فإذا جاءتا وفيهما معنى الاستثناء فإنّ فيهما إضمارا، على هذا وقع فيهما معنى الاستثناء، كما أنه لا يقع معنى النهي في حسبك إلّا أن يكون مبتدأ.
وذلك قولك: أتاني القوم ليس زيدا، وأتوني لا يكون زيدا، وما أتاني أحد لا يكون زيدا، كأنه حين قال: أتوني، صار المخاطب عنده قد وقع في خلده أنّ بعض الآتين زيد، حتى كأنه قال: بعضهم زيد، فكأنه قال: ليس بعضهم زيدا. وترك إظهار بعض استغناء، كما ترك الإظهار في لات حين ذاك.
فهذه حالهما في حال الاستثناء، وعلى هذا وقع فيهما الاستثناء؛ فأجرهما كما أجروهما.
وقد يكون صفة، وهو قول الخليل. وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدا، وما أتاني رجل لا يكون زيدا إذا جعلت ليس، ولا يكون، بمنزلة قولك: ما أتاني أحد لا يقول ذاك، إذا كان لا يقول ذاك في موضع قائل ذلك.
ويدلك على أنه صفة أنّ بعضهم يقول: ما أتتني امرأة لا تكون فلانة، وما أتتني
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سورة النساء، من الآية ١٥٩.
[ ٣ / ٩٤ ]
امرأة ليست فلانة، لو لم يجعلوه صفة لم يؤنّثوا؛ لأنّ الذي لا يجيء صفة فيه إضمار مذكّر. ألا ترى أنهم يقولون:
أتينني لا يكون فلانة وليس فلانة، يريد: ليس بعضهن فلانة، فالبعض مذكر.
وأما عدا وخلا فلا يكونان صفة، ولكن فيهما إضمار كما كان في ليس ولا يكون، وهو إضمار قصته فيهما كقصته في ليس ولا يكون. وذلك قولك: ما أتاني أحد خلا زيدا، وأتاني القوم عدا عمرا، كأنك قلت: جاوز بعضهم زيدا، إلّا أنّ خلا وعدا فيهما معنى الاستثناء، ولكني ذكرت جاوز لأمثّل لك به، وإن كان لا يستعمل في هذا الموضع.
وتقول: أتاني القوم ما عدا زيدا، وأتوني ما خلا زيدا. وما هاهنا اسم، وخلا وعدا هاهنا صلة له كأنه قال: أتوني ما جاوز بعضهم زيدا، وما هم فيها ما عدا زيدا، كأنه قال: ما هم فيها ما جاوز بعضهم زيدا، وكأنه قال: إذا مثّلت ما خلا وما عدا فجعلته اسما غير موصول قلت: أتوني مجاوزتهم زيدا، مثّلته بمصدر ما هو في معناه، كما فعلته فيما مضى. إلا أنّ جاوز لا يقع في الاستثناء.
وإذا قلت: أتوني إلا أن يكون زيد، فالرفع جيد بالغ، وهو كثير في كلامهم؛ لأنّ يكون صلة أن، وليس فيها معنى الاستثناء، وأن يكون في موضع اسم مستثنى. كأنك قلت: لا يأتونك إلا أن يأتيك زيد.
والدليل على أنّ يكون هاهنا ليس فيها معنى الاستثناء: أنّ ليس وعدا وخلا لا يقعن هاهنا.
ومثل الرفع قول الله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ [النساء: ٢٩] منكم وبعضهم ينصب على وجه النصب في لا تكون، والرفع أكثر.
وأما حاشا فليس باسم، ولكنه حرف يجرّ ما بعده كما تجرّ حتى ما بعدها، وفيه معنى الاستثناء. وبعض العرب يقول: أتاني القوم خلا عبد الله فيجعل خلا بمنزلة حاشا فإذا قلت: ما خلا فليس فيها إلا النصب؛ لأنّ ما اسم، ولا يكون صلتها إلّا الفعل هنا، وهي ما التي في قولك: افعل ما فعلت. ألا ترى أنك لو قلت: أتوني ما حاشا زيدا لم يكن كلاما؟
وأما أتاني القوم سواك، فزعم الخليل أنّ هذا كقولك: أتاني القوم مكانك، وما أتاني أحد مكانك، إلا أنّ في سواك معنى الاستثناء.
