" وإنما تكون في أسماء معلومة أسكنوا أوائلها فيما بنوا من الكلام وليست لها أسماء تتلئبّ فيها كالأفعال، هكذا أجروا ذا في كلامهم. وتلك الأسماء ابن وألحقوه الهاء للتأنيث فقالوا: ابنة واثنان وألحقوه الهاء للتأنيث فقالوا:
اثنتان كقولك: ابنتان، وامرؤ وألحقوه الهاء للتأنيث، فقالوا: امرأة وابنم واسم واست، وجميع هذه الألفات مكسورة في الابتداء وإن كان الثالث مضموما نحو: ابنم وامرؤ؛ لأنها ليست ضمة تثبت في هذا البناء على كل حال، إنما يضمّ في حال الرفع، فلما كان كذلك فرقوا بينها وبين الأفعال نحو، أقتل أستضعف؛ لأن الضمة فيهن ثابتة، فتركوا الألف في امرئ وابنم على حالها والأصل الكسر؛ لأنها مكسورة أبدا في الأسماء والأفعال إلا في الفعل المضموم الثالث كما قالوا: أنا أنبؤك والأصل كسر الباء، فصارت الضمة في:
امرؤ إذ لم تكن ثابتة كالرّفعة في نون: ابن؛ لأنها ضمة إنما تكون في حالة الرفع ".
قال أبو سعيد﵀-: قد تقدم أن الأصل دخول ألفات الوصل في الأفعال دون الأسماء؛ لأن فيها علّة توجب ذلك وأن الأسماء التي ليست بمصادر للأفعال التي فيها ألفات الوصل من الخماسي والسداسي إنما هي أسماء معدودة وقد جمعها سيبويه وهي:
ابن وابنة واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة واست ابنم واسم، ويدخل في ذلك أيم الله وأيمن الله على ما ذكرنا من الكلام فيها، وإنما دخلت هذه الأسماء ألفات الوصل؛ لأنها أسماء معتلة سقط أواخرها للاعتلال، فسكن أوائلها لتكون ألفات الوصل عوضا مما سقط منها.
فأما ابن، وكان أصله: بنو أو بني وبني، فأسقط آخره وأما اثنان فكان أصله ثنيان؛ لأنه من ثنيت الشيء. وأما اسم فأصله سمو أو سمو؛ لأنه مشتق من سما يسمو إذا علا، والاسم في المعنى بمنزلة الشيء الذي يعلو على المسمّى، ويكون علما دالا عليه، ألا تراهم يقولون: وقع هذا الشيء تحت هذا الاسم، فعلم أن الاسم كالطابع على المسمّى وتحذف منه الواو فيكون فيه لغات بعد حذفها. يقال سم وسم.
[ ٥ / ١٨ ]
قال الشاعر:
والله أسماك سما مباركا آثرك الله به إيثاركا (١)
ويروى سما ويسكن أوله فتدخل ألف الوصل مكسورة على قياس ما ذكرنا من كسر ألف الوصل، ولم يحك سيبويه في ألف الوصل في هذه الأسماء غير الكسر، وقد حكى غيره في اسم: اسم، والوجه ما حكاه سيبويه. وأما است فأصله ستة، وقد اختلفت فيه العرب؛ فمنهم من يحذف التاء فيقول: سه، ومنهم من يحذف التاء، ويسكّن السين ويدخل ألف الوصل فيقول: است. وأمّا امرؤ فإنهم شبهوا الهمزة بحرف معتل؛ لأنه يلحقها التخفيف ولم يحفلوا بها فشبهوه بالاسم الذي قد أسقط آخره، فسكن أوله وأدخل ألف الوصل عليه. وأما ابنم فزيدت فيه الميم على ابن للتوكيد والمبالغة كما يقال للأزرق زرقم، وللعظيم العجز ستهم يراد به عظيم الاست. وذكر سيبويه أنا نقول: ابنم
امرؤ فيكسر ألف الوصل، وإن كان الثالث مضموما، وقد كنا ذكرنا أنهم ضموا ألف الوصل من أقتل لضمة الثالث، ففرق بين أقتل وامرؤ؛ لأن هذه الضمة التي في الراء من امرئ وفي النون من ابنم ليست بثابتة؛ لأنها تتبع ضمة الإعراب، تقول: هذا ابنم وامرؤ ورأيت ابنما وامرأ، ومررت بابنم وامرئ، فلما كانت الضمة فيهما الثالثة تابعة لضمة الإعراب ولم تضم لها ألف الوصل؛ لأنها غير ثابتة، فصار بمنزلة قولنا: ابنك خرج، اسم زيد في الديوان، فلا تضمّ الألف لأجل الرفع الذي فيه؛ لأنه غير ثابت قال:
" واعلم أن هذه الألفات ألفات الوصل تحذف جميعا إذا كان قبلها كلام إلا ما ذكرت من ألف اللام في الاستفهام وفى أيمن "، يعني إذا قال الرجل: قام أيمن الله؛ لأنها مفتوحة، ولو لم يمدّوا وقع لبس بين الخبر والاستفهام " وتذهب في غير ذلك إذا كان قبلها كلام إلا أن تقطع فتدع كلامك الأول وتستأنف كما قالت الشعراء في أنصاف البيوت؛ لأنها مواضع فصول وإنما ابتدأوا بعد قطع، قال الشاعر:
ولا يبادر في الشتاء وليدنا القدر ينزلها بغير جعال (٢)
ويروى: ولا تبادر بالشتاء وليدنا (القدر تنزلها)، والجعال: الخرقة التي تنزل بها
_________________
(١) قائل البيت ابن خالد القنائي انظر إصلاح المنطق ١٣٤، الإنصاف ١/ ١٥، أوضح المسالك ١/ ٢٥.
