" فأما المرفوع والمضموم فانه يوقف عنده على أربعة أوجه بالإشمام وبغير الإشمام كما تقف عند المجزوم الساكن وبأن تروم التحريك وبالتضعيف.
فأما الذين أشموا وأرادوا أن يفرقوا بين ما يلزمه التحريك وبين ما يلزمه الإسكان على كل حال. وأما الذين لم يشموا فقد علموا أنهم لا يقفون أبدا إلا عند حرف ساكن، فلما سكن في الوقف جعلوه بمنزلة ما يسكن على كل حال،
لأنه وافقه في هذا الموضع. وأما الذين راموا الحركة فإنهم دعاهم إلى ذلك الحرص على أن يخرجوها من حال ما لزمه الإسكان على كل حال وأن يعلموا أن حالها عندهم ليس كحال ما سكن على كل حال، وذلك أراد الذين أشموا إلا أن هؤلاء أشد توكيدا.
وأما الذين ضاعفوا فهم أشد توكيدا أرادوا أن يجيئوا بحرف لا يكون الذي بعده إلا متحركا لأنه لا يلتقي ساكنان، فهؤلاء اشد مبالغة واجمع، لأنك لو لم تشم كنت قد أعلمت أنها متحركة في غير الوقف ".
قال أبو سعيد: اعلم أن القياس في الوقف أن يكون على سكون فقط، وأكثر العرب يقف كذلك وهو القياس. ومنهم من إذا وقف أتى في الوقف بما يدل به على تحريك الكلمة في الوصل، والعرب في الإتيان بذلك على مراتب بعضها أوكد من بعض فمنهم من يشم وهو أنه يأتي بالحرف ساكنا ثم يضم شفتيه في الرفع، لأن علامة المرفوع وهو الضم من الواو، والواو من بين الشفتين فيراه المخاطب أنه يريد الضمة من موضع الضم ولا يرى ذلك الأعمى، ومنهم من يروم الحركة، والروم صويت ضعيف بالضم في المرفوع وبالفتح في المفتوح وبالكسر في المكسور، يتبع ذلك الصوت الحرف الذي يقف عليه فيعلم أنه محرك بتلك الحركة في الوصل، ومنهم من يشدد الحرف فيقول: خالد، وهو أوكد في البيان مما قبله، لأنه بين بحرف، والذي قبله بين بإشارة أو بحركة ضعيفة،
[ ٥ / ٤٠ ]
فيقول: هذا خالد ومررت بخالد، فإذا وصل أو نصب المنصرف ذهب التشديد، فيقول:
هذا خالد يا فتى ومررت بخالد يا فتى، ورأيت خالدا، لأنه قد تحركت الدال، وإنما جعلت هذه العلامات من الإشمام والتشديد للفرق بين ما يكون مبنيا على السكون في كل حال وبين ما تحرك في الوصل، فإذا شددوا ووقفوا على الحرف مشددا فالحرف المشدد حرفان، وإذا وقفوا عليه اجتمع ساكنان، فيعلم أنه لا بد من التحريك في الوصل، فإذا وصلوا أو تحرك المنصوب باتصال الألف المبدلة من التنوين به استغنوا عن التشديد.
وبعض النحويين لا يعرف الإشمام الذي ذكره سيبويه، ولا يفرق بين الإشمام والروم.
قال سيبويه: " ولهذا علامات، فللإشمام نقطة وللذي أجرى مجرى الجزم والإسكان الخاء، ولروم الحركة خط بين يدي الحرف، وللتضعيف الشين فالإشمام قولك: هذا خالد، وهذا فرج، وهذا يجعل وأما الذي أجري مجرى الإسكان والجزم فقولك: مخلد وخالد ويجعل. وأما الذين راموا الحركة فهم الذين قالوا: عمر، وهذا أحمد، كأنه يريد أن يرفع لسانه. حدثنا بذلك عن العرب الخليل وأبو الخطاب، وحدثنا الخليل أيضا بغير الإشمام وإجراء الساكن، وأما التضعيف فقولك: هذا خالد وهو يجعل وهذا فرج حدثنا بذلك الخليل عن العرب ".
قال أبو سعيد: أما جعله الخاء لما أجري مجرى الجزم والإسكان فلأن الخاء أول قولك .. خفيف، فدل به على
السكون لأنه تخفيف.
