قال سيبويه: " اعلم أنّ المفعول الثاني قد تكون علامته إذا أضمر في هذا الباب العلامة التي لا تقع إيّا موقعها، وقد تكون علامته إذا أضمر إيّا.
فأما علامة الثاني التي لا تقع إيّا موقعها فقوله: أعطانيه وأعطانيك، فهذا هكذا إذا بدأ المتكلم بنفسه. فإن بدأ بالمخاطب قبل نفسه فقال: أعطاكني، أو بدأ بالغائب فقال: أعطاهوني، فهذا قبيح لا تكلّم به العرب، ولكنّ النحويين قاسوه.
وإنّما قبح عند العرب كراهة أن يبدأ المتكلم في هذا الموضع بالأبعد قبل الأقرب، ولكن يقول: أعطاك إيّاي، وأعطاه إيّاي، فهذا كلام العرب، وجعلوه إيّا تقع هذا الموقع إذ قبح هذا عندهم، كما قالوا: إيّاك رأيت، وإيّاي رأيت، إذ لم يجز (ني)
[ ٣ / ١٢٤ ]
رأيت، وك رأيت.
فإذا كان المفعولان اللّذان تعدّى إليهما فعل الفاعل مخاطبا وغائبا، فبدأت بالمخاطب قبل الغائب، فإنّ علامة الغائب العلامة التي لا يقع موقعها إيّا، وذلك قولك: أعطيتكه وأعطاكه، وقال ﷿: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (١)؛ فهذا كذا إذا بدأت بالمخاطب قبل الغائب.
وإنّما كان المخاطب أولى بأن يبدأ به من قبل أنّ المخاطب أقرب إلى المتكلّم من الغائب، فكما كان المتكلم أولى بأن يبدأ بنفسه كان المخاطب الذي هو أقرب من الغائب أولى بأن يبدأ به.
فإن بدأت بالغائب فقلت: أعطاهوك فهو في القبح، وأنه لا يجوز، بمنزلة الغائب والمخاطب إذا بدئ بهما قبل المتكلّم، ولكنك إذا بدأت بالغائب قلت: أعطاه إيّاك.
وأمّا قول النّحويين: أعطاهوك وأعطاهوني، فإنما هو شيء قاسوه لم يتكلم به العرب، فوضعوا الحروف غير مواضعها، وكان قياس هذا لو تكلّم به هيّنا.
ويدخل على من قال هذا أن يقول إذا منحته نفسه: منحتنيني. ألا ترى أنّ القياس قد قبح إذا وضعت (ني) في غير موضعها، فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: أعطاهوها وأعطاهاه جاز، وهو عربيّ. ولا عليك بأيّهما بدأت، من قبل أنهما كلاهما غائب.
وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم؛ والأكثر في كلامهم: أعطاه إيّاه. على أنّ الشاعر قد قال:
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهما ها يقرع العظم نابها (٢)
ولم تستحكم علامات الإضمار هاهنا، كما لم تستحكم في: عجبت من ضربي إيّاك، ولا في: كان إيّاه، وليس إيّاه.
وتقول: حسبتك إيّاه، وحسبتني إيّاه؛ لأنّ حسبتنيه وحسبتكه قليل في كلامهم؛
_________________
(١) سورة هود، من الآية ٢٨.
(٢) البيت منسوب لمغلس بن لقيط، الخزانة ٥/ ٣٠١، ٣٠٣؛ ابن يعيش ٣/ ١٠٥؛ والكتاب ٢/ ٣٦٥؛ واللسان (ضغم- جعل).
[ ٣ / ١٢٥ ]
وذلك لأن حسبت بمنزلة كان، إنما يدخلان على المبتدإ والمبنيّ عليه، فيكونان في الاحتياج على حال.
ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدهما كما لا تقتصر عليه مبتدأ؟
فالمنصوبان بعد حسبت بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد ليس وكان. وكذلك الحروف التي بمنزلة حسبت وكان؛ لأنهما إنما تجعلان المبتدأ والمبنيّ عليه فيما مضى يقينا أو شكّا، وليسا بفعل أحدثته منك إلى غيرك ك " ضربت "، وأعطيت، إنما تجعل الأمر في علمك أو فيما مضى ".
