قال سيبويه: " وذلك نحو حضر موت وبعلبك وكل ما كان من ذلك، إذا سمي به رجل، أو مكان، فهو معرفة، لا ينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة.
وقد ذكرنا أن كون اسمين اسما واحدا من العلل المانعة من الصرف، ويجوز في ذلك إضافة الأول إلى الثاني، فإذا أضفت أعربت الأول بوجوه الإعراب واعتبرت الثاني، فإن كان مما لا ينصرف لم تصرفه وإن كان مما ينصرف
صرفته.
فأما ما ينصرف فقولك: هذا حضر موت وبعلبك، ورأيت حضر موت وبعلبك، ومررت بحضر موت وبعلبك.
وأما ما يضاف إلى ما لا ينصرف ف " رامهرمز " (٣) ومارسرجس، تقول، إذا أضفت: هذا رام هرمز، ومار سرجس، ورأيت رام هرمز ومار سرجس، ومررت برام هرمز ومار سرجس، وإذا لم تضف فتحت الاسم الأول على كل حال، ورفعت الثاني في حال الرفع ونصبته في النصب والجر بغير تنوين كسائر ما لا ينصرف.
تقول: هذا حضر موت ورامهرمز ومارسرجس، ورأيت حضر موت ورامهرمز ومارسرجس، ومررت بحضر موت، ورامهرمز ومار سرجس.
ولو نادينا شيئا من هذا، والأول غير مضاف لضممت آخره، فقلت يا حضر موت، ويا بعلبك ويا رامهرمز ويا مارسرجس.
_________________
(١) العجوز الكبيرة، ومنه الناقة العيضموز، اللسان (عضمز).
(٢) الناقة الصلبة، اللسان (عسجر).
(٣) مدينة فارسية مشهورة.
[ ٤ / ٦٢ ]
قال سيبويه: وبعضهم يقول في بيت جرير:
لقيتم بالجزيرة خيل قبس فقلتم مارسرجس لا قتالا (١)
أنشده على قول من يضيف الأول إلى الثاني، ومن لا يضيف يقول: مارسرجس لا قتالا؛ لأنه كاسم واحد لما ناداه.
قال: " وأما معد يكرب ففيه لغات، منهم من يقول: معد يكرب، فيضيف ومنهم من يقول: معد يكرب فيضيف ولا يصرف بجعل " كرب " اسما مؤنثا، ومنهم من يقول:
معد يكرب، كما يقول: حضر موت غير أن الياء في معد يكرب مسكنة "
وعلى قياس ما حكاه سيبويه في معد يكرب إذا أضاف، ولم يصرف كرب، لأنه مؤنث يجوز أن يقال- إن صحت الرواية في " ذي يزن " أن لا يصرف- لا يصرف " يزن "؛ لأنه اسم مؤنث.
قال أبو سعيد: وقد كنت حكيت أن الجرمي لا يصرف " يزن " بجعله بمنزلة يسع ويزن من الفعل.
وإذا نكرت الاسمين اللذين بمنزلة اسم واحد صرفت كقولك: مررت بحضر موت وحضر موت آخر، وهذا معد يكرب ومعدي كرب آخر؛ لأن الذي كان يمنع الصرف التعريف وجعل الاسمين اسما واحدا، فإذا نكرت زال إحدى
العلتين وليس ذلك بمنزلة أحمر ومساجد ومفاتيح. وما فيه ألف التأنيث كحبلى، وما أشبهها مما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، وقد مضى تفسير ذلك.
قال: " وأما خمسة عشر وأخواتها، وحادي عشر وأخواتها فهما شيئان جعلا شيئا واحدا، وإنما أصل خمسة عشر خمسة وعشرة، ولكنهم جعلوه بمنزلة حرف واحد، وأصل حادي عشر أن يكون مضافا كثالث ثلاثة، فلما خولف به عن حال أخواته، مما يكون للعدد خولف به، وجعل كأولاء، إذ كان موافقا له في أنه مبهم يقع على كل شيء، فلما اجتمع فيه هذان أجري مجراه، وجعل كغير المتمكن، والنون لا تدخله كما تدخل غاق؛ لأنها مخالفة لها ولضربها في البناء، فلم يكونوا لينونوا؛ لأنها زائدة ضمت إلى الأول فلم يجمعوا عليه هذا والتنوين ".
