(وإنّما أضيف ليكون المضاف فيها بمنزلته في اللام إذا قلت: سقيا لك؛ لتبيّن من تعني، وذلك قولك: ويحك، وويلك، وويسك، وويبك، ولا يجوز سقيك).
ذكر سيبويه هذه الأشياء على نحو استعمال العرب لها، ولم يجز سقيك لأنّ العرب لم تدع به، وإنّما وجب لزوم استعمال العرب إيّاها لأنّها أشياء قد حذف منها
_________________
(١) ديوان الأخطل ١٦٧: شرح أبيات سيبويه ١: ١٧٢؛ شرح المفصل ١: ١٢٣.
(٢) بلا نسبة في: شرح أبيات سيبويه ١: ١٣٣.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
الفعل وجعلت بدلا من اللفظ بالفعل على مذهب أرادوه من الدّعاء، فلا يجوز تجاوزه؛ لأنّ الإضمار والحذف اللازم وإقامة المصادر مقام الأفعال حتّى لا تظهر الأفعال معها ليس بقياس مستمرّ فيتجاوز فيه الموضع الّذي لزموه.
قال: (ومثله عددتك، وكلتك، ووزنتك، ولا تقول: وهبتك، لأنّهم لم يعدّوه، ولكن وهبت لك).
وكان المبرد يقول: إنّما قالوا: عددتك، ووزنتك، وكلتك في معنى: عددت لك، وكلت لك، ووزنت لك، لأنّه لا يشكل، ولم يقولوا: وهبتك في معنى: وهبت لك، لأنّه يجوز أن يهبه، فإذا زال الإشكال زال، وهو أن يقول: وهبتك الغلام، أي: وهبت لك، وإنّما ذكر سيبويه كلام العرب أنّهم يحذفون حرف الخفض في عددتك ووزنتك وكلتك وإن لم يذكر المعدود والمكيل والموزون، كما قال ﷿ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (١).
ولا يجوز مثل ذلك في وهبتك، لأنّ ما كان أصله متعدّيا بحرف لم يجز حذفه، وإن لم يكن ليس إلا فيما حذفته العرب، ألا ترى أنه لا يجوز مررتك ولا رغبتك على معنى: رغبت فيك، وحكى أبو عمرو الشّيباني (٢) عن بعض العرب: انطلق معي أهبك نبلا، يريد أهب لك نبلا وهذا يؤيد قول أبي العبّاس.
قال سيبويه: (وهذا حرف لا يتكلّم به مفردا إلا أن يكون معطوفا على ويلك، وهو قولك: ويلك وعولك).
وهذا كالإتباع الذي لا يؤتى به إلا بعد شيء يتقدمه، نحو: أجمعين وأكتعين، فإن قال قائل: عولك لا يجري مجرى الإتباع لأمرين:
أحدهما: أن فيه الواو، والإتباع المعروف لا يكون بعد واو.
والآخر: أن عولك معنى معروف، لأنّه من عال يعول، كما تقول جاز يجوز، والعول هو: البكاء، والحزن معروف.
_________________
(١) سورة المطففين، الآية: ٣.
(٢) إسحاق بن مراد أبو عمرو الشيباني الكوفي يعرف بأبي عمرو والأحمر وليس من شيبان بل أدب أولادا منهم فنسب إليهم كان راوية أهل بغداد واسع العلم باللغة والشعر له النوادر- النوادر الكبير أشعار القبائل. الفهرست: ٦٨، معجم الأدباء ٦: ٧٧، تهذيب اللغة ١: ٦.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
قيل له: إنّما أراد سيبويه أنّه لا يستعمل في الدّعاء وإن كان معقول المعنى إلا عطفا ولم يرد باب الإتباع الّذي هو بمنزلة أجمعين وأكتعين.
قال أبو سعيد: وقد اعترض في مواضع من كلام سيبويه في هذا الباب منها: أنّه قال: وإنّما أضيفت يعني أضيفت ويلك، وويسك، وويبك، ليكون المضاف فيها بمنزلته في اللّام إذا قلت: سقيا لك ومن قوله إنّ لك منصوبة بأعني، وإنّما جاز بعد سقيا لتبين الدّعاء لمن هو، وإذا أضاف كان من كلام واحد.
وقد يردّ عليه فيقال: اللام بمعنى أعني وليست الإضافة كذلك فلم جعله بمنزلته؟
فيقال: ليكون المضاف فيها بمنزلته في اللام ولم يرد سيبويه أنه مثله في العامل وإنما أراد أنه مثله في بيان من عني به.
وقد ردّ على سيبويه بعض الكوفيين فرقه بين الإضافة واللام.
وزعم الكوفي أن الإضافة واللام جميعا من كلام واحد كقولك: غلام زيد، وغلام لزيد.
والوجه ما قاله سيبويه، لأنا إذا رددناه إلى الذي هو " سقاك الله سقيا " لم يقل فيه لك، ومذهب البصريين وسيبويه أنّ ويلك وويسك اتّصل بهن كلّهنّ كاف المخاطب، وأصل الكلمات ويح وويل وويس.
وقال الفرّاء: أصلها كلها وي، فأما ويلك فهي: وي زيدت عليها لام الجرّ، فإذا كان بعدها مكنيّ كانت اللام مفتوحة، كقولك: ويلك، وويله، وإن كان بعدها ظاهر جاز فتح اللام وكسرها، وذكر أنّه ينشد:
يا زبرقان أخا بني خلف ما أنت ويل أبيك والفخر (١)
بكسر اللّام وفتحها، فالّذين كسروا اللّام تركوها على أصلها، والّذين فتحوا اللّام جعلوها مخلوطة بوي كما قالت العرب: يا آل تيم ثمّ أفردت هذه اللّام فخلطت بيا كأنّها منها، قال الفرّاء: أنشدت:
فخير نحن عند النّاس منهم إذا الدّاعي المثوّب قال يالا (٢)
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) البيت لزهير بن مسعود الضبي: الخصائص ١: ٢٧٧؛ خزانة الأدب ٢: ٦.
[ ٢ / ٢١٠ ]
ثم كثر الكلام فأدخلوا لها لاما أخرى، يعني ويل لك، وويح لك، وذكر أن ويسا، وويحا هما كنايتان عن الويل والويح، لأنّ الويل كلمة شتم معروفة مصرّحة، وقد استعملتها العرب حتّى صارت تعجّبا، يقولها أحدهم لمن يحبّ ولمن يبغض، وكنّوا بالويس عنها، ولذلك قال بعض العلماء: الويس: رحمة، كما كنّوا عن غيرها فقالوا: قاتله الله، ثم استعظموا ذلك فقالوا: قاتعه الله، وكاتعه الله، كما قالوا: جوعا ثم كنوا عنها فقالوا: جوسا له، وجودا وترابا له ومعناه: الجوع.
قال أبو سعيد: لو كان القول على ما قال الفرّاء لما قيل: ويل لزيد فتضمّ اللام وتنوّن وتدخل لاما أخرى.
فإن قال قائل: لمّا كثر الكلام توهّموا أنّها من الأصل.
قيل له: قد أقررت أنّ الذي أدخل اللّام الثانية أدخلها على أنّ اللام من الأصل توهّما وغلطا، وبعيد أن نتوهّم كلّ هذا
الغلط ونستعمله، وإنّما الغلط يجوز على بعض ويجيء شاذا.
وأيضا لو كان الأمر على إدخال لام أخرى لكان ينبغي أن تترك هذه على كسرتها أو فتحتها فيقال: ويللزيد أو يللزيد وويللك وهذا بيّن واضح.