وذلك قولك: " عجبت من ضرب زيدا بكر ومن ضرب زيد عمرا " إذا كان هو الفاعل.
قال أبو سعيد: قد قدمنا أن المصادر تعمل عمل الأفعال المأخوذة منها، إذا نوّنت، أو دخلتها الألف واللام، بما أغنى عن إعادته.
وتقدير المصدر إذا كان كذلك تقدير " أن "، وما بعدها من الفعل، واعلم أن المصدر متى كان عاملا، فتقديره تقدير (أن) وما بعدها من الفعل، وإذا كان مؤكّدا لفعله، أو عاملا فيه الفعل، الذي أخذ منه على وجه من الوجوه، لم يجز أن يقدّر بأن، وذلك قولك: " ضربت زيدا ضربا " و" ضربت زيدا الضرب الشديد "، لا يقدّر بأن، لأنك لا تقول: " ضربت زيدا أن أضرب "، ولو قلت: " أنكرت ضربك زيدا " لكان في معنى " أن "، لأنك تقول: أنكرت أن تضرب زيدا، وأنكرت أن ضربت زيدا، والعامل فيه غير الفعل المأخوذ منه.
أما قولك آمرا: " ضربا زيدا " و" الضرب زيدا " فكثير من النحويين يتسعون فيه فيقولون: العامل في " زيد " المصدر، والحقيقة في ذلك غير ما قالوه اتساعا، وإنما العامل في زيد الفعل الذي نصب المصدر، وتقديره: " اضرب ضربا زيدا "، فالعامل في " ضرب " وفي " زيد " جميعا الفعل ولكن هذا المصدر صار بدلا من اللفظ بفعل الأمر فاتسعوا أن يقولوا:
[ ٢ / ٤٥ ]
إنه العامل في الاسم، لما كان خلفا من العامل.
ويجوز إضافة المصدر إلى الفاعل إن شئت، وإلى المفعول؛ لتعلقه بكل واحد منها؛ فتعلقه بالفاعل وقوعه منه، وتعلقه بالمفعول وقوعه به، فإلى أيهما أضفته جررته، وأجريت ما بعده على حكمه، إن كان فاعلا فمرفوع وإن كان مفعولا فمنصوب، كقولك:
عجبت من دقّ الثوب القصار " إذا أضفت إلى المفعول، و" من دقّ القصار الثوب " إن أضفت إلى الفاعل، وإنما جاز أن تأتي بعد المصدر بالفاعل والمفعول، ولم يجز أن تأتي بعد اسم الفاعل إلا بالمفعول؛ من قبل أن المصدر غير الفاعل وغير المفعول. فلا يستغنى بذكره عن ذكرهما، واسم الفاعل هو الفاعل، فلا يحتاج إلى ذكر الفاعل بعده، ولا يجوز إضافته إلى الفاعل، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
ومعنى قول سيبويه: " وإنما خالف هذا الاسم الذي جرى مجرى الفعل المضارع ".
يعني: خالف المصدر الاسم الذي جرى مجرى الفعل المضارع وهو اسم الفاعل؛ من أجل ما ذكرنا وهو أن المصدر ليس بفاعل ولا مفعول.
قال: فمما جاء من هذا قوله ﷿: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ (١) فالتقدير فيه: أو أن تطعموا، فحذف
الفاعل، ولو أظهر لقال أو إطعام أنتم.
ويجوز عندي ألّا يقدر فاعل وينصب بالمصدر نفسه، كما نصب التمييز في قولك:
" عشرون درهما "، و" ما في السماء موضع راحة سحابا " من غير أن يقدّر فاعل.
فإن قال قائل: فإذا نصبت " يتيما " ولم تقدر فاعلا في " إطعام " وشبّهته " بعشرين "؛ فقد جعلته تمييزا فلا يجوز أن تنصب إلا نكرة، ولا يقال " أو إطعام زيدا "، قيل له: نحن وإن نصبناه من غير أن نقدر فاعلا، فإنما ننصبه تشبيها بالفعل الذي ينصب المفعول، فلا يلزم أن يكون مثل الفعل في جميع أحواله، ألا ترى أنا نقول: " أو إطعام زيد عمرا " فننصب " عمرا " بإطعام، ونقيم " زيدا " منه مقام التنوين وهو مجرور، ولا نقدر فاعلا غير " زيد "، فقد حصل في المصدر بطلان لفظ الفاعل الذي هو مرفوع من الفعل لا محالة، ولم يكن المصدر في هذه الحال بمنزلة الفعل، فكذلك ما ذكرناه.
