(تقول: رويد زيدا وإنما تريد أرود زيدا.
قال الهذليّ:
رويد عليّا جدّ ما ثدي أمّهم إلينا ولكن بغضهم متماين) (٢)
قد ذكرنا نصب رويد لما بعده فأمّا معنى البيت فإنّ عليّا قبيلة، وجدّ: قطع، وهذا مثل، يريد قطع نسبهم إلينا بالعقوق، وبغضهم متماين يعني متكاذب وإنما أراد أنهم أبغضونا على غير ذنب، والمين: الكذب، وكأن بغضهم كذب إذ كان على غير أصل.
ويروى: " ولكن ودّهم متماين " وهو ظاهر المعنى وهمز بعض أهل اللغة متمأين وهو ظاهر المعنى، وهمز بعض أهل اللغة متمأين وزعم أن معناه متقادم.
قال: (وسمعنا من العرب من يقول: " والله لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشعر " يريد أرود الشعر كقول القائل: لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشعر).
قال أبو العباس: " هذا رجل مدح رجلا فقال الممدوح للمادح هذا القول؛ أي لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشعر لا حاجة بك إليه ".
قال أبو سعيد: وقد يقال إن سائلا سأل آخر أن ينشد شعرا وكان إنشاده عليه سهلا فقال: لو أردت الدراهم التي إعطاؤها صعب لأعطيتك فدع الشعر الذي هو سهل تقرّبا إليه في مبادرته إلى قضاء حاجته.
قال: (ويكون رويد أيضا صفة يقولون: ساروا سيرا رويدا، ويقولون أيضا:
_________________
(١) سورة محمد، الآية: ٤.
(٢) البيت ل (مالك بن خالد الهذلي) وقيل: ل (المعطل): التهذيب ٥: ٥٢٩؛ شرح المفصل ٤: ٤٠؛ أشعار الهذليين ١: ٤٤، ق ٣: ٤٦؛ تاج العروس (مين).
[ ٢ / ١٤٥ ]
ساروا رويدا فيحذفون السير ويجعلونه حالا وصف به المصدر اجتزاء بما في صدر حديثه من ذكر ساروا عن ذكر السير).
قال أبو سعيد: اعلم أن رويد قد تكون لها حالان سوى حالها التي ذكرنا تكون فيها معربة وهي النعت والحال، ويجوز أن تكون في هاتين الحالتين تصغيرا لإرواد الذي هو المصدر، ويجوز أن تكون تصغير مرود أو مرود بحذف الزوائد على ما ذكرنا من تصغير الترخيم، فإذا جئت بالموصوف فأظهرته كان وصفا كقولك: ضعه وضعا رويدا، وإذا لم تجئ بالموصوف كان الاختيار أن يكون حالا لضعف الصفة من غير أن تقدّم الموصوف، ويجوز أن يكون صفة قامت مقام الموصوف تقول: رويدا، تريد وضعا رويدا.
قال: (واعلم أن رويدا تلحقه الكاف وهي في موضع الفعل كقولك: رويدك زيدا افعل، ورويدكم زيدا، ودخلت
الكاف علامة للمخاطب إذا خفت أن يلتبس من تعني بمن لا تعني وتجد فيها استغناء بعلم المخاطب أنه لا يعني غيره).
ولا موضع للكاف عند سيبويه ومن ذهب مذهبه من نصب ولا رفع ولا جرّ، وهي عندهم بمنزلة الكاف في ذلك وذلكما لا موضع لها من الإعراب.
وبعض النحويين يزعم أن موضعها رفع، وبعضهم يقول: موضعها نصب، فأما الذي يزعم أن موضعها رفع فالحجة عليه أن يقال: إنّا لم نر شيئا يعمل عمل الفعل وليس بفعل يتصل به ضمير الفاعل ظاهرا وإنما يكون الضمير في النية كقولك: حذار زيدا.
ومن الحجة عليه- أيضا- أنا قد نقول: رويد زيدا فنحذف الكاف ونقدّر في رويد ضميرا مرفوعا في النية؛ فلو كانت الكاف هي الفاعلة ما جاز حذفها.
والحجة على من قال: إنها في موضع نصب أن رويد إنما هو اسم أرود، وأرود لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، فكلما كان اسما لأرود لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، ولو كانت الكاف منصوبة كنت قد عديت رويدا إلى مفعولين، ولو جاز هذا لجاز: رويد زيدا عمرا.
