قال سيبويه: " وذلك أنه لا يجوز لك أن تقول للمخاطب: اضربك، ولا اقتلك،
[ ٣ / ١٢٧ ]
ولا ضربتك، لمّا كان المخاطب فاعلا، وجعلت مفعوله نفسه، قبح؛ لأنهم استغنوا بقولهم: اقتل نفسك، وأهلكت نفسك، عن (الكاف) هاهنا، وعن (إيّاك).
وكذلك المتكلم لا يقول: أهلكتني، ولا أهلكني؛ لأنه جعل نفسه مفعوله، فقبح؛ ذلك لأنّهم استغنوا بقولهم: أنفع نفسي عن (نى)، وعن (إياي).
وكذلك الغائب لا يجوز لك أن تقول: ضربه إذا كان فاعلا، وكان مفعوله نفسه، واستغنوا عن (الهاء)، وعن (إياه) بقولهم: ظلم نفسه، وأهلك نفسه.
ولكنه قد يجوز ما قبح هاهنا في: (حسبت، وظننت، وخلت، وأرى، وزعمت، ورأيت) إذا لم ترد رؤية العين، ووجدت إذا لم ترد وجدان الضالة، وذلك قولك:
حسبتني، ورأيتني، ووجدتني فعلت كذا وكذا، ورأيتني لا يستقيم لي هذا، وكذلك ما أشبه هذه الأفعال تكون علامة المضمرين فيها إذا جعلت فاعليهم أنفسهم كحالها إذا كان الفاعل غير المنصوب.
ومما يثبت علامة المضمرين المنصوبين هاهنا أنه لا يحسن إدخال النفس هاهنا، لو قلت: يظنّ نفسه فاعله، أو أظنّ نفسي تفعل كذا، على حدّ يظنّه وأظنّني ليجزئ هذا من هذا، لم يجزئ كما أجزأ أهلكت نفسك عن أهلكتك، فاستغني به عنه.
وإنما افترقت حسبت، وأخواتها من الأفعال الأخر؛ لأن حسبت وأخواتها إنما دخولها على مبتدإ ومبنيّ على مبتدإ؛ لتجعل الحديث شكّا أو علما. ألا ترى أنك لا تقتصر عليه مبتدأ، والأفعال الأخر إنما هي بمنزلة اسم مبتدإ؛ والأسماء مبنية عليه.
ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم كما تقتصر على المبنيّ على المبتدإ، فلما صارت حسبت وأخواتها بتلك المنزلة جعلت بمنزلة إنّ وأخواتها إذا قلت: إنّني ولعلّني؛ لأنّ وأخواتها لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدها؛ لأنها إنما أدخلت على مبتدإ، ومبنيّ على مبتدإ.
وإذا أردت ب (رأيت) رؤية العين لم يجز رأيتني؛ لأنها حينئذ بمنزلة:
ضربت، وإذا أردت التي بمنزلة: علمت، صارت بمنزلة إنّ وأخواتها؛ لأنهنّ لسن بأفعال، وإنما يجئن لمعنى، وكذلك هذه الأفعال إنّما جئن لعلم أو شكّ، ولم ترد فعلا سلف منك إلى إنسان ".
قال أبو سعيد: اعتمد أبو العباس المبرّد وغيره من أصحابنا في إبطال: اضربك،
[ ٣ / ١٢٨ ]
وضربتني، وضربتك، ونحو ذلك، على أنّ الفاعل بكلّيته لا يكون مفعولا بكليته، فأبطلوا من أجله ضربتني، وضربتك، واضربك، وما أشبهه، وهذا كلام إذا فتّش وسبر لم يثبت؛ وذلك لأنّ المفعول الصحيح ما اخترعه فاعله، وأخرجه من العدم إلى الوجود، كنحو خلق الله ﷿ الأشياء التي كوّنها ولم تكن كائنة من قبل، وكنحو ما يفعله الإنسان من القعود والقيام والضرب والشّتم، ولا يجوز أن يكون الفاعل في ذلك مفعولا؛ لأنه لا بدّ من أن يكون الفاعل موجودا قبل وجود المفعول؛ لأنّه لا يفعل إلا ما كان قادرا عليه قبل فعله، ولا يكون قادرا على الشيء إلا والقادر موجود، والمقدور عليه معدوم؛ لأن معنى قادر عليه: قادر على أن يوجده ويكوّنه. هذا حقيقة معناه، وقولهم: فلان قادر على فلان، والمقدور عليه موجود، إنما هو مجاز، وحقيقته: أنه قادر على تصريفه فيما يريده منه، فإذا قلنا: ضرب زيد عمرا فالذي فعله زيد إنما هو الضرب، وكذلك: شتمه وذكره، وهذا شيء يحيط العلم به، وبأنّ زيدا لم يفعل عمرا، وإنما إطلاق النحويين أنه مفعول مجاز، والمراد أنه فعل به ضربا أو شتما، أو نحو ذلك مما يحدثه فيه أو يقصده به.
