" فمن ذلك الباء التي تكون علامة المضمر المجرور أو تكون علامة المضمر المنصوب وذلك قولك: هذا غلاميه، وجاء من بعديه، وأنه ضربنيه، كرهوا أن يسكنوها إذ لم تكن حروف الإعراب وكانت خفية فبينوها، وأما من رأى أن يسكن الياء فإنه لا يلحق الهاء، لأن ذلك أمرها في الوصل فلم يحذف منها في الوقف شيء.
وقالوا: هيه وهم يريدون هي، شبهها بياء بعدي، وقالوا: هوه لما كانت الواو لا
_________________
(١) قائله عبيد الله بن قيس الرقيات انظر ديوانه ٦٦، ابن يعيش ٦/ ٨.
[ ٥ / ٣٣ ]
تصرف بالإعراب، كرهوا أن يلزموها الإسكان في الوقف فجعلوها بمنزلة الياء، كما جعلوا كيفه بمنزلة مسلمونه. قال الشاعر:
إذا ما ترعرع فينا الغلام فما أن يقال له من هوه (١)
قال أبو سعيد: وإنما قال سيبويه: شبهوا هيه بياء بعدي، لأن الياء في بعدى حرف واحد وهي اسم وهي حرفان، وما كان على حرف واحد فه أولى بالهاء لقلته ونقصانه قال سيبويه: " ومثل ذلك قولهم: خذه بحكمكه ".
فالكاف بمنزلة الياء، وجميع هذا في الوصل تسقط منه الهاء قال سيبويه:
" وقد استعملوا في شيء من هذا الباب الألف (في الوقف كما استعملوا الهاء، لأن الهاء اقرب المخارج إلى الألف) وهي شبيهة بها، فمن ذلك قول العرب: حيهلا، فإذا وصلوا قالوا: حيهل بعمر قلت: حيهل يعني في الوقف، ولم يدخلوا الألف.
" كما تقول: بحكمك، ومن ذلك قولهم أنا، فإذا وصل قال: أن أقول ذاك، ولا يكون في الوقف في أنا إلا الألف، ولم تجعل بمنزلة هو، لأن هو آخرها حرف مد والنون خفية فجمعت إنها على اقل عدد ما يتكلم به مفردا، وأن آخرها خفي ليس بحرف إعراب، فحملهم ذلك على هذا ".
قال أبو سعيد: يريد أنهم قد وقفوا على هذا بغيرها، يعني هو ويجوز أن يوقف عليه بالهاء فيقال هوه، وأنا لا يجوز الوقوف عليه إلا بالألف، والفرق بينهما أن النون خفية وهي على مذهبه أخفى من الواو والكلمة على حرفين عدد ما يتكلم به مفردا وليس آخرها بحرف إعراب كآخر يد ودم، فاختلت بخفاء النون وقلة عدد الحروف وأن آخرها ليس بحرف إعراب وبعض العرب من طئ يقف عليها بالهاء، فيقول: إنه وروي أن حاتم الطائي كان أسيرا في قوم فأمر أن يفصد بعيرا فنحره فقيل له: لم فعلت هذا، فقال: هذا فصدي إنه، وذكر سيبويه أن من العرب من يصل أنا بالألف فيقول: آنا فعلت هذا، وهي قراءة نافع في بعض القرآن كقوله: (أنا أتيك به) (٢)، (أنا أحي وأميت) (٣) في أحرف سواها وقال الشاعر:
_________________
(١) البيت لحسان بن ثابت انظر ديوانه ٢٥٨.
(٢) سورة النمل ٤٠.
(٣) سورة البقرة ٢٥٨.
[ ٥ / ٣٤ ]
أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميد قد تفرويت السناما (١)
ولم تقف العرب بالألف لبيان الحركة إلا في هذين الحرفين حبهلا وآنا، وتقف في الباقي بالهاء قال سيبويه: " ونظير أنا مع هذا الهاء التي تلزم طلحة في أكثر كلامهم في النداء إذا وقفت، وكما لزمت تلك لزمت هذه الألف ".
قال أبو سعيد: يريد أن الألف لازمة في أنا إذا وقفت، ومثله في أكثر كلامهم لزوم الهاء إذا رخمت طلحة ووقفت عليه، فإذا وصله قال: يا طلع أقبل.