_________________
(١) البيت في الكتاب ٣/ ٢٩٦، والمقتضب ٤/ ٢٣، وابن يعيش ١/ ٦٥، واللسان (سرجس).
[ ٤ / ٦٣ ]
قال أبو سعيد: اعلم أن الذي أوجب بناء خمسة عشر تضمنها معنى الواو؛ لأنك إذا قلت: عندي خمسة عشر دينارا فمعناه خمسة وعشرة فبنيت لتضمن معنى الواو، وكذلك أكثر المبنيات تجري مجرى الحروف؛ لأن الحروف مبنية، وأما حادي عشر، وثالث عشر فإنما أصلها ثالث ثلاثة عشر كما يقال: ثالث ثلاثة، ومعناه أحد ثلاثة عشر، ثم خففوه لطوله فحذفوا ثلاثة، وأقاموا ثالث مقامها ففتحوه كما كانت ثلاثة مفتوحة، وكذلك حادي عشر أصله حادي أحد عشر، وحذفوا أحد وأقاموا حادي مقامة ففتحوه.
وكان الزجاج يقول في هذا قولا يستحسن.
قال: لو قلنا: خمسة وعشرة لوقع اللبس في بعض المواقع حتى لا يكون في معنى خمسة عشر، ولا يقع اللبس في خمسة عشر، وموضع اللبس أن يقول الإنسان لآخر: قد أعطيتك بهذا الثوب خمسة وعشرة ولم تبع، ومعناه أعطيتك بهذا الثوب مرة خمسة فلم تبع ومرة عشرة فلم تبع ".
ومعنى قوله: " فلما خولف به عن أخواته: يعني خولف بخمسة عشر في طرح الواو عن خمسة وعشرين ولم يجر على القياس، وجعل " كأولاء " في البناء إذ كان موافقا له في أنه مبهم.
وسيبويه يجري كثيرا على المبنيات لفظ الإبهام كهذا وما أشبهه لإشارة بنائه إلى كل شيء، وكذلك خمسة عشر؛ لأنه عدد لكل شيء.
ومعنى قوله: والنون لا تدخله كما تدخل غاق. يعني لا ينون خمسة عشر كما ينون " غاق " وذلك أن " غاق " تنوينه علامة للتنكير. وإذا كان معرفة قلت: غاق، وقد مضى الكلام فيه وفي نحوه.
وخمسة عشر بني في حال التنكير لتضمنه معنى الواو.
قال: ونحو هذا في كلامهم: حيص بيص، وفيه لغات، قد ذكرتها في باب المبنيات. قال أمية بن أبي عائذ:
قد كنت خرّاجا ولوجا صيرفا لم تلتحصني حيص بيص لحاص (١)
_________________
(١) البيت في ديوان الهذليين ٢/ ١٩٢، والكتاب ٣/ ٢٩٨، وابن يعيش ٤/ ١١٥، واللسان (حيص)، والخزانة ٢/ ٤٣٥.
[ ٤ / ٦٤ ]
معنى " حيص بيص " داهية يضيق المخرج منها، وتلتحصني: تنشبني فيها وتلحجني و" لحاص " هي المنشبة الملحجة.
وإذا أضفت " خمسة عشر "، أو أدخلت عليها الألف واللام فهي على حالها، تقول:
هذه الخمسة عشر درهما؛ وهذه خمسة عشرك؛ لأن معنى الواو فيه قائم مع الإضافة والألف واللام، وحكى سيبويه أن من العرب من يقول " خمسة عشرك " وهي لغة رديئة، يحملها على بعض ما ترده الإضافة إلى التمكن والأصل وقد مضى نحو ذلك.
ولو سمينا رجلا " بخمسة عشر " جرى مجرة " حضر موت " وأعربته، وهو لا ينصرف.
تقول: هذا خمسة عشر ومررت بخمسة عشر.
وكان الزجاج يجيز فيه الإضافة كما تجوز في حضر موت فيقول:
هذه خمسة عشر ورأيت خمسة عشر.
قال سيبويه: " ومثل ذلك الخازباز وفيه لغات ذكرتها في المبنيات وهي: الخاذباذ والخاذباز والخازباز والخازباء ".
