قال أبو سعيد: اعلم أن بناء الشيء على الشيء كثيرا ما يدور في كلام سيبويه، ونحن نبينه، حتى تقف عليه من كلامه كلّ ما مرّ بك في موضع من الكتاب.
فإذا قال: بنيت الاسم على الفعل، فمعناه: أنك جعلت الفعل عاملا في الاسم، كقولك: " ضرب زيد عمرا "، " فزيد، وعمرو " مبنيان على الفعل.
وكذلك لو قلت: " عمرا ضرب زيد "؛ لأن " عمرا " وإن كان مقدما فالنية فيه التأخير، وإذا قال لك: بنيت الفعل على الاسم، فمعناه: أنك جعلت الفعل وما يتصل به خبرا عن الاسم، وجعلت الاسم مبتدأ كقولك: " زيد ضربته "، " فزيد " مبني عليه ضربته و" ضربته " مبني على الاسم.
وجملة الأمر: أن الذي حكمه أن يكون مؤخرا مبنيا على ما حكمه أن يكون مقدما، عمل في اللفظ أو لم يعمل، إذا كان أحدهما يحتاج إلى الآخر. وقد ذهب سيبويه إلى أنك إذا قلت: " لو أن عندنا زيدا لأكرمناه "، " أنّ " التي بعد " لو " مبنية على " لو " وإن كانت " لو " غير عاملة فيها، لأن حكم " لو " أن تكون مقدمة على " أنّ " ولا يستغنى عنها.
قال سيبويه: (فإذا بنيت الاسم عليه قلت: " ضربت زيدا " وهو الحد؛ لأنك تريد أن تعمله أو تحمل الاسم عليه، كما كان الحد " ضرب زيد عمرا "، حيث كان " زيد " أول ما تشغل به الفعل).
قال أبو سعيد: قد ذكر أن المفعول مبني على الفعل وقوله: وهو الحد.
يعني: تأخر المفعول هو الأصل والوجه.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وقوله: (لأنك تريد أن تعمله وتحمل الاسم عليه).
يريد: لأنك تريد أن تعمل الفعل، وتجعله صدر الكلام في النية، وتعمله في الاسم، وتحمل الاسم عليه.
وقوله: (كما كان الحد ضرب زيد عمرا).
يعني: أن الحد تأخير " زيد " في " ضربت زيدا " مع الفاعل المكني وهو التاء كما كان الحد تأخير المفعول مع الفاعل الظاهر.
قال: (وإن قدمت الاسم، فهو عربي جيد، كما كان ذلك عربيا جيدا، وذلك قولك: " زيدا ضربت ").
يعني أن " زيدا ضربت " بمنزلة " زيدا ضرب عمرو "، ولا فرق بين الفاعل الظاهر والمكني.
قال: (والاهتمام والعناية هنا في التقديم والتأخير سواء، مثله في " ضرب زيد عمر " و" ضرب زيدا عمرو ").
يعني: أن المكني والظاهر الفاعلين سواء في باب تقديم المفعول وتأخيره، فإن كانت العناية بالمفعول فيهما أشد، قدمت المفعول، وإن كانت العناية بالفاعل أشد قدمت الفاعل، وقد ذكرنا نحو هذا.
قال: (فإذا بنيت الفعل على الاسم قلت: " زيد ضربته " فلزمته الهاء).
يعني: أنك إذا جعلت " زيدا " هو الأول في الرتبة، فلا بد من أن ترفعه بالابتداء، فإذا رفعته بالابتداء فلا بد من أن يكون في الجملة التي بعده ضمير يعود إليه، وتكون هذه الجملة مبنية على المبتدأ، كأنك قلت: " زيد مضروب ".
قال: (فإنما قلت: " عبد الله " فنبهته له ثم بنيت عليه الفعل، فرفعته بالابتداء).
يعني: ابتدأت ب " عبد الله "، فنبّهت المخاطب له فانتظر الخبر عنه فأخبرت بالجملة التي بعده.
قال: (ومثل ذلك قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ) (١).
يعني: أن " ثمود " مبتدأ، و" فهديناهم " في موضع الخبر مبني عليه وفيه ضمير يعود
_________________
(١) سورة فصلت، آية: ١٧.
[ ١ / ٣٧٣ ]
إليه.
قال: (وإنما حسن أن يبني الفعل على الاسم حيث كان معملا في الضمير).
يعني أن " ضربته " إنما بني على " زيد "؛ لأنه قد عمل في ضميره، ولولا ذلك لم يحسن إلا أن تنصب " زيدا "، إلا أنك لو حذفت هذا الضمير، وأنت تريده جاز على قول البصريين، ولم يحسن فقلت: " زيد ضربت " على معنى " ضربته ".
