(وموضعها من الكلام الأمر والنهي، ومنها ما يتعدّى المأمور إلى مأمور به، ومنها ما لا يتعدّى المأمور، ومنها ما يتعدّى المنهيّ إلى منهيّ عنه، ومنها ما لا يتعدى المنهيّ.
أمّا ما تعدّى فقولك: رويد زيدا " فإنما هو اسم قولك أرود زيدا).
_________________
(١) سيبويه ١/ ١٢٢ بولاق ١/ ٢٤٠ هارون.
(٢) اختلف في قائل هذا البيت فقيل: عنبر بن لبيد العذري وقيل عثمان بن لبيد العذري وقيل حريث بن جبلة انظر سيبويه ١/ ١٢٢ بولاق. شواهد المغني ٨٦. مجالس ثعلب ٢٦٥. اللسان (دهر) ٥/ ٣٨٠.
[ ٢ / ١٤١ ]
واعلم أن هذا الباب مشتمل على أسماء وضعت موضع فعل الأمر، ولا يجوز أن يذكر الفعل معها وهي مشتقة من لفظه وليست بالمصادر المعروفة للفعل كقولك: " ضربا زيدا " في معنى " اضرب ضربا ". فمن ذلك " رويد زيدا " وهو مبنيّ، وكان الأصل فيه أن يبنى على السكون لأنه واقع موقع الأمر، والأمر مبنيّ على السكون فاجتمع في آخره ساكنان الياء والدال فحرّكت الدال لاجتماع الساكنين، وكان الفتح أولى بها استثقالا للكثرة من أجل الياء التي قبلها كما قالوا: أين وكيف ففتحوا، ورويد تصغير إرواد، وإرواد مصدر أرود، ومعنى أرود: أمهل، وصغّروه تصغير الترخيم لحذف الزوائد وهي الهمزة التي في أولها، والألف التي هي رابعها.
وقال الفرّاء: (١) " إن رويد تصغير رود "، والذي قاله، البصريون أولى لأن أرود يقع موقع " رويد "، و" رود " لا يقع في موقعه فلأن يكون مأخوذا ممّا يقع موقعه ويطابقه في المعنى أولى.
ومنها هلمّ زيدا إنما يريد: هات زيدا والأصل فيه: ها لمّ زيدا ولكنهم جعلوهما كشيء واحد وأسقطوا الألف منها، وجعلوه بمنزلة الأسماء التي سمّى الفعل بها مثل:
" رويد "، و" حذار "، و" دراك " ولم يثن ولم يجمع ولم يؤنث كما لم يثن " رويد " و" دراك "، وهذه لغة أهل الحجاز؟
قال الله ﷿: وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا (٢). فوحّدوا، وبنو تميم يثنون ويجمعون ويؤنثون، وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
قال: (ومنها قول العرب: " حيّ هل الثريد ").
جعلوا حيّ وهل بمنزلة شيء واحد، وفتحوها وأقاموها مقام اسم الفعل فلم تثن ولم تجمع، وجعلوا " حيّ هل الثريد " بمنزلة ائتوا الثريد؛ وربما اكتفت العرب ب " حيّ " فعدّوه بحرف الجر قالوا: " حيّ على الصلاة " وربما اكتفوا بهل، قال النابغة الجعدي:
_________________
(١) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور، أبو زكريا الديلمي أخذ عنه الكسائي وهو من أبرع الكوفيين له مصنفات في النحو واللغة. الفهرست ٧٣، ٧٤. بغية الوعاة ٢: ٣٣٣.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ١٨.
[ ٢ / ١٤٢ ]
ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلا (١)
قال: (ومنها قوله:
تراكها من إبل تراكها (٢)
فهذا اسم لقوله اتركها، وكذلك:
مناعها من إبل مناعها (٣)
وهو اسم لقوله: امنعها.
والواحد والاثنان والجميع والمؤنث في ذلك سواء؛ وكان حكم " تراك " أن يكون ساكنا لوقوعه موقع الأمر فاجتمع في آخره ساكنان فكسر على ما يوجبه اجتماع الساكنين وهذا مطّرد في جميع الأفعال الثلاثية كقولك: " حذار من زيد "، و" نعاء زيدا " بمعنى انع زيدا، وقد استقصيناه فيما مضى؛ فهذا الذي ذكره: هو ما يتعدى المأمور إلى مأمور به والمنهيّ إلى منهيّ عنه.