وأما جعله لتضعيف الشين فلأن الشين أول حرف في شديد، فدل به عليه، لأن الحرف مشدد، وأما النقطة للإشمام، فلأنّ الإشمام أضعف من الروم فجعل للإشمام نقطة وللروم خطا، لأن النقطة أنقص من الخط.
قال: " ومن ثم قالت العرب في الشعر في القوافي: سبسبا تريد السبسب وعيهل تريد العيهل، لأن التضعيف لما كان في كلامهم في الوقف اتبعوه الياء في الوصل والواو على ذلك كما يلحقون الياء والواو في القوافي فيما لا تدخله ياء ولا واو في الكلام، وأجروا الألف مجراهما لأنهما شريكتاها في القوافي وتمد بها في غير موضع التنوين ويلحقونها في غير التنوين، فألحقوها بهما فيما ينون في الكلام، وجعلوا سبسب كأنه مما لا يلحقه الألف في النصب إذا وقفت.
قال الشاعر وهو رجل من بني أسد:
[ ٥ / ٤١ ]
ببازل وجناء أو عيهل (١)
وقال رؤبة:
لقد خشيت أن أرى جدبا في عامنا ذا بعد ما أخصبا (٢)
وبعضهم يروي جدبا وقال رؤبة:
بد يحب الخلق الأضخما (٣)
فعلوا هذا إذ كان من كلامهم أن يضاعفوا ".
قال أبو سعيد: الأصل في إلحاق التشديد فيما فيه تنوين المرفوع والمخفوض دون المنصوب، وذلك أن المنصوب المنون إذا وقف عليه أبدلوا من التنوين ألفا فيتحرك حرف الإعراب الذي قبل الألف، لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وإذا تحرك حرف الإعراب استغني عن التشديد ثم يلحق المرفوع والمجرور في القوافي الوصل بالواو والياء، فيقال: عيهلوا وعيهلي على وجه إطلاق الشعر لا على أنه بدل من التنوين لأن القوافي يدخلها من الياء والواو ما لا يدخل في الكلام، كقول الشاعر:
عفا من آل ليلى السّهب فالأملاح فالغمرو (٤)
وكقول الآخر:
لعب الرّياح بها وغيّرها بعدى سوافي المور والقطري (٥)
يدخل على المشدد في الوقف، والواو والياء لإطلاق القافية، وبقي التشديد على حاله كقوله:
كأنّ مهواها على الكلكل موضع كف راهب يصلّي (٦)
فلما جرى في المرفوع والمخفوض ألحقوا بهما المنصوب، فأدخلوا فيه الألف للإطلاق، فقالوا: الأضخما وأخصبا، لأن الألف والواو والياء يجرين مجرى واحدا في
_________________
(١) البيت لمنظور بن مرثد الفقعسي الأسدي انظر النوادر ٥٣، شرح شواهد الشافية ٢٤٨.
(٢) البيت في ملحق ديوان رؤبة ١٦٩، المخصص ١٢/ ١٣٤.
(٣) البيت في ملحق ديوانه ١٨٣، المحكم ٢/ ٢٤، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٧٩.
(٤) قائل البيت طرفة بن العبد انظر ديوانه ١٥٤.
(٥) البيت لزهير بن أبي سلمى انظر ديوانه ١١٤.
(٦) البيت لمنظور بن مرثد الأسدي انظر النوادر ٥٣، وشرح شواهد الشافية ٢٥٠.
[ ٥ / ٤٢ ]
القوافي؛ لأنهن مشتركات في الوصل لأن القصيدة المنصوبة توصل بالألف كما توصل المرفوعة والمجرورة بالواو والياء؛ ولأن الألف تكون ردفا كما تكون الواو والياء، ولأن الألف قد يمد بها في مواضع كقولك: الكلكل والكلكال والخاتم والخاتام ويلحقونها في غير البدل من التنوين، فيقولون: رأيت الرجلا في الوقف كما قال ﷿: (فأضلونا السبيلا) ويلحق ضرب إذا كان في آخر البيت فيقال: ضربا ولن يضربا وكذلك جميع ما لا ينون يجوز أن تلحقه الألف في آخر البيت، فكأنهم جعلوا سبسب مما لا تلحقه الألف في النصب إذا وقف عليه ثم لحقه الألف للإطلاق فصار سبسبا، وإنما أحوجه إلى ذكر هذا أنه لا يشدد في الوقف للألف الذي تلحقه فيه، وقد ذكرنا هذا.
