " أحسن "، وإن كان فعلا فهو لا يتصرف، ولا يكون منه مستقبل، ولا يتقدم على " ما "،
_________________
(١) سورة فصلت، آية: ١٥.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وكذلك وضع في التعجب، فصار بمنزلة " إنّ " في اختيار رفع الاسم في الجملة الثانية، على أن قولنا: " ما أحسن زيدا "، صدر الكلام اسم مرفوع وهو " ما "، فتكون الجملة الثانية مصدرة باسم أيضا.
قال: (وإنما هي بمنزلة " لدن غدوة "، و" كم رجلا " فقد عملا عمل الفعل وليسا بفعل ولا فاعل).
يعني: أن قوله: " ما أحسن زيدا "؛ لنقصان تصرفه. قد صار بمنزلة " لدن غدوة "، و" كم رجلا "، وهذان قد نصبا، وليسا بفعل، فنصب " ما أحسن عبد الله "؛ لضعفه، بمنزلة ما نصب وليس بفعل.
قال سيبويه: (ومما يختار فيه النصب لنصب الأول، ويكون الحرف الذي بين الأول والآخر بمنزلة " الواو "، و" الفاء "، و" ثم "، قولك: " قد لقيت القوم كلهم حتى عبد الله لقيته "، و" ضربت القوم حتى زيدا ضربت أباه "، و" أتيت القوم أجمعين حتى زيدا مررت به " و" مررت بالقوم حتى زيدا مررت به "، ف " حتى " تجري مجرى " الواو "، و" ثم "، وليست بمنزلة " أما " لأنها إنما تكون على الكلام الذي قبلها ولا تبتدأ).
يعني: أن " حتى " بمنزلة الواو، وحروف العطف، وذلك أنه يجوز العطف بها فيقال: " مررت بالقوم حتى زيد "، و" جاءني القوم حتى زيد "، و" رأيت القوم حتى زيدا "، غير أن لها أحكاما تختص بها نذكرها في بابها إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى.
والغرض منها في هذا الموضع: أنها لما جاز أن تكون عاطفة؛ ثم رأينا جملة قبلها في أولها فعل، وجاء بعدها اسم
قد اشتغل الفعل بضميره، كان الاختيار أن تضمر فعلا يقع على الاسم الذي بعدها، حتى تكون الجملة التي قبلها مشاكلة للجملة التي بعدها في تقديم الفعل فيهما، كما ذكرنا ذلك في حروف العطف، فإذا قلت: " لقيت القوم كلهم حتى عبد الله لقيته "، فتقديره: " حتى لقيت عبد الله لقيته "، كما أنك إذا قلت: " لقيت القوم وعبد الله كلمته "، فعلى تقدير " وكلمت عبد الله كلمته ".
ولا تشبه " حتى " " أما "؛ لأن " حتى " من حروف العطف، ولا يجوز الابتداء بها، كما لا يجوز الابتداء بحروف العطف، ولا ترد إلا بعد كلام.
و" أما " يبتدأ بها، وإن وردت بعد كلام صرفت ما بعدها إلى الابتداء، وقطعته عن الأول.
[ ١ / ٤٠٠ ]
قال: (وتقول: " رأيت القوم حتى عبد الله " فإنما، معناه: أنك قد رأيت عبد الله مع القوم، كما كان: " رأيت القوم وعبد الله " على ذلك).
يعني: أنك إذا قلت: " رأيت القوم حتى عبد الله "، فمعنى " حتى "، وإن خفضت ما بعدها كمعناها إذا نصبت ما بعدها، وذلك أن قولك: " رأيت القوم حتى عبد الله " فمعناه:
" رأيت القوم واحدا واحدا إلى أن انتهيت برؤيتي إلى عبد الله "، ف " عبد الله " داخل في الرؤية، والخفض فيه بمعنى " إلى ".
وإذا قلت: " رأيت القوم حتى عبد الله "، ف " حتى " بمعنى الواو، وهي بمنزلة قولك: " رأيت القوم مع عبد الله " و" رأيت القوم وعبد الله " والمعنى فيهما واحدا، وإن كان " عبد الله " مجرورا في أحد اللفظين.
وتقول: " ضربت القوم حتى زيدا أنا ضاربه "، فتنصب " زيدا "؛ لأن قولك: " أنا ضاربه "، بمنزلة قولك: " أضربه "، فكأنك قلت: " ضربت القوم حتى زيدا أضربه "، على تقدير: حتى أضرب زيدا أضربه. وقد بينا أن اسم الفاعل يجري مجرى الفعل، وأن إضافته إلى المفعول إذا أردت به معنى التنوين لا يخرجه عن حكم الفعل، وإن جررت ما بعده به.
قال: (فهي كالواو، إلا أنك تجر بها إذا كانت غاية، والمجرور مفعول كما أنك إذا قلت: " هذا ضارب زيد غدا " تجر لكف التنوين وهو مفعول بمنزلته منصوبا منونا ما قبله).
يعني: أن قولك: " رأيت القوم حتى عبد الله " وإن جررته فهو مفعول واقع عليه الرؤية، بمنزلته إذا قلت: " رأيت القوم حتى عبد الله " فنصبته، كما أنك إذا قلت: " هذا ضارب زيد غدا "، فهو بمنزلة قولك: " هذا ضارب زيدا غدا " في أنهما مفعولان.
قال: (ولو قلت: " هلك القوم حتى زيدا أهلكته "، اختير النصب؛ ليبنى على الفعل، كما بني ما قبله مرفوعا كان أو منصوبا، كما فعل ذلك بعد ما بنى على الفعل وهو مجرور).