_________________
(١) سورة البلد، آية: ١٤، ١٥.
[ ٢ / ٤٦ ]
قال الشاعر في إعمال المصدر:
فلولا رجاء النّصر منك ورهبة عقابك قد صاروا لنا كالموارد (١)
فعدى " رهبة " إلى " عقابك " وقال آخر:
أخذت بسجلهم فنفحت فيه محافظة لهنّ إخا الذّمام (٢)
فنصب " إخا الذمام " بمحافظة، وقال:
بضرب بالسيوف رؤوس قوم أزلنا هامهنّ عن المقيل (٣)
نصب " الرؤوس " " بضرب "
ومما جاء من المصادر غير منوّن قول لبيد:
عهدي بها الحيّ الجميع وفيهم قبل التّفرّق ميسر وندام (٤)
أضاف عهدي إلى الياء؛ ونصب " الحيّ " به، والياء في معنى الفاعل، و" عهدي " في موضع ابتداء، والخبر قوله: " وفيهم "؛ لأن الواو تكون حالا والحال يكون خبرا للمصدر، كقولك: " قيامك ضاحكا "، و" قيامك وأبوك يضحك " كما تقول: " مررت بزيد ضاحكا " و" مررت بزيد وأبوه يضحك ".
قال: ومنه قولهم: " سمع أذني زيدا يقول ذاك " فأضاف السمع إلى الأذن.
و" يقول " حال يسد مسد الخبر، كأنه قال: سمع أذني زيدا قائلا ذاك.
وهذا كلام على المجاز، لأن زيدا لا يسمع؛ إنما يسمع كلامه، ولكنه أراد سمع أذني كلام زيد، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقال رؤبة:
ورأي عينيّ الفتى أخاكا يعطي الجزيل فعليك ذاكا (٥)
" فرأي عينيّ " ابتداء، و" يعطي " حال يسد مسدّ الخبر.
قال: وتقول عجبت من ضرب زيد وعمرو، إذا أشركت بينهما، كما فعلت
_________________
(١) سيبويه ١/ ٩٧ (بولاق) - ١/ ١٨٩ (هارون) ابن يعيش ١/ ٦١.
(٢) سيبويه ١/ ٩٧ بولاق- ١/ ١٨٩ هارون.
(٣) البيت للمرار بن منقذ التميمي (العيني ٣/ ٤٩٩) ابن يعيش ٦/ ٦١.
(٤) سيبويه ١/ ٩٨ (بولاق) ديوان لبيد ٢٨٨، ابن يعيش ٦/ ٦٢ ورواية الديوان " عهدي بها الإنس الجميع ".
(٥) سيبويه ١/ ٩٨ بولاق، الخزانة ٢/ ٤٤١. ملحقات ديوان رؤبة ١٨١.
[ ٢ / ٤٧ ]
ذلك في الفاعل، ومن قال: " هذا ضارب زيد وعمرا " قال: " عجبت له من ضرب زيد وعمرا " كأنه أضمر " ويضرب عمرا " أو " وضرب عمرا ".
يعني أن قولك: " عجبت من ضرب زيد وعمرو " هو الوجه، ويجوز " عمرا "، وهو بمنزلة قولك: " هذا ضارب زيد وعمرو " و" ضارب زيد وعمرا " وصار الجر أجود؛ لمشاكلة اللفظيين، واتفاق المعنيين، وإذا نصبته كان المنصوب مردودا على الأول في معناه، وليس بمشاكل له في لفظه، فإذا حصل اتفاق اللفظ والمعنى كان أجود.
وقوله: كأنه أضمر " ويضرب " أو " ضرب "
يعني أنك تردّ " عمرا " على المعنى، فإذا رددته على المعنى فلا بد من تقدير شيء ينصبه، إذ ليس في اللفظ ناصب، قال الراجز:
قد كنت داينت بها حسّانا مخافة الإفلاس واللّيانا (١)
يحسن بيع الأصل والقيانا
فنصب " القيان " على المعنى، وأما نصب " الليان " فيجوز أن يكون من هذا الوجه، كأنه قال: وخاف الليان، ويجوز أن يكون مخافة الإفلاس، ومخافة الليان، فحذف المخافة، وأقام " الليان " مقامها، ويجوز أن يكون على " المفعول
له " كأنه قال: ولليان فحذف اللام ونصب كما تقول: " جئتك ابتغاء الخير " أي لابتغاء الخير.
