قال سيبويه: فمن ذلك: إياك رأيت، وإياك أعني، فإنما استعملت إياك هاهنا من قبل أنك لا تقدر على الكاف. وقال الله ﷿: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١) من قبل أنك لا تقدر على كم هاهنا.
وتقول: إنّي وإيّاك منطلقان؛ لأنك لا تقدر على الكاف. ونظير ذلك قوله تعالى:
ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ (٢).
فلو قدرت على الهاء التي في: رأيته لم تقل: إياه. وقال الشاعر:
مبرأ من عيوب النّاس كلّهم فالله يرعى أبا حرب وإيّانا (٣)
لأنه لا يقدر على (نا) التي في رأيتنا. وقال آخر:
لعمرك ما خشيت على عديّ سيوف بني مقيّدة الحمار
_________________
(١) سورة سبأ، من الآية: ٢٤.
(٢) سورة الإسراء، من الآية: ٦٧.
(٣) في الكتاب ٢/ ٣٥٦؛ وابن يعيش ٣/ ٧٥.
[ ٣ / ١١٣ ]
ولكنّي خشيت على عديّ سيوف الجنّ أو إيّاك حار (١)
لأنه لا يقدر على الكاف.
وتقول: إن إياك رأيت كما تقول: إياك رأيت؛ من قبل أنك إذا قلت: إنّ أفضلهم منتصب ب لقيت.
هذا قول الخليل، وهو في هذا غير حسن في الكلام؛ لأنه إنما يريد: إنه إياك لقيت، فترك الهاء، وهذا جائز في الشعر.
وإن قلت: إنّ أفضلهم لقيت فنصب ب إنّ، فهو قبيح، حتى تقول: لقيته، وقد تبين وجه ذلك.
وتقول: عجبت من ضربي إيّاك. فإن قلت: لم؟ وقد تقع الكاف هاهنا وأخواتها، تقول: عجبت من ضربيك ومن ضربيه، ومن ضربيكم؟ فالعرب قد تكلّم بهذا، وليس بالكثير.
ولم تستحكم علامات الإضمار التي لا تقع إيا مواقعها كما استحكمت في الفعل، لا يقال: عجبت من ضربكني إن بدأت به قبل المتكلم، ولا من ضربهيك إن بدأت بالبعيد قبل القريب. فلما قبح هذا عندهم، ولم تستحكم هذه الحروف عندهم في هذا الموضع، صارت إياك عندهم في هذا الموضع بمنزلتها في الموضع الذي لا يقع فيه شيء من هذه الحروف.
ومثل ذلك: كان إياه؛ لأن كانه قليلة، ولم تستحكم هذه الحروف هاهنا، لا تقول:
كانني، وليسني، ولا كانك. فصارت إيّا هنا بمنزلتها في ضربي إياك.
وتقول: أتوني ليس إياك، ولا يكون إياه؛ لأنك لا تقدر على الكاف ولا الهاء هاهنا، فصارت (إيّا) بدلا من الكاف والهاء في هذا الموضع. قال ابن أبي ربيعة.
ليت هذا الليل شهر لا نري فيه عريبا
ليس إيّاي وإيا ك ولا نخشى رقيبا
مقمرا غيّب عنّا من أردنا أن يغيبا (٢)
وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسني، وكذلك كانني.
_________________
(١) البيت منسوب لفاختة بنت عدي، الكتاب ٢/ ٣٥٧؛ ولسان العرب (قيد).
(٢) البيت في ديوانه ٤٨٥، والخزانة ٣٢٢؛ ابن يعيش ٣/ ٧٥، ٧٦؛ الكتاب ٢/ ٣٥٨؛ المقتضب ٣/ ٩٨.
[ ٣ / ١١٤ ]
وتقول: عجبت من ضرب زيد أنت، ومن ضربك هو، إذا جعلت زيدا مفعولا، وجعلت المضمرّ الذي علامته الكاف فاعلا، فجاز أنت هاهنا للفاعل كما جاز إيّا للمفعول؛ لأن إيّا وأنت علامتا الإضمار، وامتناع التاء يقوّي دخول أنت هاهنا.