ثم استدل على بطلان قول من يقول: إن الكاف اسم لها موضع بما تقدّم، ثم احتجّ
[ ٢ / ١٤٦ ]
سيبويه على أن الكاف لا موضع لها بقول العرب: هاء وهاءك في معنى: تناول؛ فزاد الكاف على هاء للخطاب، وفيه لغات قد ذكرناها في أول الكتاب.
واحتجّ في ذلك على من انتحل والتزم أن كاف ذلك لها موضع بأن قال: إن كان لها موضع فلا بدّ من أن تكون مجرورة أو منصوبة، فإن كانت منصوبة وجب أن تقول:
ذاك نفسك زيدا إذا أراد تأكيد الكاف، وينبغي له أن يقول: إذا كانت مجرورة ذاك نفسك زيد وهو أن لا يقولهما أحد.
ومما دخل للكاف أيضا التاء في أنت وهي ملازمة، تختلف في المذكر والمؤنث ولا موضع لها، ولو كان لها موضع من رفع أو نصب لوجب أن يؤتى بعامل يعمل ذلك العمل ولا عامل موجود في لفظ ولا تقدير.
ثم احتج سيبويه- أيضا- في ذلك بقولهم: أرأيتك زيدا ما فعل؟ فذكر أن الكاف لا موضع لها وأن التاء علامة المضمر المرفوع المخاطب، ولو لم تلحق الكاف كنت مستغنيا كاستغنائك حين كان المخاطب مقبلا عليك، فهذا الذي ذكر سيبويه صحيح، وسقوط الكاف مع صحة المعنى الذي يكون بوجودها دلالة على أن لا موضع لها، ولو
كانت الكاف في موضع رفع كما قالوا لوجب ألا تسقط لأن ضمير الفاعل لا يسقط من الفعل أبدا.
وزعم الفراء أن العرب تجعل " أرأيتك " على مذهبين مختلفين: فإذا قلت رأيتك منطلقا كما تقول حسبتك ذاهبا فعدّيتك فعل المخاطب إلى نفسه كان موضع التاء رفعا، وموضع الكاف نصبا، وثنيت وجمعت فقلت: رأيتماكما منطلقين، ورأيتموكم منطلقين ورأيتنّكنّ منطلقات لجماعة المؤنث، فإن أدخلت ألف الاستفهام على هذا أقررته على حاله فقلت: أرأيتماكما منطلقين فهذا أحد المذهبين، والمذهب الآخر: أن تقول: أرأيتكم زيدا ما فعل؟ على معنى أخبرنّي عن زيد؟ وإذا ثنى وجمع لحقت التثنية والجمع الكاف وكانت التاء مفردة على كل حال فقلت: أرأيتكما زيدا ما فعل؟ قال الله ﷿: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً (١) فاستدل بتوحيد التاء في هذا على أنه لا
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٤٧.
[ ٢ / ١٤٧ ]
موضع لها وأن الموضع للكاف، وقد بيّنا ما تقدّم من الاحتجاج أن لا موضع للكاف.
ويجوز أن يكون إفرادهم التاء استغناء بتثنية الكاف وجمعها لأنها للخطاب وإن كان لا موضع لها كما أن التاء للخطاب، وإنما استغنوا بتثنية الكاف وجمعها عن تثنية التاء وجمعها للفرق بين أرأيت إذا كان في معنى أخبرني، وبينها إذا أردت به معنى علمت، فاعرفه إن شاء الله.
قال: (ونظير الكاف في رويد في المعنى لا في اللفظ " لك " التي تجيء بعد هلمّ في قوله: هلمّ لك فالكاف ههنا اسم مجرور باللام والمعنى في التوكيد والاختصاص بمنزلة الكاف التي في رويد وما أشبهها كأنه قال: هلمّ ثم قال: إرادتي بهذا لك فهو بمنزلة قولك: سقيا لك).
أما قوله: نظير الكاف في رويدك لك التي تجيء بعد هلمّ فإنما يعني أنك إذا قلت:
رويد فالمعنى تامّ، فإذا زدت الكاف زدتها بعد تمام المعنى لتبيين المخاطب وإن كانت رويد قد أغنتك عن ذلك، كما أنك إذا قلت: هلمّ للمخاطب استغنى الكلام به وتمّ فإذا قلت: هلمّ لك فجئت ب " لك " فإنما تجيء بها بعد استغناء الكلام عنها وتمامه دونها حرصا على تبيين المخاطب، وكذلك إذا قلت: سقيا لك، فسقيا غير محتاج إلى لك لأن معناه: سقاك الله سقيا، ولكنك لما قلت: سقيا جئت ب " لك " تأكيدا وتبيينا كأنك قلت:
دعائي بهذا لك أو إرادتي لك، غير أن الكاف في هلمّ لك، وسقيا لك مجرورة باللام وفي رويدك لا موضع لها من الإعراب، وإنما جمع بينهما سيبويه في التأكيد بهما بعد تمام الكلام دونهما لا في موضع الإعراب، وفي رويد
ضمير فاعل في النيّة يجوز أن يؤكّد وأن يعطف عليه بحسب ما يجوز في ضمير الفاعلين.
