(وذلك قولك: سقيا لك، ورعيا وخيبة لك، ودفرا، وجدعا، وعقرا، وبؤسا، وأفّة، وتفّة، وبعدا، وسحقا، ومن ذلك أيضا قولك: تعسا، وتبّا، وجوعا، ونوعا)، وذكر سيبويه جودا وجوسا في معنى: جوعا ومعنى نوعا: عطشا، وفي الناس من يقول: هو إتباع، قال الشاعر:
" والأسل النّياعا "، (١) أي: العطاشا، ونحو قول ابن ميادة:
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي بجارية بهرا لهم بعدها بهرا (٢)
ومعنى بهرا: قهرا، أي: قهروا قهرا، وغلبوا غلبا، كقولك: بهرني الشيء، ومنه القمر الباهر إذا تم ضوءه وغلب، كأنك قلت: سقاك الله سقيا، ورعاك رعيا، وخيبك الله خيبة، فهذا وما أشبهه ينتصب على الفعل المضمر، وجعلوا المصدر بدلا من اللفظ بذلك الفعل، ومعنى قولنا: بدل من ذلك الفعل أنهم استغنوا بذكره عن إظهاره كما قالوا: الحذر الحذر أي: احذر الحذر، ولم يذكروا احذر، وبعض هذه المصادر لا يستعمل الفعل المأخوذ منه، وبعض يستعمل، فمما لم يستعمل قولهم: بهرا كأنك قلت: بهرك الله إذا دعا عليه، وهذا
_________________
(١) قائله القطامي: لعمر بن شهاب ما أقاموا صدور الخيل والأسل النياعا ملحق ديوان القطامي ٢١٤، أدب مكاتب ٤٧.
(٢) البيت لابن ميادة: ديوانه: ١٣٥؛ أساس البلاغة (بهر)؛ الأغاني ٢: ٢٣٧، الإنصاف ١: ٢٤١ واللسان (فقد)؛ المقاصد النحوية ١: ٥٢٤؛ وبلا نسبة في شرح أبيات سيبويه ١: ٢٦٧؛ وليزيد بن مفرغ في ملحق ديوانه ٢٤٣.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
تمثيل ولا يتكلم به، وكذلك لا يتكلم بالفعل من جوسا وجودا في معنى: جوعا.
قال سيبويه: (ومما يدلّك أيضا أنه على الفعل نصب أنك لم تذكر شيئا من هذه المصادر لتبني عليه كلامك، كما تبني على عبد الله إذا ابتدأته، وأنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر في نيتك، ولكنه في دعائك له أو عليه).
يعني: أن هذه المصادر لم يذكرها الذاكر ليخبر عنها بشيء كما يخبر عن زيد إذا قال: زيد قائم، أو عبد الله قائم، وهذا معنى قوله: لتبني عليه كلامك كما تبني على عبد الله، يعني: تبني عليه خبرا، ولم تجعل هذه المصادر أيضا خبرا لابتداء محذوف فترفعها، وهذا معنى قوله: إنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر يعني: خبرا لاسم مضمر وإنما هو دعاء منك لإنسان كقولك: سقيا ورعيا، أو دعاء عليه كقولك: تعسا وتبّا وجدعا، وتركوا الفعل استغناء بعلم المخاطب، وربما جاءوا به توكيدا فقالوا: سقاك الله سقيا كما أكدوا قولك: مرحبا بقولهم: بك، ولو قالوا: مرحبا لكان المعنى مفهوما، وربما رفعوا ذلك والمعنى واحد، كما يقول: سلام عليكم وإنما تريد معنى سلّم الله عليك، ولكنه يخرجه فخرج ما قد ثبت.
(وقال أبو زبيد يصف أسدا:
أقام وأقوى ذات يوم وخيبة لأوّل من يلقى وشرّ ميسّر) (١)
أراد: أقام الأسد وأقوى: لم يأكل شيئا، الإقواء: فناء الزاد وعدم الأكل، وخيبة لأول من يلقاه الأسد الذي قد أقوى وجاع، وهذا ليس بدعاء، ولكن أجراه سيبويه مجرى الدعاء عليه؛ لأنه لم يكن بعد وإنما يتوقع، كما أنّ المدعوّ به لم يوجد في حال الدعاء.
(ومثله في الرفع بيت سمعناه ممن يوثق بعربيته يرويه لقومه:
عذيرك من مولى إذا نمت لم ينم يقول الخنا أو تعتريك زنابره (٢)
فرفع عذيرك والأكثر نصبه وقد ذكرناه، والذي يرفعه يجعله مبتدأ ويضمر خبرا، كأنه قال: إنما عذرك إياي من مولى هذا أمره).
وزنابره يعني: ذكره إياه بالسوء وغيبته.
_________________
(١) البيت لأبي زبيد الطائي: البيت سبق تخريجه.
(٢) بلا نسبة في هارون ١: ٣١٣.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
قال: (ومثله قول الشاعر، وهو حسان:
أهاجيتم حسّان عند ذكائه فغيّ لأولاد الحماس طويل) (١)
فهذا دعاء من حسان لأنه هجا رهط النجاشي، ورفع كما يرفع- رحمة الله عليه- وفيه معنى الدعاء.