وتقول: قد جئتك فوجدتك أنت أنت، فأنت الأولى مبتدأة، والثانية مبنية عليها، كأنك قلت: فوجدتك وجهك طليق. والمعنى: أنك أردت أن تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف.
ومثل ذلك: أنت أنت، وإن فعلت هذا فأنت أنت، أي فأنت الذي أعرف، أو أنت الجواد والجلد، كما تقول: الناس الناس، أي الناس بكلّ مكان وعلى كل حال كما تعرف.
وإن شئت قلت: قد ولّيت أمرا فكنت أنت إياك، وقد جربتك فوجدتك أنت إياك، جعلت أنت صفة، وجعلت إياك بمنزلة الظريف إذا قلت: وجدتك أنت الظريف، والمعنى أنك أردت أن تقول: وجدتك كما كنت أعرف. وهذا كله قول الخليل، سمعناه منه.
وتقول: أنت أنت، تكررها، كما تقول للرجل: أنت، وتسكت على حد قوله:
قال الناس: زيد. وعلى هذا الحد تقول: قد جرّيت فكنت كنت إذا كررتها توكيدا، وإن شئت جعلت أنت صفة، وفي نسخة أبي بكر مبرمان: فكنت أنت، وعليه يستقيم الكلام.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا أنّ من مواضع الضمير المنفصل تقديمه على المعامل، والفصل بينه وبينه بحرف الاستثناء وحرف العطف، فالتقديم كقوله ﷿: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (١)، والاستثناء قوله: ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ (٢)، والعطف قوله:
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ (٣)، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤).
وإذا قلت: (إنّ زيدا رأيت) ففي نصب (زيد) وجهان:
أحدهما: أن تنصبه ب (إنّ) وتضمر في (رأيت) الهاء العائدة إليه.
والآخر: أن تنصبه ب (رأيت) وتقدر في (إنّ) الهاء على تقدير (إنه)، وجميعا غير
_________________
(١) سورة الفاتحة، الآية: ٥.
(٢) سورة الإسراء، من الآية: ٦٧.
(٣) سورة الممتحنة، من الآية: ١.
(٤) سورة سبأ، من الآية: ٢٤.
[ ٣ / ١١٥ ]
مستحسن عند البصريين في الكلام، وأقبحهما. عندهم حذف الضمير من (إنّ)، وأقبحهما عند الكوفيين حذف الهاء من رأيت.
فإذا جعلت المخاطب مفعولا قلت على قول من حذف الهاء: من إنّ، ونصب الاسم بالفعل الذي بعده: إنّ إيّاك رأيت، كما تقول: (إياك رأيت)، والذي ينصب الاسم ب (إنّ) يقول: (إنك رأيت)، وسبيل (إنّ) سبيل الفعل، وإذا عملت في الضمير اتصل بها.
وأما قولك: (عجبت من ضربي إيّاك)، و(من ضربيك)، و(من ضربيه)، و(من ضربيكم)، فالاسم الأول المضاف إليه المصدر، وهو مجرور بالإضافة، فاعلا كان في المعنى أو مفعولا. فإن كان مفعولا فالاسم الثاني مرفوع، ولا يكون ضميره إلا منفصلا، وذلك أن ضمير المرفوع المتصل لا يوجد إلا في الفعل، وإذا كان مع غيره فلا يلي الفعل سواه، كقولك: (ضربتك)، و(ضربتني)، وإنما لزم تقدّمه في الفعل على كل شيء؛ لأنه قد يغير بنية الفعل حتى يختلط به كأنه من بنائه؛ كقولك: (قمت)، و(قمنا)، و(ذهبت)، و(ذهبتما)، و(ذهبن)، فيسكّن آخر الفعل له وكان مفتوحا، ويختلط به حتى يصير مقدّرا في الفعل بغير علامة، كقولك: (زيد قام)، و(أنت تقوم)، و(أنا أقوم)، و(نحن نقوم).
ولا يجوز أن يوجد ضمير مرفوع متصل في غير فعل؛ ومن أجل هذا استحكمت علامات الإضمار في الفعل، وشبّه غير الفعل بالفعل في بعض المواضع مما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.