[ ٣ / ٩٥ ]
قال أبو سعيد: الأصل في الاستثناء إلا، وسائر ما يستثنى به من اسم أو فعل أو حرف موضوع موضع إلا؛ والدليل على ذلك أنها تكفي من ذكر المستثنى منه في قولك:
ما قام إلا زيد.
ويقع موقعها غير؛ لأنها تعرب إعراب الاسم الذي يقع بعد إلا، وهي مضافة إلى ذلك الاسم، ولا يستثني بما سوى
إلا وغير إلا والمستثنى منه مذكور في الكلام. لا يجوز أن تقول: ما جاءني لا يكون زيدا، ولا ما جاءني ليس زيدا.
وقد تبيّن تمكّن إلا في الاستثناء، وأنها الأصل، وفي هذه الأشياء معنى إلا، وهي تعمل كعملها في أنفسها قبل أن توضع موضع إلا.
فأما ليس ولا يكون فإنّا لمّا رأينا الأفعال لا تنصب إلا ومعها فاعلوها، وعلم أنّ مع ليس، لا يكون فاعلين، وكان إضمار بعض المذكورين فيهما لا يخرجهما عن معنى ما أريد بهما من الاستثناء، قدّرنا فيهما، وأجريناهما على عملهما قبل أن يجعلا في موضع الاستثناء، وكأنّا لما قلنا قام القوم احتمل أن يكون قام بعضهم، وبعضهم لم يقم، كما يجوز إرادة الخاصّ باللفظ العام، والبعض الذي قام هم. القوم الذين ارتفعوا بالفعل، والبعض الذي لم يقم هم المستثنون.
وذهب الكوفيون إلى أنّ المضمر فيها المجهول، وهو كناية عن الفعل، والاسم في موضع الفعل أيضا. كأنه قال: ليس فعلهم فعل زيد.
والذي قدّره البصريون أولى؛ لأنه أقلّ إضمارا؛ لأنّ الكوفيين أضمروا مضافا إلى زيد محذوفا، وليس ذلك في تقدير البصريين.
وأما موقع ليس ولا يكون من الكلام فإنه يحتمل شيئين:
أحدهما: أن يكون من كلام غير الأول، كأنه عقّب الكلام الأول بجملة بيّن بها خصوصا لعموم الكلام الأول، كما يقول القائل: جاءني القوم وما أريد زيدا ولا أعنيه، وجاءني الناس وما جاءني زيد.
وقد تأتي جملة بعد جملة يكون في الثانية من التخصيص ما يكون بمنزلة الاستثناء من الأول. قال الله ﷿: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (١)، ثم قال بعد ذلك بغير لفظ الاستثناء: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ فقام ذلك مقام:
إلّا أن يكون له إخوة فيكون لها السّدس.
_________________
(١) سورة النساء، من الآية ١١.
[ ٣ / ٩٦ ]
والوجه الآخر: أن تكون الحال للأول، وتكون من كلام واحد، ويكون التقدير في: قام القوم ليس زيدا: قام القوم خالين من زيد، وعارين من زيد.
وقد يقول القائل: جاءني عمرو وليس معه زيد على الحال، كما تقول: جاءني عمرو ومعه زيد ويجوز إسقاط
الواو، تقول: جاءني عمرو ليس معه زيد.
ويلزم للاستثناء إسقاط الواو من ليس؛ لأنها تنوب عن إلا، ولا يدخل في إلا الواو، فلم يدخل في ليس للاستثناء، وإذا جعلت ليس، ولا يكون صفة فهي من كلام واحد، وموضعهما من الإعراب موضع الاسم الذي هي صفته.