قال سيبويه: " وأما أحمر ونحوه إذا قلت رأيت أحمر لم تلحق الهاء، لأن، هذا الآخر حرف إعراب يدخله الرفع والنصب وهو اسم تدخله الألف واللام فيجر آخره ففرقوا بينه وبين ما ليس كذلك، وكرهوا الهاء في هذا الاسم في كل موضع وأدخلوها في التي لا تزول حركتها، وصار دخول كل الحركات فيه، وأن نظيره مما ينصرف منون عوضا من الهاء حيث قويت هذه القوة ".
قال أبو سعيد: وقد ذكرنا الفرق بين المعرب والمبني بما أغنى عن إعادته.
قال سيبويه: " وكذلك الأفعال نحو: ظن وضرب لما كانت اللام قد تصرف حتى يدخلها الرفع والنصب والجزم شبهت بأحمر ".
قال أبو سعيد: يريد أن الفعل الماضي وإن كان مبنيا عليه لا تدخله الهاء للوقف، لأن آخر الفعل الماضي هو الذي يعرب في المستقبل، فصار له بذلك قوة فلم تدخل عليه الهاء كما أن حكم وجعفر إذا بني في النداء لم يسكن وبني على حركة فصار إعرابه في حال قوة له في حال البناء.
قال سيبويه: " وأما قولهم: علامه وفيمه ولمه وبمه وحتامه، فالهاء في هذه الحروف أجود إذا وقفت، لأنك حذفت الألف من ما فصار آخره كآخر " ارمه واغزه ".
وقد قال قوم: فيم وعلام وبم ولم كما قالوا: اخش يعني في الوقف وقد جاء في بعض الشعر سكون الميم في الوصل في بعض هذه الحروف قال الشاعر:
يا أبا الأسود لم خليتني لهموم طارقات وذكر (٢)
_________________
(١) قائل البيت حميد بن حريث انظر شواهد الشافية ٢٢٣، خزانة الأدب ٥/ ٧٨، شرح المفصل ٣/ ٩٣.
(٢) انظر خزانة الأدب ٣/ ١٩٧، شرح الشافية ٢/ ٢٩٧، الدرر اللوامع ٢/ ٢٣٧.
[ ٥ / ٣٥ ]
قال سيبويه: " وليس هذا مثل إن، لأنه لم يحذف منها شيء من آخرها ".
قال أبو سعيد: يعني أن إثبات الهاء في ارمه واغزه في الوقف الزم منها في أن إذا وقفت عليها، لأنه قد حذف من آخر
ارمه ما تكون الهاء عوضا منه، ولم يحذف من أن شيء.
قال: " وأما قولهم: مجيء م جئت ومثل م أنت فإنك إذا وقفت ألزمتها الهاء ولم يكن فيها إلا ثبات الهاء، لأن مجيء ومثل يستعملان في الكلام مفردين لأنهما اسمان وأما الحروف الأول فإنها لا يتكلم بها مفردة من ما لأنها ليست باسم، فصار الأول والأخر بمنزلة حرف واحد لذلك، ومع هذا أنه أكثر في كلامهم، فصار هذا بمنزلة حرف واحد نحو: اخش، والأول من مجيء م جئت، ومثل م أنت ليس كذلك، ألا تراهم يقولون: مثل ما أنت ومجيء ما جئت، لأن الأول اسم، وإنما حذفوا لأنهم شبهوها بالحروف الأولى، فلما كانت الألف قد تلزم في هذا الموضع كانت الهاء في الحرف لازمة في الوقف ليفرق بينها وبين الحرف الأول ".