فإذا كان الاسم المضاف إليه المصدر مفعولا، وأتي الفاعل بعده مضمرا، فهو منفصل لا غير، وذك قولك: (عجبت
من ضرب زيد أنت)، و(من ضربك هو)، ومن ضربهما أنت، ومن ضربك هن، ومن ضربك أنا، ومن ضربي أنت، وسواء في ذلك أبدأت بالأقرب أم بالأبعد.
وإن كان المضاف إليه المصدر فاعلا وكان مضمرا، وبعده المفعول مضمر، فهو الذي يتكلم عليه النحويون، وتقع عليه المسائل. وهو قولك: (عجبت من ضربي إياك)، و(من ضربيك)، والأجود المختار: (ضربي إياك)، وذلك أن (ضرب) اسم، ولا تستحكم فيه علامة الإضمار إذا كانت علامة ضمير المرفوع لا تتصل به، ولا بما اتصل به، وإنما يتصل به ضمير المجرور الذي تشاركه فيه الأسماء التي ليس فيها معنى فعل نحو: (غلامي)، و(غلامك)، و(غلامه)، ولا يتصل بالضمير المضاف إليه (الغلام) ضمير آخر متصل.
وأيضا فإن الضمير المضاف إليه الضرب مجرور يحلّ محلّ التنوين في (ضرب)،
[ ٣ / ١١٦ ]
ونحن لو نوّنّا (ضربا) ما وليه ضمير متصل، وإنما يليه المنفصل، كقولك: عجبت من ضرب إياك، ومن ضرب إياه، ومن ضرب إياي.
وإنما يشبّه ضربيك في اتصال الضميرين ب (ضربتك) حين اتصل به التاء والكاف، وهما ضميرا فاعل ومفعول به، وهو في الفعل قوي؛ لاستحكام علامات الإضمار في الفعل؛ ولأنّ الفعل يغيره ضمير الفاعل، ويسكّن آخره حتى يصير معه كشيء واحد، فكأن إضمار المفعول إنما يدخل بعد ذلك على شيء واحد، وليس إضمار الفاعل في الفعل كإضماره في المصدر؛ لأن إضماره في المصدر يوجب له الجرّ الذي يشاركه فيه المفعول.
وأيضا فإن الفاعل المضمر في الفعل ليس محله محل تنوين يوجب اتصال ما بعده من الضمير منه، وإنما يشبّه الضميران المتصلان بالمصدر بالضميرين المتصلين بالفعل؛ لأنّ الفعل منه مأخوذ، والمصدر يعمل عمله، فيشبه ما اتصل بالمصدر بما اتصل بالفعل كذلك.
فإذا وصلوا الضميرين بالمصدر فالأول: ضمير فاعل، والثاني: ضمير مفعول به.
على ما ذكرنا من ترتيب ذلك، ولم يحسن حتى يكون ترتيبه على تقديم المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب. كقولك: (عجبت من ضربيك)، و(من ضربيه)، و(من ضربكه)، وهو جائز حسن، والأجود منه: (من ضربي إياك)، و(ضربي إياه)، و(ضربك إياه). فإن كان الفاعل هو المخاطب، وأضفت المصدر إليه، والمفعول به المتكلم لم يحسن إلا المنفصل. نحو قولك: عجبت من ضربك إياي، وكذلك عجبت من ضربه إياك، وضربه إياي على ما رتبه سيبويه من تقديم القريب وهو المتكلم، ثم المخاطب، ثم البعيد الغائب، ولم يحسن من (ضربكني)، ولا من (ضربهيني) ولا من (ضربهيك).
وإذا كان الضميران لغائبين، وكان الأول منهما فاعلا في المعنى، كنت مخيرا في الثاني بين المتصل والمنفصل، كقولك: (عجبت من ضربهيها)، و(من ضربه إياها).