فإذا قلت: ما أتتني امرأة لا تكون فلانة، فموضع لا تكون رفع؛ لأنها صفة امرأة، وإذا قلت: ما مررت بامرأة لا تكون فلانة خفض، وإذا قلت: ما رأيت امرأة لا تكون فلانة، فموضعها نصب، وكذلك إذا قلت ما أتتني امرأة ليست هندا.
وأما (عدا) و(خلا) فإذا نصب ما بعدهما فهما فعلان يجريان مجرى (ليس) و(لا يكون) في الاستثناء، ولا يجريان مجراهما في الصفة، تقول: أتاني القوم عدا زيدا وما أتاني القوم خلا زيدا، على تقدير: عدا بعضهم زيدا، وخلا بعضهم زيدا بمنزلة: جاوز بعضهم زيدا، ولا تقول: ما أتتني امرأة عدت هندا، ولا مررت بامرأة خلت دعدا. وإنما لم يوصف بهما كما وصف ب (ليس) و(لا يكون)؛ لأن (ليس) و(لا يكون) من ألفاظ الجحد المحض، وهما يرفعان الاسم وينصبان الخبر كما ترفع بالفعل الفاعل وتنصب المفعول، فإذا وصفنا بهما فهما على بابهما في اللفظ، وعلى حكم الاستثناء في مخالفة ما بعدهما لما قبلهما لما فيهما من الجحد.
و(حلا) و(عدا) ليسا لفظي جحد. فأما (خلا) فإنها لا تتعدى إلى مفعول إلا في الاستثناء، فإذا قلنا: ما مررت بامرأة خلت هندا فهو على خلاف ما عليه لفظ (خلا) في التعدي.
وأما (عدا) وإن كان متعديا فليس بلفظ جحد ونفي، فيكون كالاستثناء في الخلاف الذي بين ما قبله وما بعده، وإنما علّ على الاستثناء بضرب من التأويل والحمل على المجاوزة؛ ومعناها: الخروج عن الشيء والتخليف له.
وقد سأل سائل: لم لم يستثن ب (جاوز) كما استثنى ب (عدا) و(خلا)، ف (جاوز) أبين وأجلى في المعنى؟ وإليه ردّ سيبويه: (عدا) و(خلا) لمّا مثّلهما.
فالجواب: أنّ اللفظين قد يجتمعان في معنى، ويختص أحدهما بموضع لا يشاركه فيه الآخر؛ كالعمر والعمر في البقاء، ثم يختصّ العمر باليمين. وله نظائر كثيرة تجري هذا
[ ٣ / ٩٧ ]
المجرى.
ومن أجل هذا لم يجز في الاستثناء (لم يكن)، و(ما كان)، في موضع: (ليس)، و(لا يكون)؛ لا تقول: جاءني القوم لم يكن زيدا، وما كان زيدا، على معنى لم يكن بعضهم زيدا.
وقد قيل: إنّ معنى عداني الشيء، وعداك الشيء يقال فيما قرب منك، وكاد يقع بك، و(جاوز) قد يقع فيما تباعد وفيما قرب، تقول: جاوزنا الغيم، ولا تقول: عدانا الغيم؛ لتباعده عنا.
وأما (ما عدا) و(ما خلا) فلا خلاف بين البصريين والكوفيين أنّ (ما) في موضع نصب، وأنّ (ما خلا) و(ما عدا) كالمصدر، وفاعل (عدا) و(خلا) مضمر تقديره: ما عدا بعضهم، وما خلا بعضهم، كأنا قلنا: أتاني القوم مجاوزتهم زيدا.
قال أبو سعيد: ومجاوزتهم عندي بمعنى الحال، كالمصادر التي توضع موضع الحال، كقولك: رجع عوده على بدئه، ونظائره، كأنه قال: أتاني القوم مجاوزين، أو خالين من زيد.
