قال سيبويه: وذلك نحو " قلنسوة "، إن شئت قلت: (قليسية) وإن شئت قلت:
(قلينسة)، وكذلك قالت العرب في الجمع؛ لأنهم قالوا (قلانس) و(قلاس) وكذلك كل ما جري هذا المجرى بما في آخره زائد وثالثه نون زائدة فأنت مخيّر في حذف النون أو الحرف الأخير إذا كان ألفا أو واوا أو ياء كقولك في (حبنطي): (حبيط) و(حبينط) فإن عوضت قلت: (حبينيط) و(حبيطيّ).
قال: ومن ذلك (كوألل)، إن شئت حذفت الواو فقلت: (كويلل) و(كويليل)، وإن شئت قلت: (كويئل) و(كويئيل). وتقديرها: (كويعل) و(كويعيل)؛ لأنهما زائدتان ألحقتا ب (سفرجل) وكل واحد منهما بمنزلة ما هو من نفس الحرف.
قال أبو سعيد: اعلم أن " كوأللا " غير مشتق وإنما حكمت على الواو وإحدى
[ ٤ / ١٨٢ ]
اللامين بالزيادة حملا له على نظائره؛ لأن الواو إذا وجدت غير أول فيما هو على أكثر من ثلاثة أحرف، فالباب فيه الزيادة، واللازم إذا تكرر فيما هو أكثر من ثلاثة حكم عليه بالزيادة (أكثر) أيضا وهما زائدان زيدا للإلحاق معا. وليس بمنزلة (عفنجج)؛ لأن " عفنّججا " تصغيره (عفنجج) كما خير في (كوألل)؛ لأنه قدّر في (عفنجج) أنه ألحق أولا بزيادة الجيم ب (جعفر) ثم دخله النون فألحقته ب (سفرجل) كما ألحقت " جحفل " حين قلت: " جحنفل " وذلك لقوة الواو في (كوألل) بالحركة ووقوعها ثانية وليست النون كذلك.
وإذا صغرت مثل (حبارى) و(سمانى) وما جري مجراه مما ثالثه ألف زائدة وفي آخره ألف التأنيث مقصورة فأنت مخيّر في حذف أيهما شئت، فإن حذفت الألف الأولى قلت: (حبيري) كما قلت: (حبيلي).
وإن حذفت ألف التأنيث قلب (حبير).
وكان أبو عمرو يعوض من ألف التأنيث إذا حذف الهاء فيقول: (حبيرة)؛ لأن الألف كانت علامة. وإنما جاز حذفها؛
لأنها بمنزلة ما هو من نفس الحرف وصارت الألف كألف " حواري " وهي وفيها الهاء بمنزلة ياء جارية، فأشبههما بالحروف التي هي من نفس الحرف أجدر أن لا تحذف، فالياء في آخر الاسم أبدا بمنزلة ما هو من نفس الحرف؛ لأنها (تلحق) بناء ببناء فياء (عفارية) بمنزلة راء (عذافر) كما أن ياء (عفرية) بمنزلة عين (ضفدعة)، فإنما مددت " عذفر " لما قلت: (عذافر).
اعلم أن علانية وثمانية و(عفارية) في كل واحد منها سوى الهاء زائدان، ثم حكي أن بعض العرب يقول: " عفيّرة " و" ثميّنة " شبهها بألف (حبارى)، يعني ألف التأنيث إذ كانت زائدة كما أنها زائدة.
وإن حقرت رجلا اسمه (مهارى) أو (صحارى) كان " صحير " و" مهير " أحسن؛ لأن هذه الألف لم تجئ للتأنيث، يعني الألف الأخيرة إنما أرادوا: " مهاريّ " و" صحاريّ " فحذفوا إحدى الياءين وأبدلوا في (مهارى) و(صحارى) كما قالوا: " مدارى " و" معايا " فيما هو من نفس الحرف فاختار سيبويه حذف الألف الثالثة في (مهارى) و(صحارى) كما اختاروا في (علانية) و(ثمانية) للعلة التي ذكرنا.
وإن حقرت (عفرناة) و(عفرنى) كنت بالخيار إن شئت قلت: (عفيرن) و(عفيرتة)،
[ ٤ / ١٨٣ ]
وإن شئت قلت: (عفير) و(عفيرية)؛ لأن النون والياء جميعا زائدتان فلم تكن النون في (عفرني) بأضعف من النون في (حبنطى)، وأنت مخير في حذف أيهما شئت، والدليل على زيادتهما أن معنى (عفرنا) و(عفرناة) كمعنى (العفر) و(العفريت) قال الشاعر:
ولم أجد بالمصر من حاجاتي غير عفاريت عفرنيات (١)
و(عفرنيات) جمع (عفرتاة) وهي صفة (عفاريت) والمعنى فيهما واحد.