فإن قال قائل: قد شرط سيبويه قبل هذا الموضع أنّ الضمير المتصل إذا أمكن لم يجز المنفصل، فلم جوّز في هذا الموضع المنفصل في الموضع الذي يقع فيه المتصل؟
قيل له: للمتصل مواضع مخصوصة به، وهي المواضع التي فيها يلي المتصل العوامل فيه، وللمنفصل مواضع مختصة به، وقد ذكرنا مواضعهما جميعا، وفي تلك المواضع لا يقع أحدهما موضع الآخر، وقد يعرض في الكلام مواضع يقع فيها تأويلان؛ أحدهما يجذب إلى شبه المتصل والآخر يجذب إلى شبه المنفصل، فيستعملان جميعا فيما فيه شبه منهما.
[ ٣ / ١١٧ ]
وأما من يقول: (ضربيك) فإنه يحمله على (ضربتك) حين اتصل به ضمير الفاعل والمفعول، و(ضربيك) مصدره، والياء فيه كالتاء في المعنى.
ومن قال: (ضربي إياك) حمله على ما ذكرناه من مخالفة المصدر للفعل في اتصال الضمير به.
ومما يجوز فيه الضمير المتصل والمنفصل كنايات أخبار كان وليس وأخواتهما، والأكثر في كلام العرب، والاختيار عند النحويين في ذلك، الضمير المنفصل كقولك:
(أتاني القوم ليس إياك)، و(أتوني) لا يكون إياه).
وقال عمر بن أبي ربيعة:
لئن كان إياه لقد حال بعدنا عن العهد والإنسان قد يتغير (١)
وقال أيضا:
ليت هذا الليل شهر لا نرى فيه عريبا
ليس إيّاي وإيّا ك ولا نخشى رقيبا
وإنما كان الاختيار في ذلك الضمير المنفصل لعلل ثلاث منها: أنّ كان وأخواتها أفعال دخلت على مبتدإ وخبر، فأما الاسم المخبر عنه فإنّ ضميره يتصل؛ لأنه بمنزلة فاعل هذه الأفعال، والاسمية له لازمة، ويصير مع الفعل كشيء واحد، وتغير بنيته له، وأما الخبر فقد يكون فعلا، وجملة، وظرفا غير متمكن. فلما كانت هذه الأشياء لا يجوز إضمارها ولا تكون إلا منفصلة من الفعل اختير في الخبر الذي يمكن إضماره- إذا أضمر- أن يكون على منهاج ما لا يضمر من الأخبار في الخروج عن الفعل.
ومنها: أنّ الاسم والخبر كلّ واحد منهما منفصل من الآخر غير مختلط به، فإذا وصلنا ضمير الخبر جاز مع ضمير الخبر أن تضمر الاسم، لأنه هو الأصل في الإضمار، فإذا اجتمع الضميران في الفعل كقولك: (كنتك)، و(إن زيدا كانه) لم ينفصل الخبر من الاسم واختلط به.
ومنها أنّا لو وصلنا الخبر بضمير الاسم فقلنا: (كنتك)، و(كانك زيد)، و(كانني عمرو) والفاعل والمفعول في هذه الأفعال كشيء واحد؛ لأنهما اسم وخبر، فإما أن يكون أحدهما هو الآخر أو مشبّها به مجعولا بمنزلته، وفعل الفاعل لا يتعدى إلى نفسه متصلا، ويتعدى إلى نفسه منفصلا، لا يجوز (ضربتني)، ولا (ضررتني)، وتقول: إياي ضررت،
_________________
(١) البيت في ديوانه ٥٤؛ والخزانة ٥/ ٣١٢، ٣١٧؛ ٧/ ٣٩٧، ٣٩٨.
[ ٣ / ١١٨ ]
وما ضررت إلا إياي.
فإن قال قائل: فأنت قد تقول: ظننتني قائما، وحسبتك منطلقا فتعدّي فعله إلى نفسه. فهلا استحسنت كنتك على هذا؟
قيل له: إنما جاز حسبتك منطلقا ونحوه، لأنّ المحسبة وبابها لا تقع على المفعول الأول في الحقيقة، فلم يعتدّ به، وإنما هي واقعة على المفعول الثاني، فإذا قلت: كان زيد منطلقا، فالمعتمد بالإخبار الانطلاق. والذي يقول: ليسني، وكانني فعلى شبيه اللفظ حين جعل الاسم والخبر في هذه الأفعال بمنزلة الفاعل والمفعول به.