قال أبو سعيد: فرق سيبويه بين حروف الخفض المتصلة بما في الاستفهام وبين الأسماء المتصلة بما، وذلك أن حروف الخفض إذا اتصلت بما في الاستفهام، فالعرب تسقط الألف من ما وتجعلها مع الحروف بمنزلة شيء واحد، (وكثر ذلك في كلامهم فصارت ككلمة واحدة، فإذا وقفوا عليها اختاروا أن يقفوا على الهاء عوضا من الألف المحذوفة، كقولك: علامه وفيمه كما يقفون على ارمه واغزه وبعض العرب لا يحذف الألف وليس ذلك بالكثير وأما الأسماء نحو مجيء م جئت ومثل م أنت فلم يكثر في كلامهم، وقد يتكلم بها مفردة من ما وغيرها، لأنه يجوز أن تقول: جئت مجيئا، وما رأيت لك مثلا، والحروف لا تنفرد، فلما كانت الحروف محتاجة إلى ما بعدها حاجة لازمة كان جعلها وما بعدها بمنزلة شيء واحد أول وألزم، فلما كان كذلك صارت كلمة قائمة على أكثر من حرف، فجاز إدخال الهاء وإسقاطها، وإن كان إثباتها أجود، وما بعد مثل ومجيء حرف قائم بنفسه غير مختلط بما قبله فإذا حذفت الألف بقيت الميم وحدها فاحتاجت إلى الهاء ضرورة وإنما شبهوا مجيء ومثل وما جرى مجراهما إذا أضيفت إلى ما الاستفهام بحروف الجر، لأن الأسماء تجر ما بعدها، كما أن الحروف تجر ما بعدها، فكانت الهاء لها لازمة في الوقف لما ذكرت لك، وليفرق بينهما وبين الحروف.
قال: " وقد لحقت هذه الهاءات بعد الألف في الوقف، لأن الألف خفية فأرادوا
[ ٥ / ٣٦ ]
البيان، وذلك قولهم: هؤلاء وهاهنا، ولا يقولانه في أفعى وأعمى ونحوهما من الأسماء المتمكنة كراهية أن تلتبس بهاء الإضافة، ومع هذا أن هذه الألفات حروف إعراب، ألا ترى أن لو كان في موضعها غير الألف دخله الرفع والنصب والجر كما يدخل راء أحمر، ولو كان في موضع ألف هؤلاء حرف متحرك سواها كانت لها حركة واحدة كحركة أنا وهو، فلما كان كذلك أجروا الألف مجرى ما يتحرك في موضعهما.
يعني أن ما كان في آخره ألف إن كان مبنيا جاز أن تدخله الهاء في الوقف وذلك نحو: هذا وهاتا ونحوهما،، تقول:
هذاه وهاتاه وهاهناه وما أشبه ذلك، وإن كان الألف معربا في التقدير، وهو أن يكون نظيره من غير الألف معربا لم يوقف عليه بالهاء، لا تقول هذا أفعاه ولا هذا أعماه، لأنه على أفعل، ونظيره أحمر وأصفر وهو معرب فلا تدخله الهاء كما لا تدخل المعربات، ومع ذلك أنهم لو أدخلوا الهاء لالتبس بالإضافة فيصير بمنزلة قولنا: عصاه ورحاه إذا أضفنا.
قال: " واعلم أنهم لا يتبعون الهاء ساكنا سوى هذا الحرف الممدود، لأنه خفي فأرادوا البيان كما أرادوا أن يحركوا ".
قال أبو سعيد: يعني أن الهاء تدخل فيما كان آخره ألفا فقط دون ما كان آخره ياء أو واوا لأن الألف أخفى وهو إلى البيان أحوج، فلا يقولون جاءتني هدية، ولا في شيء غير ذلك من المبنيات على السكون نحو: من وكم.
قال: " وقد يلحقون في الوقف هذه الهاء الألف التي في النداء، والألف والياء والواو في الندبة لأنه موضع تصويت وتبيين، فأرادوا أن يمدوا فألزمزها الهاء في الوقف لذلك، وتركوها في الوصل، لأنه لا يستغنى عنها كما يستغنى عنها في المتحرك في الوصل، لأنه يجيء ما يقوم مقامها، وذلك قولك: يا غلاماه ووا غلاماه ووا زيداه ووا غلامهوه ووا ذهاب غلامهيه ".
قال أبو سعيد: هذا كلام سيبويه واحتجاجه، ويجوز أن يحتج في ذلك بدخول الهاء على الواو والياء الساكنتين في الندبة أنهما بدل من الألف، وإنما دخلنا للفرق بين ملتبسين، وقد ذكر ذلك في الندبة.