ويضاف فيقال: خازباز كما يقال: حضر موت، والخازباء مثل القاصعاء والراهطاء وهو عند بعض العرب ذباب يكون في الروض، وعند بعضهم " نبت " وعند بعضهم " داء " ويقال إنه داء يأخذ الماشية من هذا النبت.
فمن كسر جعل آخره كجير وغاق، ومن فتح جعله بمنزلة خمسة عشر.
ومن أعرب " آخره جعله بمنزلة حضر موت، وقال الشاعر في الخزباز:
مثل الكلاب تهرّ عند درابها ورمت لهازمها من الخزباز (١)
وقال الشاعر في الداء:
يا خازباز أرسل اللهازما (٢)
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣٠٠، والخصائص ٣/ ٢٢٨، وابن يعيش ٤/ ١٢٢، والإنصاف ١/ ٣١٥، واللسان (خزبز).
(٢) من مشطور الرجز، وهو بلا نسبة في الخزانة ٦/ ٤٤٢، وابن يعيش ٤/ ١٢٢،
[ ٤ / ٦٥ ]
وقال آخر وهو عمرو بن أحمر:
تفقّأ فوقه القلع السواري وجنّ الخازباز به جنونا (١)
فهذا النبت ويقال: " الذباب ".
وأما " حيّهل " التي للأمر فمن شيئين، يدلك على ذلك حي على الصلاة، والدليل على أنهما جعلا اسما واحدا قول الشاعر:
وهيج الحي من دار فظل لهم يوم كثير تناديه وحيّهله (٢)
والقوافي مرفوعة.
قال: وأنشدناه هكذا أعرابي من أفصح الناس وزعم أنه من شعر أبيه.
وذكر غير سيبويه أن الشعر لرجل من بني أبي بكر بن كلاب. وإنما احتج سيبويه بالبيت ليرى أنه من شيئين، لأنه ليس في الأسماء المفردة ولا في الأفعال مثل هذا البناء، واحتج أيضا بقولهم: حي على الصلاة؛ لأنه قد جعل " على " مكان هل وأنه شيء مضاف إلى حي.
وذكر عن بعض السلف أنه قال: إذا ذكر الصالحون فحيّهل بعمر، وفيه ثماني لغات: يقال: حيّ هلا بعمر، وحيّ هلا بعمر، وحيّهل بعمر، وحيّ هل بعمر، وحيّهل بعمر، وحيّهلا بعمر، وحيّ هل إلى عمر، وحيّ هل على عمر.
قال أبو سعيد: ويجوز عندي مع " إلى " و" على " الست اللغات التي ذكرتها من كل واحدة من " إلى " و" على ".
والذي ذكر سيبويه ثلاث لغات حيّ هلا، وأنشد:
يحيّهلا يزجون كل مطيّة أمام المطابا سيرها المتقاذف (٣)
وحيّ هلا إذا جعلت نكرة، وحيّ هل إذا وصل. جعله بمنزلة قوله أنا فعلت إذا وصل، وإذا وقف قال: أنا. ومعنى حيهل أى أسرع إليه وأعجل.
ويقال لنبت من النبات الحيّهل، وإنما قيل له ذلك لسرعة نباته.
_________________
(١) البيت في الكتاب ٣/ ٣٠١، والإنصاف ١/ ٣١٣، والخزانة ٦/ ٤٤٢، والكامل ٣٠٠.
(٢) البيت في الكتاب ٣/ ٣٠٠، وابن يعيش ٤/ ٤٦، والخزانة ٣/ ٤٢، والمقتضب ٣/ ٢٠٦.
(٣) البيت للنابغة الجعدي في الكتاب ٣/ ٣٠٠، وابن يعيش ٤/ ٣٦، والمقتضب ٣/ ٢٠٦، والخزانة ٣/ ٤٣، واللسان (حيا).
