(وذلك قولك: أخذته بدرهم فصاعدا، وأخذته بدرهم فزائدا، حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إيّاه، ولأنهم أمنوا أن يكون على الباء لو قلت:
أخذته بصاعد، كان قبيحا، لأنه صفة ولا يكون في موضع اسم، كأنه قال:
أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدا، ولا يجوز أن تقول: وصاعد لأنّك لا تريد أن تخبّر أنّ الدرهم مع صاعد ثمن لشيء كقولك: بدرهم وزيادة، ولكنّك أخبرت بأدنى الثمن فجعلته أولا ثم قروت شيئا بعد شيء لأثمان شتّى، فالواو لم ترد فيها هذا المعنى، ولم
_________________
(١) الأبيات لرؤبة بن العجاج: ملحق ديوانه ١٧٣، الخصائص ٢: ٤٢٧.
[ ٢ / ١٨٦ ]
تلزم الواو الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر.
ألا ترى أنّك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، لم يكن في هذا دليل أنّك مررت بعمرو بعد زيد.
وصاعد بدل من زاد ويزيد.
وثم بمنزلة الفاء، تقول: ثم صاعدا إلّا أنّ الفاء أكثر في كلامهم).
قال أبو سعيد﵀-: أمّا قوله: أخذته بدرهم فصاعدا، كأنه متاع قد اشتري بأثمان مختلفة أدناها: درهم. فإذا قال: أخذت كلّ ثوب منها بدرهم فصاعدا، كان أدنى الثمن درهما، ثم يزيد عليه، فالتقدير: أخذت كلّ ثوب منها بدرهم، فزاد الثمن صاعدا، فصار بعضها بدرهم وقيراط، وبعضها بدرهم ودانق، وهذا معنى قوله: ثم قروت شيئا بعد شيء لأنه مأخوذ من: قروت الأرض، إذا أنبتّ قطعة منها بعد قطعة على جهة التتبّع لشيء فيها، ومنه قولهم: الاستقراء للكتب وللمعاني، واستقرأت الكتب والمعاني على جهة التتبع لها، والفكر فيها، ولا يحسن أن تقول:
أخذته بدرهم فصاعد، من جهتين:
إحداهما: أنّ صاعدا نعت، ولا يحسن أن تعطف على الدرهم إلّا المنعوت.
والجهة الأخرى: أنّ الثمن لا يعطف بعضه على بعض بالفاء، لا تقول: أخذت الثوب بدرهم فدانق، ولا اشتريت الدار بمائة درهم فخمسة دراهم، لأن الثمن تقع جملته عوضا عن المبيع، فليس يتقدم بعضه على بعض، وإنما يعطف بالواو لأنها للجمع، تقول:
اشتريته بمائة وخمسة، ونحو ذلك، وإنما هو على ما فسّرته لك، أنّك أخذت بعضه، ثم زاد الثمن في بعض، وتقديره: فزاد الثمن صاعدا، ينتصب على الحال، وبدرهم فزائدا، على تقدير: فصعد الثمن زائدا.
وفرّع أصحابنا على هذا فقالوا: يجوز أن تقول: مررت بزيد وخالد، وبزيد وخالدا، عطفا على موضع الباء، فإن قلت: مررت بزيد وخالدا، وأنت تريد: وأكرمت خالدا، لم يجز لأنّ إخراجه عن الباء، ومعناها لا يجوز إلّا بدليل عليه أو ضرورة تقود إليه، ولا يحسن الواو في هذا لأنّ الأثمان المذكورة إنّما يتلو بعضها بعضا، والواو لا تدل على ترتيب الفعل، فلم تجز فيه إلّا الفاء وثمّ، وهما الدليلان على الترتيب، والفاء أكثر في كلام العرب لاتصالها بما قبلها، وثمّ فيها مهلة.
[ ٢ / ١٨٧ ]
قال سيبويه: (ومما ينتصب في غير الأمر والنهي على الفعل المتروك إظهاره، قولك: يا عبد الله، والنداء كله.
فأمّا: يا زيد، فله علّة ستراها في باب النداء إن شاء الله تعالى).
قال أبو سعيد ﵀: المنصوب من المنادى، يقدّر نصبه بفعل ينوب عنه حرف النداء، وهو: يا، كأنه قال: أدعو عبد الله، وأنادي عبد الله، وأريد عبد الله، والمفرد هو المضموم مبني لعلة قد ذكرت، تعاد في باب النداء إن شاء الله تعالى.