تقول: رويدكم أنتم وعبد الله، ورويدكم أجمعون، كما تقول: قم أنت وعبد الله، وقوموا أجمعون، وكذلك إن لم يكن فيه الكاف، فإذا خاطبت الواحد قلت: رويد أنت زيدا، وإذا خاطبت اثنين قلت: رويد كلاكما زيدا، وللجميع: رويد أجمعون.
وأمّا هلمّ لك ففيه ضميران مرفوع ومجرور:
فالمرفوع هو ضمير الفاعل الذي في هلم، والمجرور هو الكاف في لك فيجوز أن تقول: هلم لكم أجمعون وأجمعين، فأجمعون على تأكيد الضمير الذي في هلم، وأجمعين
[ ٢ / ١٤٨ ]
على تأكيد الكاف والميم في لكم وموضعه جرّ.
(وهذا ضرب من الفعل سمّي الفعل فيه بأسماء مضافة ليست من أمثلة الفعل الحادث ولكنها بمنزلة الأسماء المفردة التي كانت للفعل نحو: رويد وحيهل ومجراهنّ واحد).
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا يخالف ما قبله لأنه قد اشتمل على ظروف وحروف جرّ تجري مجرى الظروف ومصادر مضافات كلّهنّ، والفرق بين هذا الفصل والذي قبله أن هذا مضاف والذي قبله مفرد وينقسم هذا قسمين:
قسم يتعدّى، وقسم لا يتعدّى.
فأما ما يتعدى فقولك: عليك زيدا ودونك زيدا وعندك زيدا تأمره به؛ فأمّا عليك فحرف من حروف الجرّ، وأما دونك وعندك فظرفان، وقد جعلن بمنزلة قولك: خذ زيدا، والكاف منهن في موضع جرّ.
وذكر عن المازنيّ أنه كان الأصل في عليك زيدا أي: خذه من فوقك.
وفي عندك زيدا أي: خذه من عندك.
وفي دونك زيدا أي: خذه من أسفل من موضعك.
وتحصيل هذا خذ من دونك زيدا، وخذ من عندك زيدا، وخذ من عليك زيدا.
كما تقول: خذه من فوقك، كما قال الشاعر:
غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها تصلّ وعن قيض بزيزاء مجهل (١)
ثم حذف حرف الجر وهو " من " فوصل الفعل إلى هذه الأسماء وحذف فعل الأمر وهو: " خذ " اكتفاء واستخفافا.
قال: وما تعدّى المنهيّ إلى منهيّ عنه قولك:
حذرك زيدا وحذارك زيدا فردّ عليه أبو العباس المبرّد هذا اللفظ من وجهين:
_________________
(١) البيت ل (مزاحم بن الحارث العقيلي): شرح المفصل ٨: ٣٨؛ أدب الكاتب: ٥٠٤؛ تاج العروس (صلل).
[ ٢ / ١٤٩ ]
أحدهما: أن قولك: حذرك إنّما هو: احذر وقد جعله سيبويه نهيا.
قال أبو العباس: " فإن قال قائل فمعنى احذر: لا تدن منه " قيل: وكذلك عليك معناه: لا يفوتنك، وكلّ أمر أمرت به فأنت ناه عن خلافه، وإذا نهيت عن شيء فقد أمرت بخلافه، فقد يجوز في الأمر أن يقال نهي وفي النهي أن يقال أمر على المعنى، فإذا كان كذلك فلا وجه للتفصيل الذي فصل به سيبويه بين الأمر والنهي.
والوجه الآخر: أنه وضع في هذا الباب ما لم يؤخذ من أمثلة الفعل، وحذرك مأخوذ من الحذر فهو خارج من هذا الباب؛ لأن هذا الباب عليك ودونك.
وليس الأمر على ما ردّه أبو العباس في الوجهين جميعا.