قال: (وإن شئت قلت: " زيدا ضربته " وإنما نصبته على إضمار فعل هذا تفسيره).
يعني أنك إذا قلت: " زيدا ضربته " فتقديره " ضربت زيدا ضربته "، وحذفت الفعل الأول اكتفاء بتفسير الثاني له، والدليل على أنه ينتصب بالفعل الأول: أنك قد تقول:
" أزيدا مررت به "، فتنصبه ولو لم يكن فعل مضمر يعمل فيه النصب لما جاز نصبه بهذا الفعل؛ لأن " مررت " لا يتعدى إلا بحرف جر. فإذا قلت: " زيدا ضربته " لم يحسن إظهار الفعل الناصب لزيد مع الفعل المفسّر له، لا تقول: " ضربت زيدا ضربته " فتجمع فيهما؛ لأن أحدهما يكفيك من الآخر.
قال: (ومثل ذلك ترك إظهار الفعل ها هنا، ترك الإظهار في الموضع الذي تقدم فيه الإضمار).
يعني: أن ترك إظهار الفعل المضمر في " زيدا ضربته " مع مجيء التفسير بمنزلة قولك: " نعم رجلا زيد " وتقديره " نعم الرجل رجل زيد "، أضمر الرجل في " نعم "؛ لأن " نعم " فعل، ولا بد له من فاعل و" رجلا " تفسير له، ولا يجوز أن يجمع بينهما فنقول:
" نعم الرجل رجلا ".
قال: (وقد قرأ بعضهم: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (١). وأنشدوا هذا البيت على وجهين: على الرفع والنصب. قال بشر بن أبي خازم:
فأمّا تميم تميم بن مرّ فألفاهم القوم روبى نياما) (٢)
وقد مرّ وجه النصب والرفع، غير أن النصب في " أما " بإضمار فعل مقدر بعد
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) الديوان ١٩٠، الأعلم ١/ ٤٢، آمالي ابن الشجري ٢/ ٣٤٨.
[ ١ / ٣٧٤ ]
الاسم كأنه قال: " فأما ثمود فهدينا فهديناهم ".
قال: (ومثله قول ذي الرمة:
إذا ابن أبي ليلى بلالا بلغته فقام بفأس بين وصليك جازر (١)
فالنصب عربي كثير والرفع أجود).
أراد: النصب عربي كثير في " زيدا ضربته "، والرفع أجود؛ لأنك إذا رفعت لم تحتج إلى إضمار شيء، وإذا نصبت أضمرت فعلا، وأنت لو أردت إعمال الفعل في الاسم كان يمكنك أن تحذف الضمير الذي في الفعل، وتصل إلى الاسم، ولم يكن يحتاج إلى هذا التأويل البعيد.
وأما قول ذي الرّمة؛ فإن الاختيار فيه النصب؛ لأن " إذا " فيها معنى المجازاة، فهي بالفعل أولى. فإذا كانت بالفعل أولى، كان إضمار الفعل الذي ينصبه أجود.
وقوله " فقام بفأس " هو دعاء، ولو لم يكن دعاء لما جاز دخول الفاء، تقول: " إن أتاني زيد أتيته "، ولا يجوز " إن أتاني زيد فأتيته "، وتقول: " إن أتاني زيد فأحسن الله جزاءه "؛ لأن فيه دعاء. والرفع فيما بعد " أما " أجود؛ لأن ما بعد " أمّا " مبتدأ؛ لأنها من حروف الاستئناف.
قال: (ومثل ذلك " زيدا أعطيت "، و" أعطيت زيدا "، و" زيد أعطيته "؛ لأن " أعطيت " بمنزلة " ضربت " وقد بيّن المفعول الذي هو بمنزلة الفاعل في أول الكتاب).
يعني: أن " أعطى عمرو زيدا " بمنزلة " ضرب عمرو زيدا " في مجازي إعرابهما وعمل الفعل فيهما، فتقديم المنصوب على " أعطى " كتقديمه على " ضرب ".
قال: (فإن قلت: " زيد مررت به "، فهو من النصب أبعد من ذلك؛ لأن المضمر قد خرج من الفعل، وأضيف الفعل إليه بالباء، ولم يوصل إليه الفعل في اللفظ، فصار كقولك: " زيد لقيت أخاه ").