وأما (العرضنى) فليس إلا (عريض)؛ لأن النون ألحقت الثلاثة بالأربعة، فصارت بمنزلة حرف أصلي ثم دخلت ألف (عرضنى) للتأنيث، فصار بمنزلة دخلوها على ذوات الأربعة كقولك: (قرقرى) إذا حقرتهما، سقطت الألف فقط وصار النون في (عرضن) بمنزلة الراء في (قمطر).
وإذا حقرت رجلا اسمه (قبائل) فعلى قول الخليل وسيبويه حذف الألف منها أحسن من حذف الهمزة فيقال: (قبيئل) وإن عوضت قلت: (قبيئيل) وإنما اختاروا حذف الألف؛ لأنها ساكنة وهي ثالثة في موضع تكثر فيه الزوائد نحو (برائل)، و(عذافر)، وما أشبه ذلك.
وأما يونس فكان يختار حذف الهمزة لقربها من الطرف، إذ كانت زائدة كما حذفوا ياء (قراسية)، وياء (عفارية).
وعند الخليل وسيبويه (عفيرية) و(قريسية) أحسن، تحذف الألف ولا تحذف الياء، والذي يحذف الياء يقول:
(قريّسة) و(عفيرة).
إذا حقرت (لغيزى) قلت: (لغيغيز) تحذف الألف ولا تحذف الياء الرابعة، وذلك أن " لغّيزى " فيها ثلاثة أحرف زوائد، وهي الغين والياء وألف التأنيث، فأما إحدى الغينين فلا تحذف؛ لأنها من الحروف الأصلية وإذا زيدت كانت أقوى من الحروف الزائدة والياء رابعة، فإذا حذفناها احتجنا إلى حذف ألف التأنيث؛ لأنها تقع بعد حذف الياء خامسة، وإن حذفنا الألف لم نحتج إلى حذف الياء فكان حذف الألف أولى وقد مضى نحو هذا.
وليست ياء " لغّيزى " للتصغير؛ لأنها رابعة بمنزلة ألف (خضّارى) وواو " جلّوز " ومثله (قبّيطى) و(جميّزى).
_________________
(١) البيتان من مشطور الرجز وهما بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٤٣٨، والمخصص ٨/ ٦٣.
[ ٤ / ١٨٤ ]
فإذا حقرت (عبدّى) حذفت الألف فقلت: (عبيدّ) ولا تحذف إحدى الدالين؛ لأنها ليست من حروف الزيادة، وإنما تدخل للتضعيف وتجري مجرى ما ألحق بناء ببناء، وإن لم يكن ل (عبدّى) من الرباعي ما ألحق عبدّ به، وصارت الألف بمنزلة نون (عفنجج)، وإحدى الدالين بمنزلة إحدى الجيمين في (غفنجج)، ولا تحذف من (عفنجج) غير النون.
وإذا حقرت (بروكاء) و(جلولاء) قلت: (بريكاء) و(جليلاء)، وهذا وما جري مجراه مما رده أبو العباس المبرد على سيبويه؛ لأنه قال: إن آخر (جلولاء)، و(بروكاء) ألفان للتأنيث بمنزلة ألفي (حمراء)، وهي نظيرة الهاء ولا خلاف بينهم أنه إذا حقر (جلولة) و(بروكة) حقر (جلول) و(بروك) فيقال: (جليّل) و(بريّك) ثم تلحق هاء التأنيث فيقال: (جليّلة) و(بريكة)، وسيبويه (حذف) الواو من (بروكاء) و(جلولاء) فصغر على الحذف، فصار (جليل) و(بريك)، وألحق ألفي التأنيث، فيقال له إن كان ألفا التأنيث معتدا بهما فينبغي أن لا يصغر الصدر، ويجعل تصغيره كتصغير (علباء) و(حرباء) و(منصور) فتقول: (عليبيّ) و(حريبيّ) و(منيصير).
وكذلك على قوله: إذا حذف الواو وكانت الألف بمنزلة ما هو من نفس الحرف أن يقول: " جليليّ " و" بريكيّ " ولا يقول هذا أحد، وإن كانت الألفان بمنزلة شيء ضم إلى الأول فينبغي أن يصغر الأول بأسره، ثم تلحقه ألفي التأنيث فهذا طريق احتجاج أبي العباس عليه.
