جرى مجرى الفعل المضارع في المفعول في المعنى فإذا أردت فيه من المعنى مثلما أردت في " يفعل " كان منونا نكرة، وذلك قولك: هذا ضارب زيدا غدا.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا في باب من الاستفهام تعدي اسم الفاعل إلى المفعول، وجريه على فعله، وأحكمنا ذلك بما أغنى عن إعادته، وذكرنا أيضا جواز حذف التنوين منه، وإضافته تخفيفا، وقد أنشد سيبويه أبياتا في التنوين والإعمال، وفي حذف التنوين والجر، وزعم أن المضاف لا يتعرف في هذا الباب بما يضاف إليه؛ لأن التنوين هو الأصل، وهو مقدر في المضاف.
قال سيبويه: (والأصل التنوين، لأن هذا الموضع لا يقع فيه معرفة).
يعني أن أسماء الفاعلين المضافة إلى المعارف تقع في الموضع الذي لا يقع فيه معرفة نحو قوله:
[ ٢ / ٢٦ ]
سلّ الهموم بكلّ معطي رأسه (١)
ومررت برجل ضارب زيد، فعلم أن الأصل التنوين.
قال: " ولو كان الأصل هاهنا ترك التنوين لما دخله التنوين ".
يعني أن الأصل في اسم الفاعل التنوين، والإضافة دخلت تخفيفا، ولو كان الأصل الإضافة لما نوّنوا؛ لأنهم لا يزيدون على التخفيف فيثقلونه، ويخففون الثقيل، ولو كان الأصل ترك التنوين والإضافة، لما كان أيضا نكرة؛ لأنه مضاف إلى معرفة.
قال: وزعم عيسى أن بعض العرب ينشد:
فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا (٢)
فحذف التنوين لاجتماع الساكنين، ولم يحذفه للإضافة، ولو حذفه للإضافة لقال:
" ولا ذاكر الله إلا قليلا " وهو أجود؛ لأن تحريك التنوين لالتقاء الساكنين أجود من حذفه؛ إذ كان حرفا يحتمل التحريك، والذي يحذفه يشبهه بحروف المد واللين.
قال: وتقول في هذا الباب: " هذا ضارب زيد وعمرو " على العطف والإشراك، ويجوز " ضارب زيد وعمرا " على معنى ويضرب عمرا؛ لأن ضاربا قد دل على يضرب، فحمله على المعنى، ثم احتج للحمل على المعنى بقول الشاعر:
جئني بمثل بني بدر لقومهم أو مثل أسرة منظور بن سيّار (٣)
يريد أو هات مثل أسرة؛ لأن جئني قد دل عليه.
وقال:
أعنّي بخوّار العنان تخاله إذا راح يردي بالمدجّج أحردا
وأبيض مصقول السّطام مهنّدا وذا حبك من نسج داود مسردا
فحمل نصب ما في البيت الثاني على المعنى كأنه قال: " أعطني أبيض مصقول السطام ".
_________________
(١) نسبه سيبويه للمرار الأسدي وهذا صدر البيت وعجزه: ناج مخالط صهبة متعيس.
(٢) الخزانة ٤/ ٥٥٤ - المقتضب ١/ ١٩، ٢/ ٣١٣. ديوان أبي الأسود ١٢٣.
(٣) قائله جرير، سيبويه ١/ ٤٨، ٨٦ - ديوان جرير ٣١٢ - المقتضب ٤/ ١٥٣.
[ ٢ / ٢٧ ]
وأراد بقوله: " تخاله أحردا " يعني تخال هذا الفرس أحردا من نشاطه ومرحه وخيلائه، والأحرد الذي في يديه استرخاء.
قال: " والنصب في الأول أقوى ".
يعني النصب في " هذا ضارب زيد وعمرا " أحسن وأقوى من النصب في قوله:
" جئني بمثل بني بدر " أو " مثل أسرة " و" أعنّي بخوار العنان " و" أبيض مصقولا "، وذلك أن " ضارب زيد " أصله " ضارب زيدا "، و" جئني بمثل بني بدر " أصله الجر بسبب الباء، فكان النصب فيما أصله النصب أقوى من النصب
فيما أصله الجر، وهو " جئني بمثل بني بدر " وهذا هو معنى قوله: " ولم يدخل الجر على ناصب ولا رافع ".