يعني أنك إذا ابتدأت الاسم وجئت بالفعل فيتعدى إلى ضميره بحرف جر، كان الرفع فيه أقوى، والنصب منه أبعد؛ لأنك إذا قلت: " زيدا مررت به " فتنصبه، أضمرت
_________________
(١) البيت لذي الرمة الديوان ٢٥٣ / الخزانة ١/ ٤٥٠ / الخصائص ٢/ ٣٨٠.
[ ١ / ٣٧٥ ]
فعلا على غير لفظ الظاهر؛ كأنك قلت: " لقيت زيدا أو جزت زيدا ". فإذا قلت: " زيدا ضربته "، أضمرت فعلا من لفظه، كأنك قلت: " ضربت زيدا ضربته "، فيكون الظاهر دالا على مثل لفظه ومعناه، وفي الوجه الأول يكون الظاهر دالا على مثل معناه دون لفظه، وما اجتمع فيه اللفظ والمعنى كان أقوى في الدلالة، ومثل الوجه الأول: " زيد لقيت أخاه "؛ لأنك لو نصبته لأضمرت فعلا على خلاف لفظ الظاهر، كأنك قلت: " لا بست زيدا لقيت أخاه " وكل ما دل على المعنى واللفظ كان أقوى في النصب.
قال: (وإن شئت قلت: " زيدا مررت به "، تريد أن تفسّر به مضمرا، كأنك قلت إذا مثّلت ذلك " جعلت زيدا على طريقي مررت به ").
و" جعلت زيدا على طريقي " بمنزلة إضمار " جزت "، ولكنه لا يظهر هذا الفعل الأول؛ لما ذكرت لك. يعني: الفعل المضمر لا يظهر مع التفسير.
قال: (وإذا قلت: " زيد لقيت أخاه "، فهو كذلك، وإن شئت نصبت؛ لأنه إذا وقع على شيء من سببه فكأنه قد وقع به).
يعني: " زيدا لقيت أخاه " لما نصبت الأخ جاز أن تضمر فعلا ينصبه لأن وقوع الفعل بسببه كوقوعه بضميره.
قال: (والدليل على ذلك أن الرجل يقول: " أهنت زيدا بإهانتك أخاه، وأكرمته بإكرامك أخاه، وهذا النحو كثير في الكلام، يقول الرجل: " إنما أعطيت زيدا " وإنما يريد لمكان زيد أعطيت فلانا، وإذا نصبت " زيدا لقيت أخاه "، فكأنه قال: لا بست زيدا لقيت أخاه، وهذا تمثيل ولا يتكلم به، فجرى هذا على ما جرى عليه قولك:
" أكرمت زيدا "، وإنما وصلت الإكرام إلى غيره).
يعني: أن نصب " زيد " بوقوع الفعل على سببه بمنزلة " أكرمت زيدا "، وإن كان الإكرام وصل إلى غيره بسببه.
(والرفع في هذا أحسن وأجود؛ لأن أقرب إلى ذلك أن تقول: " مررت بزيد "، و" لقيت أخا عمرو ").
يعني: أن الرفع في " زيد " في " زيد مررت به "، و" عمرو لقيت أخاه "، أجود؛ لأنك لو أردت إعمال الفعل، لأعملت هذا الظاهر في " زيد " فقلت: " مررت بزيد " و" لقيت أخاه ".
[ ١ / ٣٧٦ ]
قال سيبويه: (ومثل هذا في البناء على الفعل، وبناء الفعل عليه " أيهم " وذلك قولك: " أيهم تره يأتك " و" أيهم تر يأتك " والنصب على ما ذكرت لك؛ لأنه كأنه قال:
أيهم تر تره يأتك، فقولهم: " أيهم تره يأتك " مثل " زيد " في هذا، وقد يفارقه في أشياء كثيرة، ستبين إن شاء الله تعالى).
قال أبو سعيد: يعني: أنك إذا قلت: " أيهم تر يأتك "، نصبت " أيهم " ب " تر "، كما تقول: " زيدا ضربت " وإذا قلت: " أيهم
تره يأتك "، فشغلت الفعل بضميره، كان الاختيار الرفع، كما كان في قولك: " زيد ضربته " ويجوز فيه النصب بإضمار فعل، كأنك قلت:
" أيهم تر تره يأتك "، تقدر الفعل بعده؛ لأن " أيا " في الاستفهام والمجازاة لا تقع إلا صدرا.
ف " أي " في باب النصب والرفع واختيار أحدهما على الآخر بمنزلة " زيد ".
وهو يفارق " زيدا " في أشياء لأنها تكون استفهاما، وتكون مجازاة، وتكون بمعنى الذي، وليس في " زيد " شيء من ذلك.