واستدلّ سيبويه على أنّ النداء على الفعل قولهم: يا إيّاك، إنما قلت: يا إياك، أعني.
وهذا الذي ذكره سيبويه يقوّي ما ذكرناه؛ أنّ " إياك " مضاف لأنّا رأينا العرب إذا كنّوا عن المنادي قالوا:
يا أنت، ويا إياك، فأنت: مفرد لم ينصب كما لم ينصب: يا زيد، وإيّاك: مضاف نصب كما نصب: يا عبد الله، أنشد أبو زيد:
يا مرّ يا ابن واقع يا أنتا أنت الذي طلّقت عام جعتا
حتّى إذا اصطبحت واغتبقتا أقبلت معتادا لما تركتا
قد أحسن الله وقد أسأتا (١)
قال سيبويه: (ومن ذلك قول العرب: من أنت زيدا، وزعم يونس أنه على قوله:
من أنت تذكر زيدا، ولكنّه كثر في كلامهم واستغنوا عن إظهاره بأنه قد علم أنّ زيدا ليس خبرا ولا مبنيا على مبتدإ، ولا بدّ من أن يكون على الفعل كأنه قال: من أنت معرّفا ذا الاسم، ولم يحمل زيدا على من ولا أنت، ولا يكون من أنت زيدا إلّا جوابا، كأنه قال: أنا زيد، قال: فمن أنت ذاكرا زيدا، وبعضهم يرفع، وذلك قليل، كأنه قال:
من أنت كلامك أو ذكرك زيد. وإنّما قلّ لأنّ إعمالهم الفعل أحسن من أن يكون خبرا لمصدر ليس به، ولكنّه يجوز على سعة الكلام وصار كالمثل الجاري حتى إنهم يسألون الرجل عن غيره فيقول القائل منهم: من أنت زيدا، كأنه يكلم الذي يقول: أنا زيد،
_________________
(١) الأبيات سبق تخريجها وهي منسوبة إلى الأحوص، وسالم بن دارة.
[ ٢ / ١٨٨ ]
أي: أنت عندي بمنزلة زيد الذي قال: أنا زيد، فقيل له: من أنت زيدا كما تقول للرجل: " أطرّي فإنك ناعلة " و" أحمقي " أي أنت عندي بمنزلة التي يقال لها ذلك.
سمعنا رجلا منهم يذكر رجلا فقال لرجل ساكت لم يذكر ذلك الرجل من أنت فلانا).
قال أبو سعيد ﵀: أصل هذا أنّ رجلا غير معروف بفضل كأنه يسمّى بزيد، وكان زيد مشهورا بشجاعة وضرب من ضروب الفضل التي يذكر بها الرجل، فلما تسمّى الرجل المجهول بزيد الذي هو معروف بالفضل دفع عن ذلك وأنكر عليه، فقيل له: من أنت زيدا على جهة الإنكار، أي من أنت ذاكرا زيدا ومعرّفا هذا الاسم.
وقد يجوز الرفع، والنصب أقوى، لأنك إذا رفعته تقديره: كلامك زيد، وذكرك زيد، على معنى: كلامك ذكر زيد، وكلامك اسم زيد؛ فيكون على سعة الكلام كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١).
فكان النصب أحسن من أن تجعله خبرا لمصدر. وقد يجوز لمن ليس اسمه بزيد " من أنت زيدا " على المثل الجاري كما قالوا: " أطرّي فإنك ناعلة "، و" الصيف ضيّعت اللبن " (٢)، و" أحمقي " فتخاطب الرجل بهذا وإن كان اللفظ للمؤنث؛ لأن أصل ما جرى به المثل التأنيث، وإنما يقال للذكر ذلك على معنى: أنت عندي بمنزلة التي يقال لها.
أما وقد ذكرنا تفسير هذه الأمثال في موضع آخر، وقد يجوز أن تذكر غير زيد باسمه، كأنّ رجلا ذكر عمرا وذكر ملابسة بينه وبينه، أو سؤالا عنه، وكأنّ منزلة عمرو ترتفع عند بكر أن يسأل عنه مثل هذا الرجل السائل فقال له: من أنت عمرا، كأنّ في سؤاله عن عمرو ما يتشرّف به أو يكسب به حالا فيها فخر.