أما الوجه الأول فقد ذكرنا أن ألفاظا من ألفاظ الأمر الأكثر في عادة كلام الجمهور أن يقال: نهى وإن كان بلفظ الأمر كقولك: تجنب فلانا، واحذر فلانا، وابعد عن فلان فإنما يقال: نهاه عنه؛ فجرى سيبويه على اللفظ المعتاد.
وأما الوجه الآخر فإنما غرّ سيبويه في هذا الباب تفصيل المضاف من المفرد الذي قبله لأنه قد ذكر ظروفا وأسماء كلها مضافات، وقد ترجم الباب بقوله: بأسماء مضافة.
(وأما ما لا يتعدّى فقولك: مكانك، وبعدك إذا قلت: تأخّر، وكذلك عندك إذا كنت تحذّره شيئا من بين يديه أو تبصّره شيئا، وإليك إذا أردت تنحّ، ووراءك إذا قلت: افطن لما خلفك).
وقد ذكر سيبويه عندك فيما يتعدى، وقد ذكره فيما لا يتعدى وهذا غير مستنكر وذلك أنه قد يكون فعل واحد متعديا وغير متعدّ؛ كقولك: علقتك وعلقت بك وجئت زيدا وجئت إلى زيد.
قال: (وحدثنا أبو الخطاب أنه سمع من يقال له: إليك فيقول إليّ كأنه قيل له:
تنحّ فقال: أتنحّى، ولا يقال: دوني ولا عليّ هذا، إنما سمعناه في هذا الحرف وحده وليس لها قوة الفعل فتقاس).
اعلم أن هذه الأسماء والحروف التي تضمّنها هذا الفصل وما قبله من المفرد والمضاف لا يجوز أن تقع إلا في أمر المخاطب هذا حكمه وبابه، وذلك من قبل أنّ أمر المخاطب يقع بالفعل المحض من غير حرف يدخل عليه، وأمر الغائب لا يقع إلا بحرف ألا ترى أنك تقول: قم يا زيد ولا يجوز أن تقول: قم يا عمرو إذا كان غائبا وإنما تقول:
[ ٢ / ١٥٠ ]
ليقم عمرو، ومع هذا فإنما الأمر إنما يكون بمواجهة المخاطب وتنبيهه وندائه، فقد يوضع كثير من الأصوات في موضع الأمر للإنسان وللبهائم، كقولك للإنسان: مه وصه، وللناقة:
حل، وللجمل: حوت، وللحمار: تشوه.
وهذه الأشياء لا تقع إلّا في أمر فجعلوا- إليك، وعليك، ووراءك، ودونك- بمنزلة هذه الأصوات التي يؤمر بها، فالقياس ألّا يقع هذا في غير الأمر، فإذا قلت: إليك فقال: إليّ فقد جعل إليّ بمعنى أتنحّى وهو خبر ليس بأمر، وهذا شاذّ مخالف لقياس الباب.
فإذا قلت: عليك زيدا ودونك زيدا على معنى خذ زيدا فلا يجوز أن تقول: عليّ زيدا ودوني زيدا على معنى آخذ زيدا؛ لأن ذلك لا يجوز في غير الأمر، وقد يجوز أن تقول: عليّ زيدا على غير هذا المعنى إذا أردت ائتني بزيد فيكون في باب الأمر، ولا يجوز أن تقول: دوني زيدا إذا أردت ائتني بزيد وذلك إذا قلت: عليّ زيدا فقد عدّيته إلى زيد وإليك بحرف الجرّ، وإذا قلت: عليك زيدا فإنما عديته إلى زيد وإلى المخاطب بحرف الجر، فقد توسّعت العرب في هذا الفعل فعدّته مرّة إلى المتكلم بحرف الجرّ ومرّة إلى المخاطب ولم تتوسّع في دونك وعندك لأنهم لم يقولوا: دوني وعندي، ولا يجب أن نقيس ذلك لأنّه قد يجوز أن يكون فعل منه متعدّ ولا يتعدى نظيره. ألا ترى أنك تقول: علقتك وعلقت بك، ولا يجوز في مررت بك مررتك.
قال: وحدّثني من سمعه أنّ بعضهم قال: عليه رجلا ليسنى، وهذا قليل شبّهوه بالفعل.
يعني أنه قال: عليه فأمر غائبا، وقد روي مثل هذا عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله أنّه قال: " من استطاع منكم الباءة فليتزوّج وإلّا فعليه الصوم، فإنّه له وجاء " (١).