فأما (إلا أن يكون) فإذن الاستثناء ب (إلا)، والمستثنى (أن)، و(يكون) في صلة (أن)، والفعل بعدها في تقدير المصدر، فإذا قلت: أتوني إلا أن يكون زيد فتقديره في اللفظ: إلا كون زيد، ومعناه: إلا زيدا، وقد ينصب فيقال: أتاني القوم إلا أن يكون زيدا، على معنى: إلا أن يكون بغضهم، كما أضمر في (ليس) و(لا يكون)؛ ومعنى ذلك كله:
إلا زيدا.
وأما قوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً (١)؛ فتجارة فاعل (تكون)، وإذا نصبت تجارة وأنّثت (تكون) فالتقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة، ويجوز في العربية: إلا أن يكون تجارة على معنى: إلا أن يكون بعضها تجارة، كما تقول:
أتاني القوم إلّا أن يكون زيدا، وإذا رفعت الاسم ف (يكون) في معنى يقع؛ إلا أن تقع تجارة؛ لأن (كان) إذا لم يكن لها خبر فهي في معنى: يقع، ويحدث، ويوجد، ونحو ذلك.
وأما (حاشا) فهي عند سيبويه حرف جبر، وليس باسم ولا فعل، وأما الجر بها فلا خلاف بين النحويين فيه، وقد قال الشاعر:
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٢٩.
[ ٣ / ٩٨ ]
حاشى أبي ثوبان إنّ به ضنّا عن الملحاة والشتم (١)
وأكثر الناس يخالف سيبويه فيها، وهم مع خلافهم سيبويه مختلفون فيها:
فأما الفرّاء فزعم أنّ حاشا فعل، وزعم أنه لا فاعل له، وهذا ظريف وهو كالمحال؛ لأن الفعل لا يكون بغير فاعل، وزعم أن الأصل حاشا لزيد، فكثر الكلام حتى أسقطوا اللام، وخفضوا بها.
وقال محمد بن يزيد المبرّد: إنه يكون حرف جر كما ذكر سيبويه، ويكون فعلا ينصب مثل (عدا) و(خلا)، واستدل، على ذلك بتصريف الفعل منه، وقولهم: حاشيت زيدا أحاشيه، كقول النابغة:
ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه ولا أحاشي من الأقوام من أحد (٢)
ومما احتجّ به قولهم حاشا لزيد، ولو كان (حاشا) حرف جرّ لم يجز دخولها على اللام.
قال أبو سعيد: أما احتجاجه ب (حاشيت) فلقائل أن يقول: حاشيت إنّما هو تصريف فعل من لفظ (حاشا) الذي هو حرف يستثنى به، وليس ب (حاشيت) يقع الاستثناء، ولا بحاشى يحاشى، ومنزلة: حاشيت من حاشى كمنزلة: هلّل وحولق، وبسمل، من: (لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبسم الله) فقد صرّف الفعل مما ليس بفعل.
ومما يقوى قول أبي العباس أن أبا عمرو الشيباني وغيره حكى: أن العرب تخفض بها وتنصب.
وقال أبو إسحاق الزجاج: حاشا لله في معنى: براءة لله، وهي مشتقّة من قولك:
كنت في حشا فلان، أي: في ناحية فلان. كما قال:
بأيّ الحشا أمسي الخليط المباين (٣)
_________________
(١) البيت منسوب إلى الشاعر الجاهلي الجميح (منقذ بن الطمّاح بن قيس الأسدي)؛ الخزانة ١٠/ ٢٤٩؛ ابن يعيش ٢/ ٨٤، ٨/ ٤٧؛ وتاج العروس (حشا).
(٢) البيت منسوب للنابغة الذبياني؛ في ديوانه ص ٢٠؛ الخزانة ٣/ ٤٠٣، ٤٠٥؛ ابن يعيش ٢/ ٨٥؛ واللسان، وتاج العروس (حشا).
(٣) البيت منسوب للمعطل الهذلي في ديوانه ٣/ ٤٥؛ ابن يعيش ٢/ ٨٥، ٨/ ٤٨؛ ولسان العرب (حشا)؛ وتاج العروس (حشا).