[ ٤ / ٦٦ ]
قال: " وأما عمرويه فإنه زعم- يعني الخليل- أنه أعجمي وأنه ضرب من الأسماء الأعجمية وألزموا آخره شيئا لم يلزم الأعجمية، فكما تركوا صرف الأعجمية جعلوا ذا بمنزلة الصوت؛ لأنهم رأوه قد جمع أمرين فحطّوه درجة عن إسماعيل وأشباهه، وجعلوه في النكرة بمنزلة غاق منونة مكسورة في كل موضع "
قال أبو سعيد: الذي أوجب بناء عمرويه أن المضاف إلى عمرو صوت وهو في كلام العجم على غير هذا اللفظ، إنما هو عمروه وإنما هو زيادة صوت في اسم " عمرو " المعروف في كلام العرب، فغيروا لفظ الصوت والصوتية مبقاة؛ لأن أصوات العرب بالبهائم وغيرها تخالف أصوات العجم، كما اختلفت سائر ألفاظهم. وبنوه على الكسره لاجتماع الساكنين، وجعلوا علامة التنكير فيه التنوين. تقول هذا عمرويه وعمرويه آخر، وعلى هذا تقول هذا زبلويه آخر، فينونونه لأنه نكرة.
وللمحتج عن المبرد أن يحتج له بقول سيبويه: إنه بني لما انحط عن إسماعيل، كما احتج المبرد في حذام وقطام؛ لأنها لما عدلت صارت أثقل من حازمة وقاطمة معرفة.
وأظن أبا العباس أخذ ذلك من لفظ سيبويه. ويجوز أن يكون أراد سيبويه أنه جمع أمرين من اسم وصوت يوجب البناء فحطوه درجة عن إسماعيل لذلك. ولحاق النون في هذه المبنيات علامة للتنكير، إلا أن منها ما لم تستعمله العرب إلا منكورا، ومنها ما استعملته على التنكير والتعريف.
فمما استعلمتة منكّرا فقط قولهم: إيها يا زيد إذا أردت اكفف، وويها إذا أغريته، وإيه إذا استزدته، وقد خطّأ الأصمعىّ ذا الرمة في قوله:
وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم وما بال تكليم الدّيار البلاقع (١)
فقال: ترك التنوين في " إيه " وقوم من النحويين أنكروا قول الأصمعي وصوبوا ذا الرمة فقالوا: أتى به معرفة كما يقال غاق وغاق، وقد أصاب الأصمعي في ذلك؛ لأنه أراد أن العرب لم تستعمل " إيه " الا منكورا فلا يجوز استعماله معرفة كما لا يجوز ترك التنوين في " ويها وإيها " وإنما يجعل هذا من ذي الرمة على الضرورة لما اضطر تأوله معرفة.
وأما ما يجوز فيه الأمران جميعا فغاق وغاق، وهو حكاية صوت الغراب، وحاي
_________________
(١) البيت في ديوانه ٣٥٥، والمقتضب ٣/ ١٧٩، وابن يعيش ٤/ ٣١، واللسان (ايه).
[ ٤ / ٦٧ ]
وعاي، وحاي وعاي وهما صوتان بالغنم، وجاه وجاه وهما زجر السبع، وصه وصه ومه ومه وهيهات وهيهات. وذلك كثير في كلامهم.
قال: وسألت الخليل عن قوله فداء فقال: بمنزله أمس يعني أنه مبني وإنما بني، لأنه وضع موضع الأمر كأنه قال ليفدك أبي وأمي، ونوّن لأنه نكرة كما عمل بغاق حين نكر، وإنما صار نكرة لأنهم أرادوا أنه يفديك في ضرب من ضروب ما يفدى به الإنسان من موت أو مرض وهذا كلام مختصر، وكان الأصل جعل الله أبي وأمي فداءك، أو جعل الله فلانا فداءك على حسب ما تذكره، ثم جعله أمرا لذلك الفادي فقال: ليفدك فلان ثم فداء لك فلان، وقد روي بيت النابغة على ثلاثة أوجه، وهو قوله:
مهلا فداء لك الأقوام كلهم وما أثمر من مال ومن ولد (١)
وفداء، وفداء، والكسر على ما ذكرت له والفتح على المصدر، كأنه قال فداك فداء الأقوام، والرفع على الابتداء والخبر كأنه قال: الأقوام فادون لك.
قال: وأما يوم يوم، وصباح مساء، وبيت بيت وبين بين، فإن العرب تختلف في ذلك؛ بعضهم يجعله بمنزلة اسم واحد وبعضهم يضيف الأول إلى الثاني. وإنما يجعل بمنزلة اسم واحد إذا كان ظرفا وحالا.