قال أبو سعيد: المفعول الأول يلزم اتصال ضميره بالفعل؛ لأنه يلاصق الفعل ويليه، وإن كان ضمير الفاعل في الفعل لا يتغير لزوم اتصال ضمير المفعول الأول به؛ لأن الفعل مع ضمير الفاعل كالفعل المجرد، لأن ضمير الفاعل قد يكون بغير علامة، وقد يغيّر بنية الفعل ضمير الفاعل فتصير كحرف من حروفه وذلك قولك: ضربتني وضربتك، وإن زيدا ضربني. فإذا جئت بعد اتصال ضمير المفعول الأول بضمير مفعول ثان جاز اتصاله- على ما شرط سيبويه- وجاز انفصاله، فأما اتصاله فلقوة الفعل وأنه الأصل في اتصال ضمائر المنصوبات به، ولمّا كان الفعل عاملا في المفعولين النصب ظاهرين، وفي موضعهما مضمرين، وعمله فيهما لا يغير لفظ كل واحد منهما مفردا ولا معناه ولا ترتيبه، وكان المتّصل أخصر لفظا وأقلّ حروفا اختاروه، وذلك قولك: أعطانيه وأعطانيك.
وشرط سيبويه فيه أن يكون المفعول الأول المبدوء بلفظه هو أقرب من الثاني، وترتيب ذلك أنّ المتكلم هو الأقرب، ثم المخاطب، والغائب هو الأبعد.
والذي ظهر في كلام سيبويه أنّه ما خيّر المتكلم بين اتصال المفعول الثاني وبين انفصاله، ولكنه قسّم ضميري المفعولين إذا اجتمعا قسمين:
أحدهما: يجب في الاتصال بغير تخيير، والآخر: يجب فيه الانفصال من غير تخيير.
فأما الذي يجب فيه الاتصال فهو أن يكون المفعول الأول أقرب من الثاني مثل:
أعطانيك زيد، وأعطانيه، وأعطاكه.
وأمّا الذي يجب فيه الانفصال فهو أن يكون المفعول الأول أبعد في الترتيب من الثاني كقولك: أعطاهوك وأعطاهاك وأعطاهوني وأعطاهاني وأعطاكني، لا يجوز شيء من هذا عند سيبويه إلا بالانفصال نحو: أعطاه إيّاك وأعطاها إيّاك وأعطاه إيّاي وأعطاها إيّاي
[ ٣ / ١٢٦ ]
وأعطاك إيّاي، وهذا ترتيب سيبويه وحكايته عن العرب، وحكى عن النحويين قياسا لم يرتضه.
وأبو العباس المبرّد يذهب إلى قول النحويين وقياسهم، ويجعل إضمار الغائب والمتكلم والمخاطب في التقديم والتأخير سواء، ويجيز: أعطاهوك وأعطاهوني وأعطاكني، ويستجيده، ويراد صحيحا، ويستحسن منحتنيني ويستجيده، وقد تقدم في شرحنا ذكر ترتيب المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب بما أغنى عن ذكره هاهنا.
وقد رأيت غير سيبويه يخيّر بين المتصل والمنفصل، ويجيزهما في: أعطيتكه وأعطيتك إيّاه؛ لأن المفعول الثاني ليس يلاقي الفعل ولا يلتزق به، والأول إمّا أن يلقى ذات الفعل أو يلقى ضمير الفاعل المجعول معه كشيء واحد، وإيجاب سيبويه أعطاه إيّاك، وتصحيحه له يقوّى ذلك؛ لأن تعلق المفعولين بالفعل من باب واحد، واختلاف المفعولين في ترتيبهما ليس يغيّر حكم تعلقهما بالفعل، وعمل الفعل فيهما.
ولقائل أن تقول: ما الذي أنكر سيبويه من (منحتنيني)، وليس فيه تقديم بعيد على قريب؟ وهل سبيل (منحتنيني) إلا سبيل (أعطاهوها) وهو مستحسن عنده؟
قيل له: المنكر من (منحتنيني) عند سيبويه أن: (ني) الثانية مؤخرّة وترتيبه التقديم على كل ضمير، وليس كذلك أعطاهوها.
واعلم أنّ: حسبت مع الفاعل منزلته منزلة كان بغير فاعل؛ لأن كان وحدها تدخل على المبتدإ والخبر فيرتفع بها المبتدأ وينتصب بها الخبر، وحسبت مع فاعل المحسبة تدخل على المبتدإ والخبر فتنصبهما؛ لأنه دخل عليهما فعل وفاعل، فانتصبا على أنهما مفعولا حسبت، ولما كان المفعول الثاني من حسبت زيدا منطلقا بمنزلة خبر كان في قولك: كان زيد منطلقا، وكان الاختيار في إضمار خبر كان أن يكون منفصلا على ما تقدم من ذكره، وجب أن يكون المفعول الثاني من حسبت كذلك؛ ولأن ذلك خبره يقع موقعه الفعل والجملة والظرف غير المتمكن، كما أن خبر كان كذلك، تقول: حسبتك إيّاه وحسبتني إيّاه، كما تقول: كنت إيّاه، وحسبتنيه وتحسبنيه قليل، كما أن كنته وكنتني وعمرو كانه زيد قليل، وباقي الباب مفهوم بإذن الله.