قال: وتقول: " عجبت من الضرب زيدا كما تقول: عجبت من الضارب زيدا.
فيكون الألف واللام بمنزلة التنوين، قال الشاعر:
ضعيف النّكاية أعداءه يخال الفرار يراخي الأجل (٢)
فنصب " أعداءه " بالنكاية كأنه قال: نكاية أعداءه.
وقال المرّار:
لقد علمت أولى المغيرة أنني لحقت فلم أنكل عن الضّرب مسمعا (٣)
_________________
(١) ينسب البيت لرؤبة بن العجاج وقيل قائل زياد الغنبري انظر سيبويه ١/ ٩٨ بولاق- ١/ ١٩١ هارون وملحقات ديوان رؤبة ١٨٧.
(٢) الخزانة ٣/ ٤٣٩ والعيني ٣/ ٥٠٠ وابن يعيش ٦/ ٦٤ وهو من الأبيات التي لا يعرف قائلها.
(٣) نسبه سيبويه إلى المرار الأسدي ونسبه بعضهم إلى مالك بن زغبة الباهلي من شعراء الجاهلية
[ ٢ / ٤٨ ]
فنصب " مسمعا " بالضرب، ويجوز أن يكون منصوبا " بلحقت " كأنه قال: لحقت مسمعا، فلم أنكل عن الضرب.
وكان بعض البصريين المتأخرين لا ينصب بالمصدر إذا كان فيه الألف واللام، فإذا ورد شيء منصوب بالمصدر الذي فيه الألف واللام أضمر بعده مصدرا ليس فيه ألف ولام، فيقدر ضعيف النكاية نكاية أعداءه. وعن الضرب ضرب مسمعا، وإنما دعاه إلى هذا أن المصدر إنما يعمل بمضارعة الفعل، والفعل لا يكون إلا منكورا.
قال ومن قال: " هذا الضارب الرجل " لا يقول عجبت من الضرب الرجل، لأن " الضارب الرجل " مشبه " بالحسن الوجه " لأنه وصف للاسم كما أن " الحسن " وصف، وليس هو بحد الكلام مع ذلك ".
يعني أن قولك: " الضارب الرجل " ليس بحد الكلام وإنما هو مشبه بالحسن الوجه؛ لاتفاقهما أنهما وصفان.
قال: وتقول: " عجبت من ضرب اليوم زيدا " كما قال: يا سارق الليلة أهل الدّار (١).
يعني أن الوجه إضافة المصدر إلى ما بعده ظرفا كان أو اسما، على أن يجعل الظرف مفعولا على السعة، وليس ذلك بمنزلة قوله:
لله درّ اليوم من لامها (٢)
لأن " درّ " ليس بمصدر يعمل الفعل، ولا تقول: " لله درّ اليوم من لامها "، كما قلت:
" عجبت من ضرب اليوم زيدا "؛ لأن " درّ " لا ينصب ولا ينوّن، ولا يجوز أن تقول: " لله درّ زيدا " فإذا احتاج الشاعر إلى مثل: " عجبت من ضرب اليوم زيدا " كان الأجود أن يخفض اليوم وينصب زيدا، ويجوز نصب " اليوم " وخفض " زيد " على ما تقدم القول فيه، وإذا احتاج إلى مثل: " لله درّ اليوم زيدا " لم يجز له خفض اليوم، ونصب زيد.
قال: لأنهم لم يجعلوا " درّ " فعلا، ولم يجعلوه فعل في اليوم شيئا، إنما هو
_________________
(١) الخزانة ٣/ ٤٣٩ - العيني ٣/ ٥٠١ - ابن يعش ٦/ ٦٤.
(٢) الخزانة ١/ ٤٨٥ - ابن الشجري ٢/ ٢٥٠ / ابن يعش ٢/ ٤٥.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٤٩ ]
بمنزلة قولك: لله بلادك، وتقول: " عجبت له من ضرب أخيه " يكون المصدر مضافا فعل أو لم يفعل، ويكون منوّنا، وليس بمنزلة " ضارب ".
يعني أن المصدر إذا نونته عمل فيما بعده، سواء أكان من فعل ماض أم مستقبل، كقولك: " عجبت من ضرب زيد عمرا أمس ".
ولا يجوز إعمال اسم الفاعل إذا كان مأخوذا من فعل ماض، وقد تقدم القول في الفرق بين هذين.