اعلم أن (غيرا) أبدا سوى المضاف إليه. ولكنه يكون فيه معنى (إلا) فيجري مجرى الاسم الذي بعد (إلا) وهو الاسم الذي يكون داخلا فيما يخرج منه غيره.
وخارجا مما يدخل فيه غيره.
فأما خروجه مما يدخل فيه غيره: فأتاني القوم غير زيد ف (زيد) غير الذين جاءوا. ولكن فيه معنى (إلا) فصار بمنزلة الاسم الذي بعد (إلا).
وأما دخوله فيما يخرج منه غيره: فما أتاني غير زيد، وقد يكون بمنزلة (مثل)
_________________
(١) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ٢/ ٦٦، والهمع ١/ ٢٦، والمقتضب ٢/ ٣٤٥.
[ ٣ / ٨٨ ]
ليس فيه معنى (إلا) وكل موضع جاز فيه الاستثناء (بإلا) جاز (بغير) وجرى مجرى الاسم الذي بعد (إلا) لأنه اسم بمنزلته وفيه معنى (إلا) ولو جاز أن تقول: (أتاني القوم زيدا) تريد الاستثناء ولا تذكر (إلا) لما كان نصبا.
ولا يجوز أن يكون (غير) بمنزلة الاسم الذي يبتدأ بعد (إلا) وذلك لأنهم لم يجعلوا فيه معنى (إلا) وإنما أدخلوا فيه معنى الاستثناء في كل موضع يكون فيه بمنزلة (مثل) ويجزئ من الاستثناء.
ألا ترى أنه لو قال: أتاني غير عمرو. كان قد أخبر بأنه لم يأته عمرو. وإن كان قد يستقيم أن يكون قد أتاه فقد يستغنى به في مواضع من الاستثناء.
ولو قال: ما أتاني غير زيد يريد بها منزلة (مثل) لكان مجزيا من الاستثناء، كأنه قال: ما أتاني الذي هو غير زيد فهذا يجزئ من قوله: ما أتاني إلا زيد.
قال أبو سعيد: الأصل في الاستثناء (إلا) وهو الحرف الموضوع له وحملت (غير) عليه لمخالفتها لما أضيفت إليه. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بغير زيد (فالذي وقع به المرور غير زيد) وزيد لم يقع به مرور.
ولو قلت: ما مررت بغير زيد. لكان الذي نفى عنه المرور ليس بزيد. وهو (غير) ولم ينف المرور عن زيد.
فلما كان في (غير) من مخالفتها للاسم الذي بعدها مثل مخالفة ما قبل (إلا) لما بعدها. جعلت هي وما أضيفت إليه بمنزلة (إلّا) وما بعدها.
ومن أجل أن (إلا) حرف لا يعمل شيئا ولا يقع عليه عامل وكان ما قبلها مقتضيا لما بعدها تخطى عمل ما قبلها إلى الاسم الذي بعدها، فعمل فيه كقولك: ما قام إلا زيدا.
وما مررت إلا بزيد.
و(غير) اسم تعمل فيه العوامل وما بعدها لا يعمل فيه شيء سواها؛ لأن إضافتها إليه لازمة، فيصير الإعراب الذي يحصل في الاسم بعد (إلا) يحصل في نفس (غير).
وإنما تكون (غير) بمنزلة (إلا) في الاستثناء فقط، ولا يكون بمنزلة (إلا) في الابتداء. حتى يكون الاسم الذي بعد (إلا) تصح إضافة (غير) إليه؛ لأن (غيرا) إنما تخالف الاسم الذي أضيفت إليه دون غيره.
فإذا كان ما بعد (إلا) مبتدأ وخبرا لم تقع (غير) موقعه؛ كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد خير منه.
[ ٣ / ٨٩ ]
ولا يجوز: (ما أتاني أحد غير زيد خير منه) في موضع (إلا) وذلك لوجهين:
أحدهما: أن (غيرا) إنما تكون بمنزلة (إلا) إذا كان بعد (إلا) اسم يصح إضافة (غير) إليه. لأن (غيرا) ليست تخالف سوى الاسم الذي أضيفت إليه.