وتجوز إضافته أيضا في الظرف والحال وإذا لم يكن ظرفا ولا حالا لم تجز غير إضافته. تقول: لقيت زيدا صباح مساء ويوم يوم وحين حين، وإن شئت صباح مساء ويوم يوم، فهذا ظرف، وتقول: زيد جارى بيت بيت ولقيته كفة كفة، وإن شئت بيت بيت وكفّة كفّة، فهذا حال، كأنك قلت: هو جاري ملاصقا ولقيته متفاجئين أو متواجهين. فإن قلت آتيك في كل صباح مساء وآتيك في كل يوم يوم لم يجز غير الإضافة، والدليل على ذلك أنهم قد يستعملون فيها حرف الجر، كقولها هو جاري بيتا لبيت، وحكى يونس أن رؤبة كان يقول: لقيته كفّة عن كفة. وحرف الجر إذا حذف أضيف الأول إلى الثاني كقولك: غلام زيد، والأصل: غلام لزيد، وثوب خزّ، والأصل:
ثوب من خزّ.
ولم يستعمل ذلك بمنزلة اسم واحد في كل مكان، كما لم يستعمل يا ابن عمّ ويا
_________________
(١) البيت في ديوانه ٢٦، والخزانة ٦/ ١٨١، وابن يعيش ٤/ ٧٣.
[ ٤ / ٦٨ ]
ابن أمّ، في غير النداء، لو قلت جاءني ابن عمّ لم يجز؛ لأن الأصل فيه الإضافة، وكثر في النداء حتى استعمل ذلك فيمن ليس بابن عمّ، ولا ابن أم على جهة الملاطفة.
والنداء أيضا موضع قد يبنى فيه الاسم ويزول تمكنه، وكذلك استعمل هذا في الحال والظرف؛ لأن الظروف قد تكون غير متمكنة، وكذلك الأحوال قد يستعمل فيها ما لا يستعمل في غير الحال.
وقال الفرزدق:
لولا يوم يوم ما أردنا جزاءك والقروض لها جزاء (١)
فأضاف. ولا يجوز غير الإضافة ومعنى يوم يوم كأنه قال: شدة يوم أو وقعة يوم، وإنما يذكر هذا في شيء قد شهر وانتشر، كما يقال أيام العرب في معنى الوقائع والأشياء التي تشهر. ومما جاء في الشعر في جعلهم ذلك اسما واحد قول الشاعر:
نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا (٢)
كأنه قال: يذهب بين هؤلاء وهؤلاء، كأنه يدخل بين فريقين في أمر من الأمور فيسقط ولا يذكر فيه.
ومن ذلك همزة بين بين أي بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها. وقال آخر:
ومن لا يصرف الواشين عنه صباح مساء يبغوه خبالا (٣)
وقال حميد بن ثور:
ولم نقعد وأنت لنا ابن عمّ ولم نلق النّوائب حين حينا (٤)
قال: وأما أيادي سبا، وقالي قلا، وبادي بدا، فإنما هي بمنزلة خمسة عشر، تقول: جاؤوا أيادي سبا. ومن العرب من يجعله مضافا وينوّن سبا. قال الشاعر وهو ذو الرمة:
فيالك من دار تحمّل أهلها أيادي سبا بعدي وطال احتيالها (٥)
_________________
(١) البيت في ديوانه ٩، والكتاب ٣/ ٣٠٣، والخزانة ٢/ ٩٤، وشرح شذور الذهب ٧٦.
(٢) البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه ١٣٦، وابن يعيش ٤/ ١١٧.
(٣) البيت بلا نسبة في شرح شذور الذهب ٧٢، والهمع ١/ ١٩٦.
(٤) لم نعثر عليه في ديوان الشاعر.
(٥) البيت في ديوانه ٢٣، والكتاب ٣/ ٤٠٣، والمقتضب ٤/ ٢٦، واللسان (خول)
[ ٤ / ٦٩ ]
قال أبو سعيد: اعلم أن سبأ مهموز في الأصل كما قال ﷿: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ (١) وكانوا باليمن فخافوا سيلا يهلكهم فتفرقوا في البلاد وتباعدوا، فضرب المثل بهم للمتفرقين. ويقال: تفرق القوم أيادي سبا وأيدي سبا، والأيدي عبارة عنهم، كأنه قال: تفرقوا أولاد سبا؛ أي تفرّق أولاد سبا، فمنهم من جعلهما اسمين كاسم واحد، فبناهما وجعلهما في موضع الحال، فصار بمنزلة قولك هو جاري بيت بيت، كأنه قال: وجاري ملاصقا. وإذا قال ذهبوا أيادي سبا؛ فمعناه ذهبوا متفرقين. ويجوز أن تضيف فتنون (سبا) لأن سبأ يصرف ولا يصرف، غير أنهم أجمعوا على ترك الهمز فيه من هذا المثل.