(٢) نسبه ابن السيرافي في شرح أبيات سيبويه لحاجب بن جندب ٢/ ٣٢٢، ونسب في شرح شواهد الشافية عن ابن عصفور للبيد العامري ولم أجده في ديوانه.
[ ٥ / ١٩ ]
القدر؛ وقطع ألف القدر لأنه ابتداء النصف الثاني من البيت. وقال لبيد:
أو مذهب جدد على ألواحه الناطق المزبور والمختوم (١)
فقطع ألف الوصل من الناطق؛ لأنه النصف الثاني من البيت. وقد روي: على ألواحهن الناطق المزبور، ولا شاهد فيه على هذه الرواية والمزبور: المكتوب ويروى المبرور في معنى المبرز قال:
" واعلم أن كل شيء كان أول الكلمة وكان متحركا سوى ألف الوصل فإنه إذا كان قبله كلام لم يحذف ولم يتغير إلا ما كان من هو وهي فإن الهاء تسكن إذا كان قبلها واو أو فاء أو لام، وذلك قولك: وهو ذاهب، ولهو خير منك وفهو قائم، وكذلك هي لمّا كثرتا في الكلام، وكانت هذه الحروف لا يلفظ بها إلا مع ما بعدها صارت بمنزلة ما هو من نفس الحرف، فأسكنوا كما قالوا في فخذ فخذ وفي رضي رضي وفي حذر حذر وفي سرو سرو. فعلوا ذلك حيث كثرت في كلامهم وصارت تستعمل كثيرا فأسكنت في هذه الحروف استخفافا ".
قال أبو سعيد: يريد أن قولهم فهو وهو لمّا كثرت في كلامهم وكانت الواو والفاء لا ينفردان صار بمنزلة سرو وقضو وعضد وعجز وكثرتا في الكلام اختير فيها تسكين الهاء. وفي الناس من يقول: وهو وفهي فيضم الهاء ويكسرها ولا يخفف، وهو جيد بالغ.
قال:
" وفعلوا بلام الأمر مع الفاء والواو مثل ذلك؛ لأنها كثرت في كلامهم وصارت بمنزلة الهاء في أنها لا يلفظ بها إلا مع ما بعدها وذلك قولك فلينظر وليضرب ".
قال أبو سعيد: يعني أن لام الأمر إذا اتصل بها الفاء والواو تسكن، وذلك لشيئين:
أحدهما ما ذكره من كثرة ذلك وأن الفاء والواو لا ينفردان واللام بعدهما مكسورة تسكن كما تسكن الخاء من فخذ حين قالوا: فخذ ويجوز أن يكون فصلوا بين لام الأمر ولام كي؛ لأنهم لا يسكنون في لام كي، كما أسكنوا في لام الأمر، قال الله ﷿: وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ (٢) ولم يسكنوا اللام فيها؛ لأنها لام كي، وقد أسكن بعضهم لام الأمر مع ثم، قرأ الكسائي وغيره: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ (٣) بتسكين اللام، واستقبح أهل البصرة
_________________
(١) انظر الديوان ١٥٩، الخصائص ١/ ١٩٣.
(٢) سورة القصص، الآية: ١٣.
(٣) سورة الحج، الآية: ٢٩.
[ ٥ / ٢٠ ]
ذلك؛ لأن ثم يوقف عليها وإنما العلة في التسكين عندهم أن الفاء والواو لا يوقف عليهما وإن كان ما قرأوا به من تسكين اللام مع ثم جائزا فليس بالمختار.
قال سيبويه: " ومن ترك الهاء على حالها في " هي " و" هو " ترك الكسرة في اللام على حالها ".
قال أبو سعيد: يريد أن من قال وهو وهي فحرّك الهاء حرّك اللام في قوله: فلينظر وليضرب.