وإنما أمر الغائب، فهذا الحرف على شذوذه، لأنه قد جرى للمأمور ذكر فصار بالذّكر الذي جرى له كالحاضر فأشبه أمره أمر الحاضر، ولو كان المأمور اسما ظاهرا لم يجز؛ لأنه لا يجوز أن تقول: على زيد عمرا، وإذا قلت عليك زيدا فللمخاطب ضميران:
_________________
(١) صحيح البخاري ٢٠: ٦٦ كتاب النكاح. صحيح مسلم ٢: ١٠١٨، ١٠١٩ كتاب النكاح باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه.
[ ٢ / ١٥١ ]
أحدهما: مجرور، وهو الكاف، ومعناه معنى المفعول، والآخر: مرفوع في النية فاعل، ويجوز أن تؤكدهما أو ما شئت منهما تقول: عليك نفسك زيدا، ويجوز أن تقول:
عليك نفسك أنت نفسك، على أن تجعل المجرور تأكيدا للكاف، والمرفوع تأكيدا لضمير الفاعل، ولا يجوز أن
تقول: عليك وأخيك فتعطف أخيك على الكاف؛ لأن المجرور الظاهر لا يعطف على المجرور المضمر، والاحتجاج لهذا في غير هذا الموضع.
قال: (ومن جعل رويدك مصدرا قال: رويدك نفسك).
يعني من قال: رويدا يا زيد كما تقول: ضربا يا زيد جاز أن تضيفه إلى الكاف كما قال ﷿: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ (١). فأضاف ضرب الرقاب، وكذلك أضاف رويد إلى الكاف وجاز أن يؤكد الكاف لمجرور ويصير للمخاطب ضميران.
أحدهما: مجرور وهو الكاف.
والآخر: ضمير الفاعل في النية.
(وأما قول العرب: رويدك نفسك، فإنهم يجعلون النفس بمنزلة عبد الله، ويجعلون الكاف للخطاب لا موضع لها، وكأنهم قالوا: رويد نفسك على ما فسّرنا في رويد زيدا).
قال: (وأما حيّهلك، وهاءك وأخواتها فليس فيها إلا ما ذكرنا لأنّهنّ لم يجعلن مصادر).
يعني أن الكاف في هذه الأشياء لا موضع لها وإنما هي للخطاب.
أراد الفرق بين رويدك وبين حيّهلك؛ لأن رويدك قد تكون الكاف فيه مرّة للخطاب ومرّة في موضع جرّ، فإذا كان للخطاب فهو بمنزلة حيّهلك، وإذا كان في موضع جرّ فهو بمنزلة عليك وحذرك.
(واعلم أنك لا تقول: دوني، كما قلت: عليّ لأنه ليس كل فعل بمنزلة أولني قد تعدى إلى مفعولين، فإنما عليّ بمنزلة أولني ودونك بمنزلة خذ لا تقول: آخذني درهما ولا خذني درهما).
_________________
(١) سورة محمد، الآية ٤.
[ ٢ / ١٥٢ ]
يعني أنك تقول: عليك زيدا فيكون بمنزلة خذ زيدا ثم تقول: عليّ زيدا فيكون بمنزلة: أولني زيدا كما تقول: أعطني زيدا ودونك زيدا ولا تقول: دوني زيدا، كما لا تقول: خذني زيدا، فإنما ننتهي في ذلك حيث انتهت العرب.
قال: (واعلم أنه يقبح أن تقول: زيدا عليك، وزيدا حذرك، وإنّما قبح لأن هذه الحروف ليست بأفعال وإنما وضعت موضع الأفعال ولا تصرّف لها؛ فلم تعمل عمل الفعل في جميع الأحوال، ولم تقو قوّته).
فإذا رأيت في شعر " زيدا عليك " فإنما تنصب " زيدا " بفعل وتكون " عليك " مفسّرة له كما قال:
يا أيّها المائح دلوي دونكا إنّي رأيت الناس يحمدونكا (١)
فدلوي في موضع نصب بإضمار فعل؛ كأنه قال: خذ دلوي دونك، وكذلك قوله ﷿: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (٢).
ينتصب كتاب بما قبله لا بعليكم؛ كأنه لما قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (٣).
فقد دلّ أنّه كتب التحريم عليكم كتابا فنصب الكتاب بالمصدر، لا بعليكم، وكان الكسائي ينصب كتاب الله بعليكم، ويحتج بالبيتين اللذين أنشدنا، والفراء يخالفه ويقول نحو ما ذكرناه في البيتين.