(ولكنها مصادر وضعت موضعا واحدا لا يتصرف في كلام تصرّف ما ذكرنا من المصادر، وتصرّفها أنها تقع
في موضع الجر والرفع وتدخلها الألف واللام.
وذلك قولك: سبحان الله، ومعاذ الله وريحانه، وعمرك الله إلّا فعلت، وقعدك الله إلّا فعلت، كأنّه حيث قال: سبحان الله قال تسبيحا، وحيث قال: وريحانه قال واسترزاقا، لأنّ معنى الرّيحان: الرزق، فنصب هذا على معنى أسّبح الله تسبيحا، وأسترزق الله استرزاقا، فهذا بمنزلة سبحان الله وريحانه.
وخزل الفعل هنا لأنّه بدل من اللّفظ بقوله أسبّحك وأسترزقك، وكأنه حيث
_________________
(١) رجز منسوب ل (ملبد بن حرملة): تهذيب إصلاح المنطق ٣٦١، ٥٣٩؛ تاج العروس (شكى).
(٢) سورة يوسف، الآية: ١٨.
(٣) سورة يوسف، الآية: ١٨.
[ ٢ / ٢١٣ ]
قال معاذ الله قال عياذا بالله فانتصب على أعوذ بالله عياذا، ولكنّهم لم يظهروا الفعل ههنا كما لم يظهروا في الذي قبله.
وكأنه حين قال: عمرك الله وقعدك الله قال: عمّرتك الله، بمنزلة نشدتك الله، فصار عمرك منصوبة بعمّرتك كأنك قلت: عمّرتك عمرا ونشدتك نشدا، ولكنهم خزلوا الفعل لأنهم جعلوه بدلا من اللّفظ به، قال الشاعر:
عمّرتك الله إلّا ما ذكرت لنا هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم (١)
وقعدك يجري هذا المجرى وإن لم يكن له فعل، كأن قولك عمرك الله، وقعدك الله بمنزلة نشدك الله ولكن زعم الخليل أن هذا تمثيل يمثّل به، قال الشاعر:
عمّرتك الله الجليل فإنّني ألوي عليك لو أنّ لبّك يهتدي (٢)
والمصدر النّشدان والنّشدة).
قال أبو سعيد: أمّا سبحان فهو مصدر فعل لا يستعمل كأنه قال: سبّح سبحانا، كما تقول: كفر كفرانا، وشكر شكرانا، ومعناه معنى التبرئة والبراءة، ولم يتمكن في مواضع المصادر؛ لأنه لا يأتي إلا مصدرا منصوبا مضافا وغير مضاف، وإذا لم يضف ترك صرفه، فقيل: سبحان من زيد، أي: براءة من زيد، كما قال:
أقول لمّا جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر (٣)
وإنّما منع الصّرف لأنه معرفة وفي آخره ألف ونون زائدتان مثل: عثمان ونحوه.
فأما قولهم: سبّح يسبّح فهو فعل ورد على سبحان بعد أن ذكر وعرف، ومعنى سبّح زيد، أي: قال: سبحان الله، كما
تقول: بسمل إذا قال: بسم الله، وقد يجيء في الشعر سبحان منونا كقول أمية:
سبحانه ثم سبحانا نعوذ به وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد (٤)
_________________
(١) البيت للأحوص: ديوانه: ١٩٩؛ خزانة الأدب ٢: ١٣، ١٤.
(٢) المقتضب ٢: ٣٢٩؛ خزانة الأدب ٢: ١٥، ٣: ١٣٢.
(٣) البيت للأعشى الكبير ميمون بن قيس: ديوانه: ١٤٣؛ أساس البلاغة ١: ٤١٨؛ الخصائص ٢: ٤٣٧؛ خزانة الأدب ١: ١٨٥، ٧: ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٨.
(٤) البيت لأمية بن أبي الصلت: ديوانه: ٣٠، خزانة الأدب ٣: ٣٨٨، ٧: ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٣٨، ٢٤٣.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وفيه وجهان: يجوز أن يكون نكرة فيصرفه، ويجوز أن يكون صرفه للضرورة.
وروى الرّياشيّ: " ثم سبحانا يعود له " بالدال غير معجمة، أي: يعاود مرّة بعد مرّة.
وأمّا معاذ الله فإنه يستعمل منصوبا كما ذكر سيبويه مضافا، والعياذ الذي هو في معناه يستعمل منصوبا ومرفوعا ومجرورا بالألف واللام، فيقال: العياذ بالله وألجأ إلى العياذ بالله.