قال أبو سعيد: قد قدمنا أن الجملة الأولى إذا كان صدرها فعلا اختير في الثانية مثل ذلك، سواء أكان الفعل عمل في منصوب أو لم يعمل فيه تقول: " قام زيد وعمرا كلمته "، و" مررت بزيد وعمرا كلمته "، و" ضربت زيدا وعمرا كلمته ".
[ ١ / ٤٠١ ]
وقولك: " هلك القوم حتى زيدا أهلكته "، بمنزلة " قام زيد وعمرا كلمته ".
قال: (فإن قلت إنما هو لنصب اللفظ، فلا تنصب بعد " مررت بزيد " وانصب بعد " إن فيها زيدا ").
يعني: إن قال قائل: إذا قلنا: " قام زيد وعمرا كلمته "، و" هلك القوم حتى زيدا أهلكته "، ليس الاختيار في الاسم النصب؛ لأنه لا منصوب قبله.
قيل له: لو كان اختيار النصب في الثاني؛ لأن قبله منصوبا، لوجب ألا تنصب بعد قولك: " مررت بزيد " فلا تقول: " مررت بزيد وعمرا كلمته "، ولوجب أن تنصب بعد قولك: " إن فيها زيدا "، فتقول: " إن فيها زيدا وعمرا كلمته ". وهذا غير مختار. فلو كانت العلة ما زعمه هذا الزاعم واجبا، من عبرة المنصوب في الجملة الأولى، للزمة ما قال سيبويه ألا ينصب بعد " مررت بزيد "، وليس في الدنيا عربي إلا وهو يجري " مررت بزيد " مجرى " لقيت زيدا ".
قال: (وإن كان الأول؛ لأنه في معنى الحديث مفعول فلا يرتفع بعد " عبد الله " إذا قلت: " عبد الله ضربته ").
يعني: إن قال قائل: إنا إذا قلنا: " مررت بزيد وعمرا كلمته " إنما نصبنا " عمرا "؛ لأن " زيد " في معنى منصوب؛ لوقوع المرور به في التحصيل، للزمه أن يقول: " عبد الله ضربته وعمرا كلمته "؛ لأن " عبد الله " وإن كان مبتدأ، فقد وقع به الضرب في التحصيل، ولكنه يرفع " عمرو كلمته " حملا على " عبد الله "؛ لأنه مبتدأ، حتى يصيرا مبتدأين، وتكون في الجملة الثانية مشاكلة للأولى في الابتداء، ولا يراعى في أنه في معنى مفعول.
قال: (وقد يحسن الجر في هذا كله وهو عربي، وذلك قولك: " لقيت القوم حتى عبد الله لقيته "، فإنما جاء " بلقيته " توكيدا بعد أن جعله غاية، كما تقول: " مررت بزيد وعبد الله مررت به ").
يعني: أنك إذا قلت: " لقيت القوم حتى عبد الله لقيته " " فعبد الله " مجرور معنى " بإلى "، وقد تم الكلام، ثم جئت " بلقيته " توكيدا للقاء الواقع " بعبد الله " في المعنى، كما أنك إذا قلت: " مررت بزيد وعبد الله مررت به "، فعبد الله " مجرور بالباء الأولى التي في " زيد "، ثم جئت " بمررت " الثانية توكيدا للمرور الواقع " بعبد الله " في المعنى.
قال الشاعر وهو ابن مروان النحوي:
[ ١ / ٤٠٢ ]
ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله والزّاد حتّى نعله ألقاها (١)
قال: (والرفع جائز).
يعني: في قولك: " حتى عبد الله لقيته "، كما جاز مع الواو، إذا قلت: " لقيت زيدا وعبد الله لقيته "، على الابتداء والخبر، فيكون " عبد الله " مبتدأ، و" لقيته " خبره.
كأنك قلت: (" لقيت القوم حتى زيد ملقي "، و" سرّحت القوم حتى زيد مسرّح " وهذا لا يكون فيه إلا الرفع).
يعني: إذا قلت: ملقيّ ومسرّح؛ لأن " ملقيّ " و" مسرّح " ليس بفعل واقع على ضمير " زيد "، ولا باسم فاعل واقع على ضميره، كما تقول: " حتى زيدا أنا لاقيه "، لأن " ملقيّ " " ومسرح " مأخوذ من لقي وسرّح، ففيه ضمير أقيم مقام الفاعل مرفوع، فلا يجوز أن تنصب الاسم. وليس بعده ضمير له يوجب نصبه.
قال: (فإذا كان في الابتداء " زيد لقيته "، بمنزلة " زيد منطلق "، جاز هاهنا الرفع).
يعني: جاز أن تقول: " حتى زيد لقيته "، فيكون بمنزلة قولك: " حتى زيد ملقيّ "؛ لأن " حتى " قد يقع بعدها الاسم والخبر.
والبيت الذي أنشدناه يروى بالرفع والجر والنصب.
فالجر بمعنى " إلى " على ما ذكرناه.
والرفع بالابتداء والخبر، والنصب على وجهين:
أحدهما: أن تجعل حتى بمعنى الواو، فتعطفها على الصحيفة كأنه قال: " ألقى الصحيفة ونعله " ثم قال " ألقاها " تأكيدا.
والوجه الثاني: أن تضمر بعد " حتى " فعلا، وتجعل " ألقاها " تفسيرا له، كأنك قلت:
حتى ألقى نعله ألقاها.