قال أبو سعيد: والذي عندي أن ألفي التأنيث تشبه هاء التأنيث من وجه، وتخالفها من وجه، وذلك أنا رأينا ألفي التأنيث في الجمع قد أجريت مجرى ما هو ملحق بالأصل؛ لأنهم قالوا: (صحراء) و(صحاريّ)، و(عذراء)، و(عذاريّ) كما قالوا: (حرباء) و(حرابيّ) فلما رأيناها قد أجريت مجرى ما هو من الأصل لغير التأنيث ولم يفعل ذلك
بالهاء، استعملت لما كثرت حروفه ما يستعمل في تصغير (الترخيم)، وهو أن تحذف منه الزائد الذي فيه، وهو الواو كما قالوا في تصغير (فاطمة): (فطيمة) وفي (أزهر): (زهير) وفي أحمد: (حميد)، وذلك لما كثرت الحروف وكان في آخرها حرفا التأنيث وهي علامة كالهاء فلم يجدوا سبيلا إلى حذفها وجعلوا ما حذفوا منها كحذفهم ألف (برانك) و(عذافر) دون الكاف والراء.
[ ٤ / ١٨٥ ]
وإذا حقرت (معيوراء) و(معلوجاء) لم تحذف منها شيئا؛ لأن ما قبل ألفي التأنيث في موضع لا يلحقه الحذف؛ لأنه من حروف المد وهو رابع، وليس بمنزلة ألف (مبارك) و(عذافر) وهي ثالثة كما أن واو (بروكاء) و(جلولاء) ثالثة فتقول: (معيّليجاء) و(معيّيراء)، وصار وقوع الواو رابعة يوجب لها حالا في الثبات يخالف ما يحذف غير رابع.
قال: " ولو جاء في الكلام (فعولاء) ممدودة لم تحذف الواو؛ لأنها تلحق الثلاثة بالأربعة ".
لأن (فعولاء) قد ألحق ب (جعفر) فيصير (فعولاء) بمنزلة (حرملاء)، وما جري مجراه. فإذا صغرناه قلنا: (حريملاء). ثم احتج سيبويه للفرق بين الواو في (بروكاء) والواو في (فعولاء)، أن واو (فعولاء) بالحركة قد صار بمنزلة الواو الأصلية، ألا ترى أنّا نقول في تصغير (جدول): (جديول) كما تقول في (أسود): " أسيود ". ولا يجوز أن تقول في (عجوز) (عجيوز)؛ لأنها واو ميتة غير متحركة وليست للإلحاق، وهذا الذي قاله سيبويه؛ لأنه لا يحذف واو (فعولاء)، إنما هو على قول من يقول في تصغير (أسود) و(جدول):
(أسيود) و(جديول) ومن قال: (أسّيد) و(جديّل) لزمه أن يحذف الواو في (فعولاء) فيقول: (فعيلاء)؛ لأنه إذا قلب الواو صارت بمنزلة واو (عجوز) و(بروك) و(جلول) فوجب حذفها.
وإذا حقرت (ظريفين) غير اسم رجل أو (ظريفات) أو (دجاجات) قلت:
(ظريّفون) و(ظريّفات) و(دجيّجات)؛ لأنك إذا صغرت جمعا سالما أو جمعا غير قليل صغرت الواحد ثم أدخلت علامة الجمع، فكأنك صغرت (ظريفا) أو (ظريفة) و(دجاجة)، وليس ذلك بمنزلة (جلولاء) و(بروكاء)؛ لأن ألفي التأنيث لم تدخل على (جلول) بعد أن استعمل اسما.
قال: " وسألت يونس عن تحقير ثلاثين فقال: (ثليثون) ولم يثقل شبهها بواو (جلولاء)؛ لأن (ثلاثا) لا تستعمل مفردة على حد ما يفرد (ظريف)، وإنما ثلاثون بمنزلة (عشرين) لا يفرد ثلاث من (ثلاثين)، كما لا يفرد عشر من عشرين.
ولو كانت إنما تلحق هذه الزيادة الثلاث التي تستعملها مفردة لكنت إنما تجعلها (تسعة) فلما كانت هذه الزيادة لا تفارق شبهت بألفي (جلولاء).
[ ٤ / ١٨٦ ]
جعل يونس الواو والنون والياء والنون في (ثلاثين) بمنزلة ألفي (جلولاء) وأسقط في التصغير الألف من ثلاث كما أسقط الواو من (جلول)، ولم يجعله بمنزلة جمع (ظريفين)؛ لأن ظريفا يفرد ويتكلم به، ثم تدخل عليه علامة الجمع، وثلاث من (ثلاثين) لا يفرد؛ لأنك لو أفردتها ثم جمعت صار (ثلاثون) بمعنى تسعة؛ لأن ثلاثا ثلاث مرات بمنزلة تسعة في المعنى وأنت لست تريد ذلك.