" وذلك ثلاثة أحرف: الألف والياء التي قبلها حرف مكسور وهي ساكنة " فأما حذف الألف فقولك: رم الرجل وأنت تريد رمى، ولم يخف الرجل، وأنما كرهوا تحريكها لأنها إذا حركت صارت ياء أو واو، فكرهوا أن يصيروا إلى ما استثقلوا فحذفوا الألف حيث لم يخافوا التباسا ومثل ذلك: هذه حبلى الرجل ومعزى القوم وأنت تريد المعزى والحبلى كرهوا أن يصيروا إلى ما هو أثقل من الألف، فحذفوا حيث لم يخافوا التباسا ومثله رمت ".
يريد أن التاء دخلت وهي ساكنة على رمى فاجتمع ساكنان الألف من رمى والتاء
[ ٥ / ٢٥ ]
فسقطت الألف كما سقطت في قولك: رمى الرجل.
قال: " وقالوا: رميا فجاءوا بالياء وقالوا: غزوا فجاؤا بالواو لئلا يلتبس الاثنان بالواحد وقالوا: حبليان وذفريان، لأنهم لو حذفوا لالتبس بما ليس في آخره ألف التأنيث من الأسماء، وأنت إذا قلت هذه حبلى الرجل ومن حبلى الرجل علم أن في آخرها ألفا. فإن قلت قد تقول رأيت حبلى الرجل فيوافق اللفظ لفظ ما ليس في آخره ألف التأنيث، فان هذا لا يلزمه في كل موضع، وإن لو قلت حبلان لم تجد موضعا إلا والألف منه ساقطة ولفظ بالاسم حينئذ ولفظ ما ليست فيه الألف سواء ".
قال أبو سعيد: أعلم أن الساكن من حروف المد واللين وان حذفناه لاجتماع الساكنين فقد يرد مثله فلا يحذف لما يقع في حذفه من اللبس، وذلك ما كان في آخره ألف من الاسم والفعل إذا ثنيناه قلبنا الألف التي في الواحد ياء أو واوا، أدخلنا حرف التثنية وذلك قولك في رمى رميا، وفي قضى قضيا، وفي دعا دعوا، قال الله ﷿:
(فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما) (١).
وتقول في دنا دنوا، وفي غزا غزوا، وتقول في تثنية الاسم في حبلى حبليان وفى ذفرى ذفريان، وفي فتى فتيان، وفي رحى رحيان، وما كان من ذوات الواو نحو عصا ومنا وقفا ورجا عصوان ومنوان وقفوان ورجوان، وإنما فعل ذلك لأنا لو أدخلنا على رمى ألف التثنية فحذفنا الألف التي في رمى لسكونها وسكون ألف التثنية لصار لفظ المثنى كلفظ الواحد، ولو حذفنا في الاسم لقلنا في حبلى حبلان، وفي ذفرى ذفران، ورحان وفتان في تثنية رحى وفتى، وعصان ومنان في تثنية عصا ومنا، ولو فعلنا ذلك ثم أضفنا سقطت النون للإضافة فصار لفظ الواحد كلفظ الاثنين، لأنك إذا قلت رحان في تثنية رحى وعصان في تثنية عصا، ثم أضفتها إلى زيد قلت رحى زيد
فصار كالواحد، وكذلك عصا زيد. فإن قال قائل فأنت قد تقول: رأيت حبلى الرجل فيوافق اللفظ لفظ ما في آخره ألف التأنيث لأنه في موضع النصب مفتوح، فكذلك التثنية، ففرق سيبويه بينهما فقال: " إن هذا لا يلزم في كل موضع " يريد أن الألف من حبلى قد لا يلقاها ساكن يسقطها فتثبت، كقولك: هذه حبلى زيد، رأيت حبلى زيد ومررت بحبلى زيد فتظهر ألف حبلى وأنت إذا أسقطت الألف لاجتماع الساكنين في التثنية فهي ساقطة على كل حال،
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية ١٨٩.
[ ٥ / ٢٦ ]
فلذلك لم تسقط في التثنية كما سقطت في غيرها، وما يسقط فيزول معناه ويلتبس بمعنى آخر أشد مما يسقط فيلتبس إعرابه قال:
" وأما حذف الياء التي قبلها كسرة فقولك: هو يرمي الرجل ويقضي الحق وأنت تريد يقضي ويرمي كرهوا الكسرة كما كرهوا الجر) في قاض، والضم فيه كما كرهوا الرفع فيه ولم يكونوا ليفتحوا فيلتبس بالنصب، لأن سبيل هذا أن يكسر فحذفوا حيث لم يخافوا التباسا ".
قال أبو سعيد: يريد أنهم إذا قالوا يقضي الرجل ويرمي الرجل فلا بد لهذه الياء من أن تسكن فتحذف لاجتماع الساكنين وهو الذي عقد عليه الباب، أو تحرك، فإن حركت بالكسر صار بمنزلة قولنا مررت بقاضيك وكسرة الياء التي قبلها كسرة مستثقلة والعرب تسكنها في حال الكسر ولم تكن لتضم، لأن الضمة فيها مستثقلة كما استثقلوا الضم في رفع القاضي حين لم يقولوا هذا قاضيك، وكرهوا الفتح في قولك: هو يرمي الرجل، لم يقولوا يرمي الرجل، لأنهم لو فتحوه لالتبس بالمنصوب، ولأن اجتماع الساكنين لا يوجب الفتح. قال:
" وأما حذف الواو التي قبلها حرف مضموم كقولك: يغزو القوم ويدعو القوم، فكرهوا الكسر كما كرهوا الضم هناك، وكرهوا الضم كما كرهوا الكسر في يرمي ".
قال أبو سعيد: يريد أنّا لو كسرنا الواو في يغزو لثقل، لأنه واو قبلها ضمة كما كرهوا الضم في الياء التي قبلها كسرة، وكرهوا الضم في يغزو القوم كما كرهوا الكسر في مررت بقاضيك وهذا يرمي الرجل قال:
" وأما اخشوا القوم ورموا الرجل واخشى الرجل فإنهم لو حذفوا لالتبس الواحد بالجميع والأنثى بالذكر وليس هنا موضع التباس ".
قال أبو سعيد: يريد أن الواو المفتوح ما قبلها والياء المفتوح ما قبلها لا تسقط لاجتماع الساكنين، لأنها لو سقطت لأوقعت لبسا، لأنك لو قلت اخشوا زيدا ثم قلت اخشوا القوم لو أسقطت واو الجمع للساكن الذي بعدها لقلت اخش
القوم على لفظ الواحد، فتجنبوا هذا، وكذلك تقول للمرأة اخشي زيدا، فلو قلت اخش القوم وحذفت الياء لاجتماع الساكنين لبقيت الشين وحدها مفتوحة على لفظ الواحد المذكر.
" ومع ذلك أن قبل هذه الواو والياء أخف الحركات ".
[ ٥ / ٢٧ ]
فلم يستثقل تحريك الواو والياء لخفة ما قبلها، وإذا كان الواو قبلها ضمة والياء قبلها كسرة، فإنه يجتمع في تحريك الواو والياء أنه أثقل " وأنه لا يخاف فيه الالتباس فحذف، ومثل ذلك لم يبع ولم يقل حذفت الواو والياء ولم تحركا كما حذفت الألف في تخاف فقيل لم تخف والواجب في تخاف حذفت الألف إذا سكنت الفاء، لأن الألف لم يمكن تحريكها، فحمل لم يبع ولم يقل على الألف لأنها أخوات. ومع هذا فإنه يستثقل أن يقال لم يبيع ولم يقول فيحرك لاجتماع الساكنين.