والوجه الثاني: أن (إلا) يقع بعدها فعل وفاعل، ولا تقع (غير) موقعها. كقولك:
(ما أتاني أحد إلا يضحك) ولا يجوز (غير يضحك). ولا تصح إضافة (غير) إلى المبتدإ والخبر كما لا تصح إضافته إلى الفعل.
ووجه آخر: سوى الوجهين الأولين: وهو أنّا لو جعلنا (غيرا) مبتدأ لباينت (إلا) في المعنى؛ لأنك إذا قلت: ما أتاني أحد غير زيد خير منه. فإنما زعمت أن كل من أتاك غير زيد ليس بخير منه ولم تفضل زيدا عليه. وإنما نفيت أن يكون غير زيد خيرا منه.
ويبين سيبويه أن (غيرا) تجزئ من الاستثناء وإن لم تكن لاستثناء ليقوى الاستثناء بها في الموضع الذي جعلت فيه بمنزلة (إلّا) وذلك قولك: أتاني غير عمرو و(غير) فاعل (أتاني) ولا يكون بمعنى (إلا). لأنك لا تقول: أتاني إلا عمرو. وقد أغني عن الاستثناء؛ لأن الذي يفهم به: أن عمر ما أتاك فخرج (عمرو) عن الإتيان كخروجه بالاستثناء إذا قلت: أتاني كل آت إلا عمرا.
وقد يستقيم في حقيقة اللفظ أن يكون عمرو أتاه. وذلك أن قوله: أتاني غير عمرو.
ظاهر اللفظ أن غير (عمرو) أتاه. وليس في إتيان غير عمرو نفي لإتيان عمرو كما لو قال: أتاني عدو زيد. لم يكن فيه دلالة على أن (زيدا) لم يأته.
ولو قال قائل: (ما أتاني غير زيد) ولم يرد به الاستثناء كان حقيقة الكلام أن غير زيد ما أتاه. وزيد مسكوت عنه يجوز أن يكون قد أتى ويجوز أن يكون لم يأت، غير أنّ العادة جرت بأن يراد بمثل هذا الكلام: أن زيدا داخل في الفعل الذي خرج عنه غيره.
وخارج عن الفعل الذي دخل فيه غيره.
ولو قال قائل: (ما أتاني غير زيد) ولا يريد إثبات الإتيان لزيد. لم يكن كاذبا.
ولكنه ملغز ملبس.
وقال أبو سعيد: يعمل ما قبل (إلا) فيما بعدها ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
وتقول: (ما يأكل زيد إلا طعامك. وما زيد آكل إلا طعامك).
ولا تقول: ما زيد طعامك إلا آكل. وما زيد طعامك إلّا يأكل.
ومنزلة (إلّا) في هذا كمنزلة واو العطف يعمل ما قبلها فيما بعدها ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها. تقول: ضربت زيدا وعمرا. واختصم زيد وعمرو. فقد عمل ما قبل
[ ٣ / ٩٠ ]
الواو من الفعل فيما بعده. ولو قلت: ضربت زيدا وأكرمت عمرا لم يجز أن تقول: عمرا وأكرمت. وأنت تريد: وأكرمت عمرا.
وإنما عمل ما قبلها فيما بعدها؛ لأن حرف الاستثناء والعطف لا يبتدآن. وإنما يؤتى بهما ليعلق ما بعدها بمعنى ما قبلها فلا بد من تأثير ما قبلهما فيهما.
وأما اختلاف النسخ: فالذي يقول: فأما خروجه مما دخل فيه غيره فأتاني القوم غير زيد يريد: خروج زيد مما دخل فيه القوم. والذي يقول: فأما دخوله فيما خرج منه غيره يريد: دخول (غير) لأن (غير) دخل في الإتيان الذي خرج منه زيد.