يقال: من أنت سائلا عن ذلك أو مفتخرا به.
وأمّا ما حكاه من قول القائل لرجل سأله لم يذكر ذلك الرجل: من أنت فلانا، فيجوز أن يكون على معنى التعريض بالرجل الذي ذكره أنه ليس بموضع أن يذكره.
(ومن ذلك قول العرب: إمّا أنت منطلقا انطلقت معك، وإمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، قال الشاعر:
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٨٢.
(٢) يضرب مثلا للرجل يضيع الأمر ثم يريد استدراكه جمهرة الأمثال ١: ٥٧٥، ٣٢٤.
[ ٢ / ١٨٩ ]
أبا خراشة إمّا أنت ذا نفر فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع (١)
فإنما هي (أن) ضمّت إليها (ما) للتوكيد، ولزمت كراهية أن يجحفوا بها لتكون عوضا من ذهاب الفعل كما كانت الهاء والألف في: الزنادقة واليماني، ومثل: إن في لزوم ما قولهم: إمّا لا، فألزموها ما عوضا.
وهذا أحرى أن يلزموا فيه إذ كانوا يقولون: آثرا ما، فيلزمون " ما " شبّهوها بما يلزم من النونات في: لأفعلنّ، واللام في: إن كان ليفعل.
فإن كان ليس مثل وإنما هو شاذّ كنحو ما شبّه بما ليس مثله، فلما كان قبيحا عندهم أن يذكروا الاسم بعد أن، ويبتدئونه بعدها، كقبح: " كي عبد الله يقول ذلك " حملوه على الفعل حتى صار كأنّهم قالوا: " إذ صرت منطلقا فأنا أنطلق معك "، لأنها في معنى: إذ، وإذ في معناها- أيضا- في هذا الموضع، إلا أنّ إذ لا يحذف معها الفعل، وإمّا لا يذكر بعدها الفعل لأنه من المضمر المتروك إظهاره حتى صار ساقطا بمنزلة تركهم ذلك في النداء، وفي " من أنت زيدا "، فإن أظهرت الفعل قلت: " إمّا كنت منطلقا انطلقت "، إنما تريد إن كنت منطلقا انطلقت.
فحذف الفعل لا يجوز ههنا، كما لم يجز إظهاره؛ لأنّ " أمّا " كثرت في كلامهم واستعملت حتى صار كالمثل المستعمل، وليس كلّ حرف هكذا).
قال أبو سعيد ﵀: أمّا أنت منطلقا، اختلف فيه الكوفيون والبصريون مع إجماعهم على حذف الفعل.
فقال الكوفيون: هو بمعنى إن، وعندهم أنّ " أن " المفتوحة فيها معنى " إن " التي للمجازاة، وعلى ذلك يحملون: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (٢).
ويحتجون بأنها تقرأ: " إن تضلّ ". بكسر " إن " والمعنى عندهم سواء.
وأما البصريّون: فالتقدير عندهم: " لأن كنت أنت منطلقا أنطلق معك "، أي: لهذا المعنى الذي كان منك في الماضي: أنطلق معك، ولذلك شبهها سيبويه ب " بإذ " وجعلهما
_________________
(١) الخصائص ٢: ٣٨٣؛ خزانة الأدب ٤: ١٣، ١٤، ١٧؛ ٥: ٤٤٥؛ ٦: ٥٣٢؛ ١١: ٦٢؛ مغني اللبيب ١: ٢٢١، ٣٧٥؛ ٥: ٢٩٥؛ شرح شذور الذهب ٢٣٧؛ الإنصاف ٧١.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٨٢.
[ ٢ / ١٩٠ ]
كشيء واحد لاشتراكهما في المضيّ، وإذا ولى " أن " الفعل الماضي فهو ماض لا غير، كما إذا وليها المستقبل، فهو
للاستقبال لا غير، لأجل أنّ الثاني استحقّ بالأول جاز دخول الفاء في الجواب في قوله:
فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع
وجعلوا لزوم " ما " عوضا من حذف الفعل، فلا يحسن ذكر الفعل بعدها لحصول الغرض.
وكان المبرّد يجيز ذكر الفعل بعدها ويجعلها زائدة كزيادتها في قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ * (١).