وأما ريحانه: ففيه معنى الاسترزاق، فإذا دعوت به كان مضافا، وقد أدخله سيبويه في جملة ما لا يتمكن من المصادر، ولا ينصرف، ولا يدخله الرّفع والجر والألف واللام، وقد ذكر في معنى قوله تعالى: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١)، أنه الرزق وهو مخفوض بالألف واللام، قال النّمر بن تولب:
سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر (٢)
فرفع، ولعل سيبويه أراد إذا ذكر ريحانه مع سبحانه كان غير متمكّن كسبحان.
وأما عمرك الله فهو مصدر ونصبه على تقدير فعل، وقد يقدر ذلك الفعل على غير وجه.
منهم من يقدر أسألك بعمرك الله وبتعميرك الله، أي: وصفك الله بالبقاء، وهو مأخوذ من العمر، والعمر في معنى البقاء، العرب تقول: لعمرك الله فيحلف ببقاء الله، وقال:
إذا رضيت عليّ بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها (٣)
ومنهم من يقدر أنشدك بعمر الله فيجعل المضمر أنشدك، وهم يستعملون أنشدك في هذا المعنى، فيقولون: أنشدك بالله، وإذا حذف الباء وصل الفعل، ويصرفون منه الفعل فيقولون عمّرتك الله على معنى ذكّرتك الله وسألتك به، قال الشاعر:
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية: ١٢.
(٢) ينسب إلى النمر بن تولب: شواهد تفسير الطبري ١: ٥٢٣، ٢: ١٩٤؛ اللسان وتاج العروس (روح).
(٣) ينسب ل: القحيف العقيلي: خزانة الأدب ١٠: ١٣٢؛ الخصائص ٢: ٣١٣، ٣٩١؛ أدب الكاتب: ٥٠٧؛ الإنصاف ٢: ٦٣٠.
[ ٢ / ٢١٥ ]
عمّرتك الله إلا ما ذكرت لنا هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم (١)
وقال آخر:
عمّرتك الله الجليل فإنّني ألوي عليك لو أنّ لبّك يهتدي (٢)
وأمّا نصب اسم الله تعالى فلأنه منصوب مفعول المصدر. فكأنّه قال: أسألك بتذكيرك الله أو بوصفك الله تعالى بالبقاء.
وأجاز الأخفش (٣) رفعه على أن الفاعل للتذكير هو الله تعالى، كأنه قال: أسألك بما ذكّرك الله تعالى به، وقعدك بمعنى: عمرك، وفيه لغتان:
قعدك الله، وقعيدك الله، قال الشاعر:
فقعدك ألّا تسمعيني ملامة ولا تنكئي قرح الفؤاد فتيجعا (٤)
وتقديره: أسألك بقعدك وبقعيدك الله، ومعناه بوصف الله تعالى بالثبات والدوام، مأخوذ من القواعد التي هي الأصول لما يثبت ويبقى، ولم يتصرف منه فعل فيقال:
قعّدتك الله كما قيل: عمّرتك الله، لأن العمر معروف في كلام العرب، وهي كثيرة الاستعمال له في اليمين، فلذلك تصرّف وكثرت مواضعه.
وأما جواب عمرك الله، وقعدك الله، ونشدتك الله؛ فإنها تكون بخمسة أشياء:
بالاستفهام، والأمر، والنهي، وأن، وإلّا، ولمّا.
والأصل في ذلك: نشدتك الله ومعناه: سألتك به، وطلبت منك به؛ لأنه يقال:
نشد الرجل الضالة إذا طلبها، كما قال:
" أنشد والباغي يحبّ الوجدان "
أي: أطلب الضّالة والطّالب يحبّ الإصابة، وجعل عمرك الله وقعدك الله في معنى الطلب والسؤال كنشدتك الله، فكان جوابها كلّها ما ذكرت لك، لأن الأمر والنهي
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سعيد بن مسعدة المجاشعي المعروف بالأخفش الأوسط سكن البصرة قرأ النحو على سيبويه وكان معتزليا توفي ٢١٥ هـ، الفهرست: ٥٢، معجم الأدباء ١١، ٣٣٤.
(٤) خزانة الأدب ٢: ٢٠، ١٠: ٥٤، ٥٦؛ تاج العروس (قعد)؛ جمهرة أشعار العرب ١٤٢، وجميعهم يرويه ب (قعيدك).