وقالي قلا بمنزلة حضر موت، ولم تسمع فيه الإضافة، والقياس لا يمنع منها، وقد أنشد:
سيصبح فوقي أقتم الريش واقعا بقالي قلا أو من وراء دبيل (٢)
وأما بادي بدا فهو في موضع الحال كقولك بيت بيت.
وقد أنشد قول أبي نخيلة:
وقد علتنى ذرأة بادي بدي ورثية تنهض في تشدّدي (٣)
يقال بادي بدا وبادي بدي ومعناه فيما ذكر ظاهر الظهور من قولك: بدا يبدو إذا ظهر.
قال: " ومثل أيادي سبا وبادي بدا (شفر بفر) ولا بد من أن تحرّك آخره، كما ألزموا التحريك الهاء في ذيّة ونحوها لشبه الهاء بالشيء الذي ضم إلى شيء "
قال أبو سعيد: بمعنى أن شفر بفر، وإن كان مثل أيادي سبا وبادي بدا في أنهما جعلا كاسم واحد، فإن آخر الأول منهما مفتوح، وأيادي سبا وما جرى مجراه مما يكون في آخر الاسم الأول منهما ياء تكون الياء ساكنة، وإنما سكنت لأن الياء أثقل من
_________________
(١) سورة سبأ، من الآية ١٥.
(٢) البيت بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣٠٥، والمقتضب ٤/ ٢٤، واللسان (قلى)
(٣) البيتان من مشطور الرجز، وهما في الكتاب ٣/ ٣٠٤، والمقتضب ٤/ ٢٧، والخصائص ٢/ ٣٦٤، واللسان (ذرأ).
[ ٤ / ٧٠ ]
الحروف الصحيحة، فلما كان الحرف الصحيح يجب فتحه فيما جعل الاسمان فيه اسما واحدا، والفتح أخف الحركات لم يكن بعد الفتح في التخفيف إلا التسكين.
قال: " وشبهوا هذه الياء بألف مثنى حيث عريت من النصب، وقد أجراها الشاعر مجرى الألف حيث سكنها في
موضع النصب ".
قال رؤبة:
سوّى مساحيهن تقطيط الحفق تفليل ما قارعن من سمر الطّرق (١)
وقال آخر:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق أيدى جوار يتعاطين الورق (٢)
وقال بعض السّعديين:
يا دار هند عفت إلّا أثافيها (٣)
ومما يقوي ذلك أنهم لما جعلوا الشيئين شيئا واحدا صارت الياء غير حرف الإعراب فأسكنوها وشبهوها بياء زائدة ساكنة نحو ياء دردبيس (٤) ومفاتيح ولم يحركوها كتحريك الراء في شفر لاعتلالها.
فإن قال قائل: فإذا أضفت الاسم الأول إلى الثاني وفي آخره ياء هل تحرك الياء في النصب كقولك: رأيت قالي قلا وتفرقوا أيادي سبا يا هذا، ورأيت معد يكرب، قيل له لا تحرك الياء وإن أضفت؛ لأن هذه الياء في حال جعلهم إياها اسما واحدا قد كانت مستحقة للفتح كشفر بفر وما أشبهه، ولم تفتح، فلما أضفنا ونصبنا فالنصب في الإعراب كالفتح في البناء فلما أسقطوا الفتح في البناء أسقطوا الفتح في الإعراب وليس ذلك بمنزلة حادي عشر وثماني عشرة؛ لأن ثماني عشرة أمكن؛ لأن الأصل رأيت ثمانيا وعشرة، وكانت مفردة من عشرة مستعملا فيها الفتح. فلما حذفوا الواو لم يزيلوا الفتحة التي
_________________
(١) في ديوانه ١٠٦، والكتاب ٣/ ٣٠٦، وابن يعيش ١٠/ ١٠٣، والمقتضب ٤/ ٢٢، واللسان (قطط).