وليس على ما قال دليل لأنّها زائدة في هذا الموضع، ثم لزمت عوضا ولم تستعمل إلا على ذلك، وحسن حذف الفعل لإحاطة العلم بأنّ " أن " هذه الخفيفة لا يقع بعدها الاسم مبتدأ، فكان ذلك بمنزلة فعل محذوف لحضور الدلالة عليه.
وأمّا قوله كالعوض في: الزنادقة واليماني. فأصل الزنادقة: الزناديق، واليماني: يمنيّ، والألف في الزنادقة عوض من الياء، والألف في اليماني عوض من إحدى (ياءي) النسب، ونستقصي ذلك في غير هذا الموضع.
ومثل " أن " في لزوم " ما " قولهم: " إمّا لي ".
والأصل فيه: أن الرجل قد يمتنع من أشياء يلزمه أن يفعلها ويسومه إياها سائم فيمتنع منها، فيقنع منه بالبعض فيقال: " إمّا لي فافعل هذا " على معنى إن كنت لا تفعل غيره فافعل هذا، ثم زيدت " ما " كما تزاد في حروف الجر، ثم حذف الفعل لكثرة هذا في كلامهم، وصار " إمّا " مع " لا " كالشيء الواحد عندهم، فأجازوا فيها الإمالة، ولو انفردت " لا " لم تجز فيها الإمالة.
وقولهم: " أثرا ما "، يلزمونه " ما " فلا يكادون يحذفونها منه، ومعناها في قولك: آثرا أن تفعل كذا في معنى: أثر، وهو يريد: أفعل هذا أول شيء، ويقولون: آثر ذي أثير، ومنه قوله:
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٥٥. سورة المائدة، الآية: ١٣.
[ ٢ / ١٩١ ]
فقالت ما تشاء، فقلت ألهو إلى الإصباح آثر ذي أثير (١)
أي أوّل ما يؤثر ويقدّم في الفعل.
وقد ذكرنا لزوم النون في لأفعلنّ، واللام في إن كان ليفعل في موضعه، وسائر ما ذكر من المحذوفات.
قال: وإن جئت بالفعل كسرت " إن " لأنك تريد إن كنت منطلقا انطلقت، ولا يمتنع عند المبرد وغيره إذا حذفت (ما) وأتيت بالفعل أن تفتح وتكسر فتقول:
إن كنت منطلقا وأن كنت منطلقا انطلقت، وقال:
إمّا أقمت وإمّا كنت مرتحلا فالله يكلأ ما تأتي وما تذر (٢)
كسرت هذا لحضور الفعل، وهو الأجود، ولا يمتنع عند أبي العباس وغيره إذا حذفت " ما " وأتيت بالفعل أن تفتح وتكسر، فتقول:
إن كنت منطلقا، وأن كنت منطلقا، فإن كسرت فهو المعنى الظاهر في الشرط، وإن فتحت فالمعنى:
لأن كنت منطلقا، أي: لانطلاقك، وقد ذكرنا " أن " و" إن " في موضعهما.
قال: ومن ذلك قولهم: مرحبا وأهلا وسهلا، وإن تأتني فأهل الليل وأهل النهار.
وتقدير الناصب فيه: أتيت مرحبا وأهلا، وإن تأتني فتأتي أهل الليل وأهل النهار على معنى:
أنّك تأتي من يكون لك كالأهل بالليل والنهار، وقد قدره سيبويه، كأنه صار بدلا من قولك: رحبت بلادك، وأهلت.
وهذا التقدير إنما قدّر بالفعل لأن الدعاء إنما يكون بفعل، فردّه إلى فعل من لفظ الشيء المدعوّ به، كما يقدّرون: تربا وجندلا بتربت وجندلت.
وإنما الناصب له:
أصبت تربا وجندلا، وألزمت تربا وجندلا على معنى ما تحسن به العبارة عن
_________________
(١) البيت لعروة بن الورد: ديوانه ١١؛ الأغاني ٣: ٧٧؛ الخصائص ٢: ٤٣٥.
(٢) بدون نسبة، خزانة الأدب ٤: ١٩، ٢٠، ٢١؛ مغني اللبيب ١: ٢٢١؛ اللسان (أما) وروايته: إما أقمت وأما أنت ذا سفر فالله يحفظ مما تأتي وما تذر
[ ٢ / ١٩٢ ]
المعنى المقصود، وهذا إنما يستعمل فيما لا يستعمل الفعل فيه، ولا يحسن إلا في موضع الدعاء به.