يعني حرف الجر لم يكن ناصبا ولا رافعا كما كان اسم الفاعل قبل أن يضاف قال:
" وهو على ذلك عربي جيد ".
وأنشد فيه أبياتا ثم بين أن اسم الفاعل الذي في معنى الفعل الماضي لا ينّون وينصب ما بعده به، وقد بينا ذلك، وأجاز في الفعل الماضي: (هذا ضارب عبد الله وزيدا على معنى وضرب زيدا ثم أنشد بيتا في الحمل على المعنى وهو:
يهدي الخميس نجادا في مطالعها إمّا المصاع وإمّا ضربة رغب (١)
فحمل " ضربة رغب " على المعنى، وذلك أن معنى قوله: إما المصاع، أي: إما يماصع مصاعا، أي يضارب ويقاتل.
ولو جعل مكان ذلك إما أمره مصاع لكان مستقيما، نائبا عن ذلك المعنى، فحمل " وإما ضربة رغب " على ذلك المعنى، كأنه قال: وإما أمره ضربة رغب، وهي الواسعة.
وقال:
فلم يجدا إلا مناخ مطية جافى بها زور نبيل وكلكل (٢)
ومفحصها عنها الحصي بجرانها ومثنى نواج لم يخنهنّ مفصل
وسمر ظماء وا ترتهنّ بعد ما مضت هجعة من آخر الليل ذبّل
الشاهد في الأبيات: رفع " وسمر ظماء "، وما قبلها منصوب بقوله: " فلم يجدا " كأنه
_________________
(١) سيبويه ١/ ٨٧، اللسان (مصع) ١٠/ ٢١٤.
(٢) الأبيات لكعب بن زهير ديوانه ٥٢، ٥٣، ٥٤.
[ ٢ / ٢٨ ]
قال: فلم يجدا في هذا المكان إلا مناخ مطية وإلا مفحص هذه المطية الحصي عنها بجرانها، وكان ينبغي أن يقول: وإلا سمرا ظماء ذبلا، وإنما يعني بالسمر الظماء الذبل بعر هذه المطية، كأنه قال: وبها سمر " ظماء ".
وقال آخر:
بادت وغيّر آيهنّ مع البلى إلا رواكد جمرهن هباء (١)
ومشجّج أمّا سواء قذال فبدا وغيّر ساره المعزاء
والشاهد في رفع " مشجّج " كالبيت الأول، والمشجج الوتد يدقه في الأرض، وقد بدا وسط رأسه وظهر، " وغيّر
ساره " يعني باقيه، لمعزاء وهي الأرض ذات الحصى وقيل " سار " في معنى سائر، كما يقال " هار " في معنى هائر: و" رواكد " يريد بها الأثافي، واستثناها من آي الدار، لأنها لم تبل ولم تغيّر فيما قد تغيّر.
قال: (والنصب في الفصل أقوى إذا قلت: " هذا ضارب زيد فيها وعمرا "، وكلما طال الكلام كان أقوى).
يعني أن قولك: " هذا ضارب زيد فيها وعمرا " أجود من قولك: " هذا ضارب زيد وعمرا فيها "، وإن كان الجر فيهما أجود من النصب، وذلك أنك إذا قلت: " هذا ضارب زيد وعمرو " فالعامل في " عمرو " الجر هو العامل في " زيد "، والجار والمجرور كشيء واحد، فحكمه أن يكون إلى جنبه ويتصل به، فلما فصلت بينهما بغيرهما بعد من الجار، فقوي النصب فيه بعض القوة.
وإذا قلت: " هذا ضارب زيد فيها وعمرو "، فهو أحسن وأجود من قولك " هذا ضارب فيها زيد "؛ لأن الأول في المسألة الأولى قد حصل فيه المجرور الذي صار معاقبا للتنوين قبل أن يأتي الفصل بينهما بفيها، ولم يحصل في المسألة الثانية، ولا تجوز المسألة الثانية إلّا في الشعر كقوله:
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما يهوديّ يقارب أو يزيل (٢)
_________________
(١) البيتين للشماخ وقيل لذي الرمة انظر سيبويه ١/ ٨٨، ملحق ديوان الشماخ ٢٤٧، أساس البلاغة ٢/ ٣٩٣.