[ ٣ / ٩٩ ]
فإذا قال: حاشا لزيد فمعناه: قد تنحّى زيد من هذا وتباعد منه، كما أنك إذا قلت قد تنحى من هذا فمعناه: قد صار في ناحية منه؛ وكذلك تحاشى من هذا، أي: قد صار في حشا منه، أي: في ناحية منه.
وعلى طريقة الزجاج قال بعض أصحابنا: (حاشا) في معنى المصدر، قال: ويقال:
حاشا الله، وحاشا لله كما يقال براءة لله، ويدخله النقص فيقال: حاش لله وحشا لله، كما يقال في النقص: غد في: ومه في: مهلا، وعل في على، ولا يكون ذلك في الحروف.
ويستعملون حاشا لتبرئة الاسم الذي بعدها عند ذكر سوء في غيره أو فيه، وربما أرادوا تبرئة الإنسان من سوء فيبتدئون بتبرئة الله ﷿ من السّوء، ثم يبرئون من أرادوا تبرئته، ويكون تنزيههم الله على جهة التعجب والإنكار على من ذكر السوء فيمن برّأوه. قال الله تعالى: قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ (١)، ومذهب حاشى لله كمذهب معاذ الله، وسبحان الله في الإنكار والتعجب، وإذا استثنوا بحاشا فاستثناؤهم بها أيضا على طريق التبرئة للاسم المستثنى بها من سوء، أدخلوا فيه غيره.
وقد تكون (خلا) حرف جر، ولم أعلم خلافا في جواز الجر بها، ولم أر أحدا ذكر في (عدا) الجرّ إلا الأخفش، فإنه قرنها وبعض ما ذكر مع (خلا) في الجر.
وأما أتاني القوم سواك فيه فصار فيه معنى الاستثناء؛ لأنّ فيه مع غير وسواك لا يتمكن، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
وقال أبو سعيد: حكي عن الزجاج أنه كان يجيز في بعض الأحوال تقديم حرف الاستثناء في أول الكلام، ويحتج بقول الشاعر:
خلا أنّ العتاق من المطايا حسين به فهنّ إليه شوس (٢)
وهذا غلط؛ لأن الشعر لأبي زبيد الطائي، وقبل هذا البيت في قصيدته:
إلى أن عرّسوا وأغبّ منهم قريبا ما يحسّ له حسيس
خلا أنّ العتاق من المطايا حسين به فهنّ إليه شوس
فقد صار (خلا) بعد المستثنى منه، وهو: " ما يحسّ له حسيس ".
وأما قول العجّاج.
_________________
(١) سورة يوسف، من الآية: ٥٠.
(٢) البيت منسوب لأبي زبيد الطائي في ديوانه ٩٦؛ ولسان العرب، وتاج العروس (حسس)؛ والمقتضب ١/ ٣٨٠.
[ ٣ / ١٠٠ ]
وبلد ليس به طوريّ ولا خلا الجنّ به إنسيّ (١)
فتقديره: ولا به إنسيّ خلا الجن، ف (به) مقدرة بعد لا محذوفة؛ لأنه لو قال: ليس به طوريّ ولا إنسيّ، فمعناه: ولا به إنسيّ، فاستثنى بعد تقدم شيء في التقدير، ويدل عليه ما قبله، فيفسّر كأنه قال: ما به خلا الجنّ إنسيّ، وتقديم الاستثناء فيه للضرورة، والذي يحكى عن الكوفيين: جواز تقديم الاستثناء في أول الكلام.
قال الكسائي: " إلا طعامك ما أكل زيد " استثناء، وجاز أن تضعه مقدما ومؤخرا.
وهذا عند أصحابنا لا يجوز من غير جهة:
فمنه أن تقديم الاستثناء في أول الكلام لم يقم عليه دليل من سماع ولا قياس.
ومنه أن (ما) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. لا تقول: زيدا ما ضربت، فإذا لم يجز ذلك كان جوازه بعد دخول " إلا "
عليه أبعد.