ألا ترى أن الإنسان الزائر إذا قال له المزور: مرحبا وأهلا، فليس يريد رحبت بلادك وأهلت.
إنما يريد: أصبت رحبا وسعة وأنسا. لأنّ الإنسان إنما يأنس بأهله، ومن يألفه.
(وقد مثله الخليل أنه بمنزلة رجل رأيته قد سدّد سهما فقلت القرطاس، أي:
أصاب القرطاس، أي: أنت عندي ممّن سيصيبه، وإن أثبت سهمه قلت: القرطاس أي:
قد استحق وقوعه بالقرطاس. قال:
وإذا رأيت رجلا قاصدا إلى مكان أو طالبا أمرا فقلت: مرحبا وأهلا وسهلا، أي: أدركت ذلك وأصبت، فحذفوا
الفعل لكثرة استعمالهم إياه).
قال: ويقول الرّادّ: وبك أهلا وسهلا، وبك وأهلا، فإذا قال: وبك وأهلا فكأنه قد لفظ بمرحبا بك وأهلا وسهلا.
(وإذا قال: وبك أهلا فهو يقول: لك الأهل، أي: عندك الرّحب والسّعة، فإذا رددت فإنّما تقول: أنت عندي بمنزلة من يقال له: هذا لو جئتني وإنما جئت ب " بك " لتبيّن من تعني بعد ما قلت: مرحبا كما قلت: لك بعد سقيا).
قال أبو سعيد: هذا الكلام تقديره أن يقوله الرجل الذي يدخل إذا قال له المدخول عليه: مرحبا وأهلا، فيردّ فيقول: وبك وأهلا كأنه قال: وبك مرحبا وأهلا، وإنما هذه تحية المزور ومن يدخل عليه، يحيي بها الزائر المزور على معنى أنك أصبت عندي سعة وأنسا.
وإذا قال الزائر: وبك أهلا، والحال لا تقتضي من الزائر أن يصادف المزور عنده ذلك فيحمل على معنى: أنك لو جئتني لكنت بهذه المنزلة، وإذا قال: وبك أهلا، فإنما اقتصر في الدعاء له على معنى الأهل فقط من غير أن يعطفه على شيء قبله، كأنّ الرّحب والسّعة قد استقرا استقرارا يغنيه عن الدّعاء، وأمّا مجيئه ب " بك "، فللبيان أنه المعنيّ به لا لأنّه المتصل بالفعل المقدّر كما كان قولك: " سقيا لك "، تقديره: سقاك الله سقيا ولك، كأنّه قال: هذا الدعاء لك على تقدير آخر غير تقدير سقاك الله.
قال: (ومنهم من يرفع فيجعل ما يضمر هو ما يظهر).
[ ٢ / ١٩٣ ]
يعني منهم من يقول: مرحب وأهل، أي: هذا مرحب أو لك مرحب وأهل، قال الشاعر:
وبالسّهب ميمون النقيبة قوله لملتمس المعروف أهل ومرحب (١)
أي: هذا أهل ومرحب، وقال آخر:
إذا جئت بوّابا له قال مرحبا ألا مرحب واديك غير مضيّق (٢)
ثم ذكر الإضمار والإظهار على ثلاثة مجار منها:
فعل مظهر لا يحسن إضماره، وهو أن تقول: اضرب زيدا أو أكرم زيدا، لا يحسن إضمار هذا الفعل إذ لم تجد ما يدلّ عليه، لأنك إذا قلت: زيدا ولم تقدّم قبله فعلا لم تدر أيريد أكرم زيدا أم أهن زيدا أم غير ذلك.
وفعل يجوز إضماره وإظهاره كقولك: زيدا لرجل كان في ذكر ضرب، تريد:
اضرب زيدا، يجوز أن تحذف اضرب اكتفاء بما جرى من ذكر الضرب، ويجوز أن تذكره.
ومنها فعل يضمر وقد ترك إظهاره وهو من الباب الذي ذكر فيه إياك إلى الباب الذي آخره ذكر مرحبا، وهو الباب الذي نحن فيه، وقد تقدم الكلام على ذلك.