فإذا قال القائل: ضربتني أو شتمتني، أو قال: ضربتك، وشتمتك، فالمفعول الصحيح إنما هو الضرب والشتم، والمتكلم والمخاطب كزيد في: ضربت زيدا وشتمته، وليس زيد بمفعول صحيح على ما بيّناه، ولم تبطل ضربتني وشتمتني لفساد معناه استحالته، وكيف يستحيل ذلك وأنا إذا قلت: ضربت زيدا قائما أوقعت ضربا بشيء من جسمه بيدي أو بخشبة أو غيرها، وكذل شتمته إنما هو ذكرى له بشيء من السوء، وذلك الضرب قد أوقعه بشيء من جسمي على النحو الذي أوقعه بزيد، وذلك الذّكر السّيئ غير مستحيل أن أذكر نفسي به كما ذكرت زيدا، ولكنّ العرب لا تتكلم بذلك؛ لأن فعل الإنسان يكون على ضربين:
أحدهما: فعل يفعله بنفسه لا يعتمد به غيره. فهذا الفعل لا يكون له مفعول، وإن كان قد فعله الإنسان بنفسه؛ كقولك: قام زيد، وقعد، وذهب ونحوه، فقد فعل القيام والقعود بنفسه، ومعنى قولنا فعل بنفسه: أنه أحلّ القيام والقعود بنفسه وأوجده في نفسه دون غيره.
والآخر: فعل يعتمد به غيره، فلا بدّ أيضا في ذلك أن يفعله بنفسه، ويعتمد به غيره، أو يفعل سببه بنفسه، ويعتمد به غيره.
فأما ما يفعله بنفسه ويعتمد به غيره فقولك: شتمت زيدا، وذكرت زيدا، ومدحت عمرا.
[ ٣ / ١٢٩ ]
والذي يفعل سببه بنفسه فقولك: ضربت زيدا، وقتلت عمرا، فلما كان سبيل الفعل الذي لا يعتمد به الإنسان الفاعل غيره أن لا يكون له مفعول وجب أن لا يقول:
ضربتني، وشتمتني، ولما كان الفعل الذي يعتمد به غيره في مقاصد الناس وعاداتهم قد يعرض فيه أن يعتمد الفاعل نفسه على سبيل ما كان يعتمد غيره أتوا بلفظ النفس، وأضافوه إليه فقالوا: ضربت نفسك، وضرب زيد نفسه، وشبّهوه من جهة اللفظ لا المعنى ب (ضرب زيد غلامه) لأنّ المضاف في الأصل ليس بالمضاف إليه، فجعلوا نفسه في حكم اللفظ كأنها غيره.
وبعض النحويين ذكر أنه مما يمنع تعدّي الفعل إلى فاعله: دخول اللّبس الكلام؛ لأنه إذا قال: ضربتني وضربتك، فأوقعت فعلك على نفسك، وفعل من تخاطبه على نفسه، لزمك في الغائب أن تقول: ضربه، فتوقع فعل الغائب على نفسه بالكناية، فلا يعلم لمن (الهاء)؟ للّذي خبّرت عنه بالفعل أو لآخر؟ فيدخل الكلام اللّبس، فإذا قلت: ضرب نفسه بان لك؛ لأنك لم تعن نفس غيره، فلهذا ما أدخلت النفس، ولم يقع موقعها المكنيّ.
وأما حسبتني، وأظنّني، وأجدنني ووجدتني أفعل كذا، ورأيتني من رؤية القلب، وما جرى مجرى ذلك مما ذكره سيبويه من الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما، مما أصله مبتدأ وخبر، فإنما جاز ذلك فيهن؛ لأنّ المقصود بهذه الأفعال: المفعول الثاني، وليس للأول في الفعل نصيب؛ لأنك إذا قلت: حسبت زيدا منطلقا، فالمحسبة لم تقع على زيد، وإنما وقعت على الانطلاق، وكان الضمير المتصل أخفّ في اللفظ من المنفصل ومن النفس، فاستعملوا الأخفّ فيه.
وقد جاء في فعلين سوى هذه الأفعال تعدّي فعل الفاعل إلى ضميره وهو: فقدتني، وعدمتني، وإنما جاز ذلك لأنه محمول على غير ظاهر الكلام وحقيقته؛ لأن الفاعل لا بد من أن يكون موجودان وإذا عدم نفسه صار عادما معدوما، وذلك محال.
وإنما جاز ذلك لأن الفعل له في الظاهر، والمعنى لغيره؛ لأنه يدعو على نفسه بأن يعدم، فكأنه قال: عدمني غيري، قال جران العود:
لقد كان لي عن ضرتين عدمتني وعن ألاقي منهما متزحزح
هما الغول والسّعلاة حلقي منهما مخدّش ما بين التّراقي مكدّح (١)
_________________
(١) البيت في ديوانه ٤، والخزانة ١٠/ ١٩؛ وابن يعيش ٧/ ٨٨.
[ ٣ / ١٣٠ ]
وباقي ما ذكره مفهوم.