وقد حكي عن بعض العرب أنه قال: عليه رجلا ليسني، لرجل ذكر له أنه يريده، وقد شبّه ليس لقلة تمكّنها بالحرف، فقيل: ليس كما قيل: ليتي ولعلّي، كما قال الشاعر فيما أنشدنا أبو بكر بن دريد:
عددت قومي كعديد الطّيس إذ ذهب القوم الكرام ليسي (١)
وأما قوله: (لأن إيّا، وأنت علامتا الإضمار)، فهو مخالف لما ذكره في باب إياك عن الخليل، حيث جعل الكاف في موضع خفض بإضافة إيّا إليها في قوله: إياك نفسك، وإياه وإيّا الشّوابّ؛ لأن إيّا إذا كانت علامة إضمار لم يجز إضافته إلى شيء، كما أن المضمر، لا يضاف. والصحيح من الأقاويل المقولة في إيّاك: أنها مضافة إلى ما بعدها، وأنّ ما بعدها مخفوض بالإضافة، وأنّ منزلة إيّا منزله اسم ظاهر مضاف إلى ما بعده، والمضاف والمضاف إليه كشيء واحد، كقولك: رأيتك نفسك، ومررت بك نفسك، وقمت أنت نفسك: فالنفس في الحقيقة ليست غير الذي
أضيفت إليه؛ لأنك إذا قلت:
ضربتك نفسك فلست تقصد بالنفس إلى إلي بعضه ولا إلى شيء سواه، وإنما قال سيبويه:
(إيا: علامة المضمر)؛ لأنها وضعت ليوصّل بها إلى لفظ المضمر في الموضع الذي لا يتّصل بعامله، وذلك أنّ ضمير المخفوض والمنصوب لفظهما واحد في أصل الموضوع لاشتراكهما في أشياء كثيرة ذكرت في مواضعها، وضمير المخفوض لا يكون إلا متصلا، وكان حقّ المنصوب أن يكون كذلك إلا أنه عرض للمنصوب حال اختصّ بها من جواز التقديم والتأخير، والفصل بينه وبين عامله. فإذا أضمر لم يكن وصلة، وذلك نحو قولك:
إياك ضربت، أصله: ضربتك، والكاف لا يتكلم بها وحدها منفصلة من ضربت، فلما
_________________
(١) البيت في ديوانه ١٧٥؛ والخزانة ٥/ ٣٢٤، ٣٢٥؛ ابن يعيش ٣/ ١٠٨؛ ولسان العرب وتاج العروس (طيس).
[ ٣ / ١١٩ ]
كان المفعول يقع متقدما ومتأخرا، وبعد حرف العطف، وحرف الاستثناء، وهو للمتكلم والمخاطب والغائب الذي جرى ذكره اضطرّنا وقوعه في هذه المواضع إلى لفظ نجعله وصلة إلى اللفظ الذي يشترك فيه المنصوب والمخفوض وهو إيّا، ولا بدّ ل (إيّا) من أن يكون له موقع يتعمده بالناصب الذي كان ينصب ما بعده، فإذا نصبناه كان بمنزلة اسم اتصل به اسم آخر، فسبيله أن يكون مضافا إليه كقولك: تعمدت زيدا، وتعمدت نفس زيد، وجاءني زيد، وجاءني ذو زيد، وجاءني حي زيد، والمعنى في ذلك كله: جاءني زيد؛ فقد استعملت هذه الوصل في المواضع التي يستغنى فيها عن الوصل، وجعلت مضافة إلى ما بعدها على ما يوجبه ترتيب الكلام وإصلاح اللفظ.
ومما يشبه ما ذكرناه مما دخل وصلة إلى غيره قولهم: يا أيها الرجل، الأصل فيه:
نداء الرجل، ولم يمكن ذلك بسبب الألف واللام فيه، فأدخلوا أي فنادوه، وأجروه مجرى المنادى المفرد، وضمّوه، ثم جعلوا المقصود بالنداء نعتا له؛ لأنّ اتصاله به يوجب له حكما في اللفظ.