قال سيبويه: " فإن كان الحرف الذي قبل آخر كل حرف ساكنا لم يضعفوا، نحو: عمرو وزيد وأشباه ذلك، لأن الذي قبله لا يكون ما بعده ساكنا ".
قال أبو سعيد: يريد أن زيدا ووبكرا وكل ما كان قبل آخره ساكن قد علم أن آخره يتحرك في الوصل فاستغني بذلك عن التشديد، ويجوز فيه من الإشمام والروم والسكون ما جاز في خالد ونحوه.
قال سيبويه: " وأما ما كان في موضع نصب أو جر فإنك تروم فيه الحركة وتضاعف وتفعل به ما تفعل بالمجزوم على كل حال وهو أكثر في كلامهم. فأما الإشمام فليس إليه سبيل، وإنما كان في الرفع لأن الضمة من الواو فأنت تقدر أن تضع لسانك في أي موضع شئت من الحروف ثم تضم شفتيك، لأن ضمك شفتيك كتحريك
بعض جسدك، وإشمامك في الرفع للرؤية وليس بصوت للأذن، ألا ترى أنك لو قلت هذا معن فأشممت كانت عند الأعمى بمنزلتها إذا لم تشمم، فأنت تقدر أن تضع لسانك موضع الحرف قبل تزجية الصوت ثم تضم شفتيك ولا تقدر على ذلك، ثم تحرك موضع الألف والياء، فالنصب والجر لا يوافقان الرفع في الإشمام وهو قول العرب ويونس والخليل ".
قال أبو سعيد: يعني أنّا إذا قلنا هذا خالد في الإشمام فإنّا ننطق ثم نضم الشفتين فيراهما المخاطب مضمومتين فيعلم أنّا أردنا بضمهما الحركة التي من موضعها وهي الضمة فإذا قلنا:
مررت بالرجل، أو رأيت الرجل، ووقفنا عليه لم يمكن الإشمام، لأنّا إذا نطقنا باللام ساكنة لم يمكنا أن نعمل لمخرج الكسرة وهي من وسط اللسان ومخرج الفتحة وهي من الحلق تحريكا أو سببا يعلم به المخاطب إذا شاهد التكلم أنه يريد الفتح أو الكسر، فلا يكون الإشمام البتة إلا
[ ٥ / ٤٣ ]
في الرفع، والوقف على ذلك كله أكثر في كلام العرب من الإشمام والروم، لأنهم لا يسكنون ولا يريدون أن يحدثوا فيه شيئا سوى ما يكون في الساكن.
قال سيبويه: " وحدثني من أثق به أنه سمع عربيا يقول: أعطني أبيضه، يريد أبيض وألحق الهاء كما ألحقها في هنه وهو يريد هن ".
قال أبو سعيد: وهذا الذي حكاه من أقبح ما يكون الشذوذ، وبعض أصحابنا يقول هو غلط من قائله، وإنما قبح ذلك من جهتين: إحداهما أن سيبويه ذكر قبل هذا الباب أن ما كان معربا لا تلحقه هاء الوقف، ولا يقال رأيت أحمره وقد علمنا أن أبيض معرب فلا وجه لهاء الوقف، والجهة الأخرى أن التشديد إنما يلحق في الوقف إذا سكن الحرف الموقوف عليه، فإذا حركناه بإدخال الهاء استغنينا عن التشديد وهذا الباب إنما هو فيما لا تلحقه زيادة، من ذلك الألف التي لا تكون بدلا من التنوين، كقولك: رأيت زيدا وجعفرا، والواو والياء اللتان تلحقهما أزد السراة في قولهم: هذا زيدو، ومررت بزيدي وعمري، فاعرف ذلك إن شاء الله وإنما قال: " حدثنا " لأن الشاعر ربما زاد للضرورة حرفا يتبعه الحرف، كما تزيد حركة تتبعها الحركة كقوله:
بسبت يلعج الجلدا (١)
ومثله:
قطنة من جيّد القطن (٢)