(٢) البيتان لرؤبة في ديوانه ١٧٩، والخصائص ١/ ٣٠٦، والخزانة ٨/ ٣٤٧.
(٣) صدر بيت للحطيئة، عجزه: بين الطوى فصارت فوادتها وهو في ديوانه ٢٤٠، والكتاب ٣/ ٣٠٦، والخصائص ١/ ٣٠٧، والمنصف ٢/ ١٨٥.
(٤) خرزة سوداء، اللسان (دردبس).
[ ٤ / ٧١ ]
كانت تكون في ثماني ولم يستثقلوها. ومعنى شفر بفر متفرقين، وذلك أنه يقال للكلب إذا رفع إحدى رجليه للبول وفرّق بينهما وبين الأخرى شفر، وأصل " بفر " من قوله: بفرت السماء إذا أكثرت مطرها. قال الشاعر:
بفرة نجم هاج ليلا فانكدر (١)
والبفر كثرة الشرب. فإذا قال: ذهب النوم شفر بفر فكأنه قال: تفرّقوا فأوسعوا في التّفرّق.
قال: " ومثل ذلك قول العرب: لا أفعل ذلك حبري الدهر، وقد زعموا أن بعضهم ينصب الياء ومنهم من يثقل الياء "
قال أبو سعيد: وفى حبري ثلاث لغات، منهم من يقول: لا أفعل ذلك حبري دهر وحبري دهر وحبريّ دهر، وهو منصوب في الأصل، فمن شدّده جاء بياء النسبة على أصلها، ومن سكّن الياء حذف الثانية من ياءي النسبة وبقّى الأولى وهي ساكنة، ومن فتح وخفض حذف الأولى من ياءي النسبة، ومعناه لا أفعل ذلك ما حار الدهر، أي لا أفعله أبدا. وحار رجع، والدهر يرجع أبدا لأنه كلما مضى يوم وليلة عاد مثله، فالدهر يرجع أبدا. ومثل ذلك قول العرب: لا أفعل ذلك ما اختلف الجديدان وماكر الليل والنهار.
قال: " وأما اثنا عشر فزعم الخليل أنه لا يغير عن حاله قبل التسمية وليس بمنزلة خمسة عشر؛ لأن الاسم الأول مثنى وليس في الكلام اسم مثنى مبني، بل يصير في الرفع ألفا وفي الجر والنصب ياء.
ألا ترى أنّك تقول الذي والذين فتبنيه ولا يتغير في النصب والجر. وإذا أضفت اثني عشر وهي عدد فلا يجوز ذلك كما يجوز في سائر العدد، تقول في سائر العدد: هذه خمسة عشري، وهذه عشريّ وهذه خمسة عشراه، وهذه عشروك، ولا تقول: هذه اثنا عشرك؛ لأن عشر من اثني عشر جعل بمنزلة النون من (اثنان)، فلو أضفت وجب حذف عشر كما يجب حذف النون، فكان يلزم أن تقول: اثناك كما تقول غلاماك، ولو قلت هذا لالتبس بإضافة الاثنين اللذين لا عشر معهما، ولو سميت رجلا به جاز إضافته فقلت:
_________________
(١) البيت للعجاج في ابن يعيش ٤/ ١٢٨، واللسان (بفر).
[ ٤ / ٧٢ ]
هذا اثناك؛ لأنك لست تريد العدد ولا تريد أن تفرق بين عددين، فإنما هو بمنزلة زيدين إذا أضفت تقول: رأيت زيدي بلدك.
وقال سيبويه: لا تجوز فيها الإضافة- يعني في اثني عشر- كما لا تجوز في مسلمين، ولا تحذف في اثني عشر.
يعنى لو أضفنا اثني عشر لوجب حذف عشر كما يجب حذف النون في " مسلمين " إذا أضفناه ولا تجوز إضافته إلا بحذف النون.
قال سيبويه: " وأما أحول أحول فلا يخلو من أن ينون كشفر بفر أو كيوم يوم "
يعنى لا يخلو من أن يكون حالا كشفر بفر في معنى متفرقين أو ظروفا كيوم يوم، ويقال أن أخول ما يتساقط من شرر الحديد المحمى.
قال ضابئ البرجميّ:
يساقط عنه روقه ضارياتها سقاط حديد القين أخول أخولا (١)