قال سيبويه: قال الخليل يوما وسأله أصحابه كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في " لك "، والتي في " مالك " والباء في " ضرب " فقيل له نقول: " باء "، " كاف " فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف وقال: أقول: كه، وبه.
قال أبو سعيد: جملة ما في هذا الباب من هذا النحو أنك إذا لفظت بالحرف المتحرك ووقفت عليه زدت عليه هاء الوقف مفتوحا كان أو مضموما أو مكسورا تقول في الكاف من لك: " كه " وفى الباء من يضرب " به " وفى الرّاء من " يضرب " " ره " فإذا كان الحرف ساكنا أدخلت ألف الوصل عليه فقلت في الباء من اضرب " إب " وفى الياء من في:
" إي " وهذا ما لا يختلف فيه أصحابنا، ثم اختلفوا إذا سميت رجلا بحرف من هذه الحروف فما كان من ذلك متحركا ففيه أربعة أقوال وما كان ساكنا ففيه ستة أقوال، فأما المتحرك فإنه على قول سيبويه يصيره ثلاثة أحرف بأن يزيد فيه حرفين من جنس حركته فيقول في رجل سمي بالضّاد من " ضحى ": ضوّ.
زادوا فيه واوين لضمة الضاد، وذلك أن الاسم الذي يتصرف أقله من ثلاثة أحرف، فلما صيرناه اسما، زدنا فيه حرفين من جنس حركته وكان ذلك أولى؛ لأن عامة المحذوفات يحذف منها الياء، والواو، ك " أب "، " وابن "، و" اسم " وما أشبه ذلك فصارت الضاد لما احتجنا لها إلى الزيادة كأنها قد حذفت منها حرفا مد ولين فتردهما إليها،
وإذا سمينا بالضاد من " ضرب " قلنا: (ضاء)؛ لأنا نزيد ألفا من جنس فتحة الضاد، وألفا أخرى لتمام الاسم حتى يكون على ثلاثة أحرف، والألف لا تتحرك فجعلت همزة.
وإذا سمينا بالضاد من " ضراب " قلنا ضي، وإنما احتاج الاسم إلى ثلاثة أحرف لما يلحقه من التصغير والجمع، وقد ذكرنا ذلك في موضعه.
[ ٤ / ٨١ ]
وأما الأخفش فإنه يقول: إذا سميناه بالباء من " ضرب " فالضرورة تدعو إلى أن نزيد عليه ما يصيره بمنزلة اسم من الأسماء المعربة، وفى الأسماء المعربة ما يكون على حرفين، ك " دم " و" يد " وأولى ما نرده إليه ما كان في الكلمة التي منها هذه الباء، فترد إليها الضاد فنقول: ضب، ولا نحتاج إلى أن تتكلف أكثر من ذلك؛ لأن الضرورة تزول برد الضاد.
ومثل ذلك مما حذف منه عين الفعل قولهم: " سه " والأصل " سنه "؛ لأنك تقول:
" أسناه ".
وقال المازني: أرد أقرب الحروف إليه وهو الراء، فأقول: رب.
ومثله مما حذف منه فاء الفعل، فبقي عينه، ولامه مثل عدة، وزنة، وما أشبه ذلك.
وقال أبو العباس المبرد: أرد الحروف كلها فأقول ضرب فهذه أربعة أقاويل، وأما إذا سمي ب " أب " التي في اللفظ بالباء من " اضرب " ففيها ستة أقاويل.
قال سيبويه: أقول إذا ابتدأته: إب " قد جاء "، وإذا وصلته بكلام أسقطت ألف الوصل وبقيت الباء وحدها فقال: هذا آب، وقام آب، وما أشبه ذلك. وقال: قد رأيت بعض الأسماء على حرف إذا اتصل بكلام وهو قولنا: من أب لك؟ تريد من أب؟ وتخفف الهمزة فتلقي حركتها على ما قبلها وتسقطها فجعل سقوط ألف الوصل كإلقاء الحركة.
ورد أبو العباس المبرد عليه ذلك ففرق بين تخفيف الهمزة وإسقاط ألف الوصل فقال: تخفيف الهمزة غير لازم، وألف الوصل إذا اتصلت سقطت في هذا الموضع ولم يكن مذهبه في هذا مذهب سيبويه.