وأما ما لا يتعدى المأمور ولا المنهي إلى مأمور به ولا إلى منهي عنه فنحو قولك: مه مه، وصه صه، وإيه وما أشبه ذلك).
فهذه أصوات وضعت مواضع أسماء الفعل ولا تثنى ولا تجمع، فمعنى مه: كفّ، ومعنى صه: اسكت، وإيه: استزادة.
فإن قال قائل: لم فصل سيبويه بين الأمر والنهي في أول هذا الباب وليس في شيء من هذه الأفعال نهيّ بل لا يجوز أن يكون فيها نهي لأنه ليس شيء من هذه المصادر التي هي اسم الفعل يقدر فيها " لا " التي هي للنهي وإنما تقع موقع الأمر المحض، قيل له: إنما سماه نهيا بالمعنى لا بدخول حرف نهي، لأنه إذا قال: اتركها، وامنعها، فالمعتاد في الكلام أن يقال نهى عنها، وإذا قال: صه صه، فأمره بالسكوت والكفّ، فقد نهاه عن الكلام
_________________
(١) قائله النابغة الجعدي والبيت موجود في الأغاني ٥: ١٦ وخزانة الأدب ٦: ٢٣٨، ٢٦٤.
(٢) البيت لطفيل بن زيد الحارثي. تراكها من إبل تراكها أما ترى الموت لدى أوراكها خزانة الأدب ٥: ١٦، ١٦٢.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ١٤٣ ]
والإقدام، والأكثر المألوف أنه إذا قال له: اسكت، أنه قد نهاه عن الكلام.
قال سيبويه: (واعلم أن هذه الحروف التي هي أسماء للفعل لا تظهر فيها علامة المضمر وذلك أنها أسماء وليست
على الأمثلة التي أخذت من الفعل الحادث فيما مضى وفيما يستقبل وفي يومك ولكن المأمور والمنهيّ مضمران في النّية).
يعني أن هذه الأسماء التي هي أسماء الفعل لا يظهر فيها ضمير الفاعل والواحد والتثنية والجمع.
تقول: " يا عمرو حذار زيدا "، و" يا عمران حذار زيدا "، و" يا عمرون حذار زيدا "، و" يا هندات حذار زيدا ".
وفي حذار ضمير الفاعل يجوز أن يؤكد فنقول: حذار زيدا أنت نفسك، وحذار زيدا أجمعون إذا أمرت جماعة، وإنما تظهر العلامة في الفعل لأنه هو العامل في الأصل، وتتغير أمثلته ويخالطه اسم الفاعل واللفظ حتى يصير معه كشيء واحد نحو قولك:
جلست، وقمت، فالتاء اسم الفاعل، وقد خالط الفعل وظهر فيه، فلو جعلت مكان حذار احذر لثنيت وجمعت فقلت: احذرا واحذروا.
قال: (وإنما كان أصل هذا في الأمر والنهي وكان أولى به لأنهما لا يكونان إلّا بفعل).
يعني أن هذه الأسماء التي ذكرها في هذا الباب لا تقع إلّا في الأمر والنهي، لا يجوز أن يقول: أعجبني مناع زيدا، ولا هذا رويد زيدا، كما تقول أعجبني منعك زيدا، وقد بيّنا لم لا يقع إلّا في الأمر.
قال: (وأجريت مجرى ما فيه الألف واللام لئلا يخالف ما بعدها لفظ ما قبلها بعد الأمر والنهي).
يعني أنها جعلت مفردة غير مضافة كما أن النجاء مفرد غير مضاف، حتى لا ينخفض ما بعدها وينتصب ما بعد الأمر والنهي ولا ينخفض.
قال: (ولم تصرّف تصرّف المصادر لأنها ليست بمصادر).
يعني أنها لا تكون إلا مفردة على لفظ واحد، والمصادر المشتقة من الأفعال قد
[ ٢ / ١٤٤ ]
تكون مفردة ومضافة ويكون فيها الألف واللام، وقد لا يكون فيها كقولك: ضربا زيدا، والضرب زيدا، وضرب زيد، قال الله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ (١).