[ ٢ / ٢١٦ ]
والاستفهام كلّها بمعنى السؤال والاستدعاء، وكذلك " أن " لأنه في صلة الطلب بقولك:
نشدتك الله أن تقوم، وكذلك نشدتك الله لا تقم، قال الشاعر في الأمر:
عمرك الله ساعة حدّثينا ودعينا من ذكر ما يؤذينا (١)
وقال الآخر في الاستفهام:
عمرك الله أما تعرفني أنا حرّاث المنايا في الفزع (٢)
لأنّه في معنى الطلب والمسألة، وعمّرتك الله إلّا فعلت كذا وكذا، كما تقول: بالله إلّا فعلت كذا وكذا.
ومثل ما ينصب ذلك قولك للرجل: سلاما أي: سلاما منك.
وعلى هذا قوله ﷿: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (٣). معناه:
براءة منكم، لأنّ هذه الآية في سورة الفرقان، وهي مكية، والسّلام في سورة النّساء وهي مدنيّة ولم يؤمر المسلمون بمكّة أن يسلموا على المشركين، وإنما هذا على معنى: براءة منكم وتسلّما، لا خير بيننا وبينكم ولا شرّ، ومنه قول أمّية:
سلامك ربّنا في كلّ فجر بريئا ما تغنّثك الذّموم (٤)
أي: تنزيها من السّوء، ومعنى ما تغنّثك أي: تلزّق بك صفة الذم.
وكان أبو ربيعة يقول: إذا لقيت فلانا فقل سلاما، ومعناه: براءة منك.
قال: (فكل هذا ينتصب انتصاب حمدا وشكرا، إلا أن هذا يتصرّف وذاك لا يتصرّف).
قال: (ونظير سبحان الله من المصادر في البناء والمجرى لا في المعنى " غفران " لأن بعض العرب يقول: غفرانك لا كفرانك، يريد: استغفارا لا كفرا).
وجعل فيما لا يتمكن لأنه لا يستعمل على هذا إلّا منصوبا مضافا، وكذلك قوله تعالى: وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٥).
أي: حرما محرّما، ومعناه: وتقول الملائكة:
_________________
(١) البيت لعمرو بن أحمد الباهلي، المحتسب ١: ١٠٠.
(٢) همع الهوامع ٢: ٤٥؛ الدرر ٤: ٢٥٢.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.
(٤) البيت لأمية بن أبي الصلت: ديوانه: ٥٤، تاج العروس (غنث).
(٥) سورة الفرقان، الآية: ٢٢.
[ ٢ / ٢١٧ ]
حجرا محجورا، أي: حراما عليهم الغفران والجنّة ونحوه من التقدير على معنى:
حرّم الله ذلك تحريما، أو جعل الله ذلك محرّما عليهم.
(ويقول الرجل للرّجل: أتفعل كذا وكذا، فيقول: حجرا وبراءة).
وكل ذلك يؤول إلى معنى المنع؛ لأن الحجر مأخوذ من البناء الذي يحجّر به ليمنع من وصول ما يصل إلى ما وراءه.
(ومن العرب من يرفع " سلام " إذا أراد معنى المبارأة كما رفعوا " حنان "، سمعنا بعض العرب يقول لرجل: لا تكونن منّي في شيء إلا سلام بسلام، أي: أمري وأمرك المبارأة المتاركة، وتركوا لفظ ما يرفع كما تركوا فيه لفظ ما ينصب).
وقد مضى نحوه.
قال: (وأما سبّوحا قدّوسا ربّ الملائكة والرّوح فعلى شيء يخطر على باله أو يذكره ذاكر فقال: سبّوحا أي ذكرت سبّوحا، كما تقول: أهل ذلك، إذا سمعت رجلا يذكر رجلا بثناء أو ذمّ كأنك قلت: ذكرت أهل ذاك، واذكر أهل ذاك ونحوه مما يليق به، وخذلوا الفعل النّاصب لسبحان لأن المصدر صار بدلا منه).
(ومن العرب من يرفع فيقول: سبّوح قدّوس على إضمار " هو " سبوح) ونحوه مما مضى.
قال: (وممّا ينتصب فيه المصدر على إضمار الفعل المتروك إظهاره ولكنه في معنى التعجّب قولك: كرما، وصلفا، كأنه يقول: أكرمك الله كرما، وأدام الله لك كرما، وألزمك صلفا، وفيه معنى التعجّب فيصير بدلا من قولك: أكرم به وأصلف، وقال أبو مرهب: " كرما وطول أنف " أي أكرم بك وأطول بأنفك).
لأنّه أراد به التعجّب، وأضمرت الفعل النّاصب كما انتصب مرحبا بما ذكر قبل.