(٢) نسبه سيبويه إلى أبي دحية النميري ١/ ٩١، الخصائص ٢/ ٤٠٥ المقتضب ٤/ ٣٧٧، العيني ٣/ ٤٧٠ - ابن الشجري ٢/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٢٩ ]
قال: ومن ذلك قوله تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا (١).
يعني أنه فصل بين الليل وبين الشمس بسكنا فقوي النصب، وإن كان " جاعل الليل والشمس والقمر " لكان الجر أقوى، ويجوز أن يكون " جاعل " في معنى فعل ماض، ويجوز أن يكون في معنى فعل مستقبل.
فإذا جعلته في معنى الفعل الماضي فتقديره " جعل " الليل، ومعناه قدر الليل لهذا، ونظيره: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ (٢) وهو أظهر الوجهين، وتنصب الشمس والقمر بإضمار فعل.
ومن جعله بمنزلة المستقبل فهو على تقدير " يجعل "، وذلك لأنه فعل لم ينقطع؛ لأن الليالي متصلة، منها ما قد كان، ومنها ما يكون، فهو بمنزلة قولك " زيد يأكل " إذا كان في حال أكل قد تقضّى بعضه وبقي بعضه، وكذلك " زيد يصلّي " إذا كان في صلاة تقضّى بعضها وبقي بعضها.
قال: وكذلك إن جئت باسم الفاعل الذي تعداه فعله إلى مفعولين، وذلك قولك: " هذا معطي زيد درهما وعمرو " إذا
لم تجره على الدرهم، والنصب على ما نصب عليه ما قبله.
يعني أنك تجر " عمرا " إذا أجريته على زيد، ولم تجره على الدرهم، بأن تنصبه على إضمار فعل، وذلك أن قولنا " هذا معطي زيد درهما " تنصب الدرهم فيه على إضمار فعل؛ لأن " معطي " في معنى الفعل الماضي، فكأنك قلت: أعطاه درهما، فإذا نصبت عمرا فقد أجريته على الدرهم في إضمار فعل ينصب، وقد ذكرنا أنه يجوز أن يكون اسم الفاعل الذي في معنى الفعل الماضي ينصب المفعول الثاني إذا أضيف إلى الاسم الذي يليه؛ بالشبه الذي بين الفعل الماضي وبين الاسم الذي أوجب له البناء على الفتح، وقولك: " هذا معطي زيد درهما وعمرا " أقوى في النصب من قولك: " هذا معطي زيد وعمرا "؛ لفصل الدرهم بينهما.
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: ٩٦.
(٢) سورة يونس، آية: ٦٧.
[ ٢ / ٣٠ ]
قال: " فإذا لم ترد بالاسم الذي تعدى فعله إلى مفعولين أن يكون الفعل قد وقع، أجريته مجرى الفاعل الذي تعدى فعله إلى مفعول في التنوين ".
يعني أنك إذا قلت: " هذا معطي زيد درهما " وأردت الحال أو الاستقبال، لم تلزم الإضافة، وجاز التنوين والإضافة كما جاز في قولك: " هذا ضارب زيد " و" ضارب زيدا " إذا أردت الاستقبال أو الحال، ولا تبالي أيّهما قدمت كما لم تبال أيهما قدمت في الفعل، فقلت: " هذا معط زيدا درهما " و" معط درهما زيدا، " كما تقول: " يعطي درهما زيدا "، فإن لم تنون وأضفته إلى أحدهما، لم يجز أن تفصل بينه وبين ما أضفته إليه، ولا يجوز " هذا معطي درهما زيد، ولا " هذا معطي زيدا درهم "، لأنك لا تفصل بين الجار والمجرور؛ لأن المجرور داخل في الاسم فإذا نوّنت انفصل كانفصاله في الفعل.
ولا يجوز أيضا هذا في الشعر عند سيبويه إلا في الظروف وإنما خصّ الظروف؛ لأنه قد يفصل بها بين شيئين لا يجوز الفصل بينهما بغيرها، كإنّ واسمها.
وقد أجازه قوم في الشعر، وأنشدوا:
وزججتها بمزجّة زجّ القلوص أبي مزاده (١)
أراد زجّ أبي مزادة القلوص، وهذا غير معروف ولا مشهور، وهذا بيت يروى لبعض المدنيين المولدين، ولا يعرف مثله من حيث يصح.