والقول الثاني إذا سمينا بالباء من اضرب رددنا الراء فقلنا: " رب "؛ لأن الراء كانت مكسورة وعلى هذا قياس قول المازني. وتقول على قياس قول الأخفش " ضب " وعلى قول المبرد " اضرب " فترد الكلمة إلى أصلها.
وكان الزجاج يقول: إب ويقطع الألف نحو " قام إب " و" هذا إب ".
قال: وإنما أقطع الألف لأني لما نقلته من اللفظ به وهي حرف إلى التسمية به قطعت الألف ليكون فرقا بين الاسم والحرف، كما قطعت الألف في رجل يسمى ب " إضرب "؛ لأن الأصل في الأسماء أن لا يكون فيها ألفات وصل وإنما
تكون في الأفعال وتكون مع لام التعريف التي هي حرف فهذه خمسة أقوال.
[ ٤ / ٨٢ ]
والقول السادس أنه لا يجوز أن يسمى ب " إب "؛ لأنه يحتاج إلى تحريك الباء وتحريكها يمنع من ألف الوصل، وقد ذكر في هذا الباب مع كلام سيبويه هذا وقيل بعده:
هذا مذهب قوي.
ولو سمينا بأل من قولنا: " القائم " وما أشبه ذلك لكان فيه ثلاثة أقاويل.
أما قول سيبويه: " فإنك تقول: " أل " على أن الألف موصولة، وقد تتكلم به العرب مفصولا مما بعد عند التذكير كقول القائل: رأيت " ألي " كأنه أراد شيئا فيه الألف واللام ونسبه فكسر وزاد ياء علامة للتذكير.
وقد يقول أيضا: " قدي " إذا أراد قد كان كذا وكذا فوقف عليه فهذه العلامة لتذكر ما نسيه ".
وكان الخليل يقول: أل بمنزلة قد وقد فصله الشاعر فقال:
دع ذا وعجّل ذا وألحقنا بذل بالشّحم إنّا قد مللناه بجل (١)
وكان الزجاج يقول: هذا أل فيقطع الألف على نحو ما ذكرناه من قوله وعلى قياس مذهب الباقين يقال: هذا لي وذلك إن الحرف المكسور الذي لا أصل له في كلمة إذا سمينا به زدنا عليه من جنس حركته بلا خلاف بينهم كرجل سميناه بالكاف من ذلك تقول: كي، وما كان ساكنا فبمنزلة المكسور؛ لأنه يزاد عليه حرف ساكن فيلتقي في آخره ساكنان فيكسر لالتقاء الساكنين ثم يزاد عليه ياء أخرى حتى يكون على ثلاثة أحرف. وإن سمي بمفتوح زيد عليه من جنس الفتحة فيقال للرجل إذا سمي بالكاف من لك كاء، وذكر سيبويه في الباب فقال:
إن جعلت أي اسما ثقلت بياء أخرى واكتفيت بها حتى بمنزلة اسم وابن.
وهذا يدل على أنه أراد أنا إذا لفظنا بالياء من " غين " أو " عين " أو الياء في " غلامي " أو ما أشبه ذلك من الياءات الساكنة، وجب أن نقول: " أي " ثم إذا سميت به ثقّلت الياء بمنزلة تسميتك ب " في " فقلت: " إىّ " والألف فيه ألف وصل على قول سيبويه، وقد قال الأخفش والمازني والمبرد إنه يرد من الكلمة ما ذهب منها على نحو ما حكينا عنه من
_________________
(١) البيتان لذي الرمة. المقتضب: ١/ ٨٤، ٢/ ٩٤، الخصائص: ١/ ٢٩١، الكتاب: ٣/ ٣٢٥، ٢/ ٦٤، والهمع: ١/ ٧٩، والمنصف: ١/ ٦٦.
[ ٤ / ٨٣ ]
الاختلاف.
وعلى مذهب الزجاج تقطع الألف وتثقل الياء ويجوز أن يكون " إي " من قوله ﷿: إِي وَرَبِّي فلا خلاف بينهم أنه يقال: " إيّ " بقطع الألف كما قالوا في " في " فيّ ومعنى " إيّ " معنى " نعم " وقد ذكر سيبويه في الباب أيم الله وأنها ألف وصل وقد ذكرته في موضعه واستقصيته.