وقد قيل فيه أقاويل غير ما قلناه. قال بعض النحويين: هي بكمالها اسم، وقال بعضهم: الياء والكاف والهاء في: إيّاي، وإيّاك، وإياه هي الأسماء، وإيّا عماد لها؛ لأنها لا تقوم بأنفسها.
وزعم قائل هذا القول أنها ليست في موضع خفض، وينبغي على قوله أن تكون الياء والكاف والهاء في موضع نصب، وأنّ إيا بمنزلة حرف زائد لا يحول بين العامل والمعمول فيه، أو يكون إيّا مع الكاف في موضع نصب، ولا ينفصل أحدهما.
وقال بعضهم: إيّا اسم مبهم يكنى به عن المنصوب، وجعلت الكاف والهاء والياء بيانا عن المقصود ليعلم المخاطب من الغائب، ولا موضع لها من الإعراب، هي بمنزلة الكاف في: ذلك، وأولئك.
وقوله: فوجدتك أنت أنت؛ وجدتك تكون على معنيين أحدهما: بمعنى أصبتك، والآخر: بمعنى علمتك، وأنت الأولى مبتدأه، والثانية خبرها، فإن أردت ب (وجدتك) معنى الإصابة ف (أنت أنت) جملة في موضع الحال، ويجوز فيه الواو: فوجدتك وأنت أنت، وإن كان وجدتك بمعنى علمتك، ف (أنت أنت) جملة في موضع المفعول الثاني، ولا تجوز فيه الواو، ولا يجوز في موضع أنت أنت الضمير المتصل؛ لأنه ابتداء وخبر، وهما منفصلان، وإنّما يقال: أنت أنت، وزيد زيد، وما أشبهه مما يعاد فيه لفظ الاسم، أي: أنت على العهد الذي عرف منك وذكرت به، كما قال الشاعر:
[ ٣ / ١٢٠ ]
وإنّي من القوم الذين هم هم إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلّما غاب كوكب بدا كوكب تأوي إليه كواكبه (١)
وقال أبو خراش:
ولم أنس أيّاما لنا ولياليا بحلية إذ نعطى بها ما نحاول
إذ الناس ناس والزّمان بغرّة وإذ نحن لا تروى علينا المداخل (٢)
ويروي (تزوى)، فمن قال: (تروى) بالراء أي: لا تذكر مداخلنا بسوء.
ومن قال: (تزوى) بالزاي أي: لا تمنع من مداخلنا.
وإنما يريد: إذ الناس على العهد الذي عهدتهم به، والحال التي عرفتهم بها.
وإذا قلت: فكنت أنت إياك ف (أنت) على معنيين: أحدهما أن يكون توكيدا للتاء، ويجوز أن يكون فضلا، وإياك خبر كنت بمنزلة الظريف، وكنت إياك أصله: أنت أنت، فلما أدخلت عليها كان ارتفع أنت الأول باسم كان فصارت تاء، وانتصب الثاني بخبر كان فصار إيّاك.
وإذا قال: فوجدتك أنت إياك، فإياك مفعول ثان، وجدتك بمعنى علمتك ومعناه:
أنت أنت على الشرح الذي شرحناه، ثم دخل عليه وجدت، وقد يقول: أنت، ثم يعيدها للتوكيد، ولا يريد به الابتداء والخبر، كما تقول: كنت كنت إذا كررتها توكيدا.
وقول سيبويه في آخر الباب: وإن شئت جعلت أنت صفة دلالة على أنّ المستقيم أن تكون: فجرّبت كنت أنت، وتكون أنت على وجهين.
أحدهما: أن تكون أنت مبتدأ محذوف الخبر بمنزلة زيد إذا قلت: قال الناس:
زيد. وعلى هذا ساقه سيبويه كأنه: أنت الفاضل، أو أنت المعروف. بالفضل، وتكون الجملة في موضع خبر للتاء في كنت.
والوجه الآخر أن تكون أنت صفة للتاء في كنت وتوكيدا.