وذلك قولك: ما أتاني من أحد إلا زيد و" ما رأيت من أحد إلا زيدا " فإنما منعك أن تحمل الكلام على من أنه خلف أن تقول: " ما أتاني إلا من زيد ".
فلما كان كذلك حمله على الموضع فجعله بدلا منه، فكأنك قلت: ما أتاني أحد إلا فلانا؛ لأن معنى " ما أتاني أحد " و" ما أتاني من أحد " واحد. ولكن من دخلت هاهنا توكيدا كما تدخل الباء في قولك: كفى بالشيب والإسلام وفي: " ما أنت بفاعل " و" لست بفاعل ".
ومثل ذاك: " ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به " من قبل أن " بشيء " في موضع رفع في لغة بني تميم.
فلما قبح أن تحمله على الباء صار كأنه بدل من اسم مرفوع وبشيء في لغة أهل الحجاز في موضع منصوب، ولكنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به، استوت اللغتان وصارت " ما " على أقيس اللغتين. لأنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به فكأنك قلت: ما أنت إلا شيء لا يعبأ به.
وتقول: لست بشيء إلا شيئا لا يعبأ به كأنك قلت: لست إلا شيئا لا يعبأ به.
والباء هاهنا بمنزلتها فيما قال الشاعر:
يا بني لبيني لستما بيد إلا يدا ليست لها عضد (١)
_________________
(١) البيت لأوس بن حجر، والرواية في ديوانه ص ٤: أبني لبيني. وانظر: ابن يعيش ٢/ ٩٠، والمقتضب ٤/ ٤٢١.
[ ٣ / ٥٥ ]
ومما أجري على الموضع لا على ما عمل في الاسم: لا أحد فيها إلا عبد الله، ف " لا أحد " في موضع اسم مبتدإ وهي هاهنا بمنزلة " من أحد " في: " ما أتاني ".
ألا ترى أنك تقول: ما أتاني من أحد لا عبد الله ولا زيد، من قبل أنه خلف أن تحمل المعرفة على " من " في ذا الموضع، كما تقول: لا أحد فيها لا زيد ولا عمرو؛ لأن المعرفة لا تحمل على " لا ". وذلك أن هذا الكلام جواب لقوله: هل من أحد أو هل أتاك من أحد.
وتقول: لا أحد رأيته إلا زيد، إذا بنيت " رأيته " على الأول كأنك قلت: لا أحد مرئيّ. وإن جعلت " رأيته " صفة فكذلك كأنك قلت: لا أحد مرئيّا. وتقول: ما فيها إلا زيد. وما علمت أن فيها إلا زيدا، فإن قلبته فجعلته بلا " أن " و" ما " في لغة أهل الحجاز قبح ولم يجز؛ لأنهما ليستا بفعلين. فيحتمل قلبهما. كما لم يجز فيهما التقديم والتأخير. ولم يجز ما أنت إلا ذاهبا ولكنه لما طال الكلام قوي واحتمل ذلك كأشياء تجوز في الكلام إذا طال وتزداد حسنا. وسترى ذلك إن شاء الله، ومنها ما قد مضى.
وتقول: " إن أحدا لا يقول ذاك " وهو ضعيف خبيث؛ لأن " أحدا " لا يستعمل في الواجب. وإنما نفيت بعد ما أوجبت، ولكنه قد احتمل حيث كان معناه النفي كما جاز في كلامهم " قد عرفت زيد أبو من هو " حيث كان معناه: أبو من زيد.
فمن أجاز هذا قال: " إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا " كما أنه يقول على الجواب: " رأيت أحدا لا يقول ذاك إلا زيد ". يصير هذا بمنزلة: ما أعلم أن أحدا يقول ذاك. كما صار هذا بمنزلة: ما رأيت حيث دخله معنى النفي.
وإن شئت قلت: إلا زيد، فحملته على " يقول " كما جاز:
يحكي علينا إلا كواكبها (١)
كقولك: لا أحد فيها إلا زيد. وأقل رجل رأيته إلا عمرو؛ لأن هذا الموضع إنما ابتدئ مع معنى النفي، وهذا موضع إيجاب، وإنما جيء بالنفي بعد ذلك في الخبر فجاز الاستثناء أن يكون بدلا من الابتداء حين وقع منفيّا. ولا يجوز أن يكون الاستثناء أولا لو لم تقل: أقل رجل ولا: قلّ رجل؛ لأن الاستثناء لا بد له هاهنا من النفي ويجوز أن يحمل على إنّ هنا. حيث صارت " أحد " كأنها منفية ".
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٥٦ ]
قال أبو سعيد: ما كان من الحروف يخص بالجحد فلا يجوز دخوله على الموجب ولا تعليق الموجب به.
فإذا قلت: ما أتاني من أحد إلا زيد لم يجز خفض زيد؛ لأن خفضه بمن، ولا يجوز دخول " من " هذه على الموجب ولا تعليق الموجب بها. وإنما دخلت في النفي على نكرة لنقله من معنى الواحد إلى معنى الجنس.
ولو كانت " من " التي تدخل على المنفي والموجب لجاز خفض ما بعد " إلا " بها.
كقولك ما أخذت من أحد إلا زيد. لأن " من " إذا كانت في صلة الأخذ دخلت على المنفي والموجب.
ومثل الأول: " ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به " لأن هذه الباء لا تدخل إلا على منفي لتأكيد الجحد، ولا يجوز: " ما أنت بشيء إلا شيء " لأن ما بعد " إلا " موجب إذا كان قبله جحد.
فإذا كانت الباء في صلة شيء يستوي فيه المنفي والموجب جاز حمل ما بعد " إلا " عليها كقولك: ما مررت بأحد إلا زيد، وإذا لم يجز حمله على الخافض فيما ذكرنا حمل على موضعه، ولو لم يكن الخافض. تقول: " ما أتاني من أحد إلا زيد " و" ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به ". لأن " من " لو لم تدخل لقلت: ما أتاني أحد إلا زيد. وكذلك: ما أنت شيئا إلا شيء لا يعبأ به. وتقول: وما كان زيد بغلام إلا غلاما صالحا.
ولو حذفت الاسم المستثنى منه من الأول لقلت: " ما أتاني إلا زيد " و" ما أنت إلا شيء لا يعبأ به " و" لست إلا شيئا لا يعبأ به ". وما كان زيد إلا غلاما صالحا.
وقال الكوفيون: يجوز فيما بعد " إلا " الخفض في النكرة ولا يجوز في المعرفة.
فأجازوا: ما أتاني من أحد إلا رجل، وما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به. ولم يجيزوا: إلا زيد. ولم يجيزوا: ما أنت بشيء إلا الشيء التافه.
والحجة عليهم ما ذكرناه من أن حروف الخفض في هذين الموضعين إنما دخلت من أجل النفي، فإنه لا يتعلق بالموجب وما بعد إلا موجب.
وقد أقروا بأن المعرفة بعد " إلا " في ذلك لا تخفض وما أقروا به من ذلك حجة عليهم، فبما أنكروا إذ لا فرق بينهما.
وكذلك قوله: " لا إله إلا الله ". و" لا أحد فيها إلا زيد " لا يجوز حمل ما بعد " إلا " على النصب الذي توجبه " لا " النافية. لأن " لا " إنما تعمل في منفي وما بعد " إلا " موجب وليس بصفة له ولا عطف عليه فيتبعه في لفظه.
[ ٣ / ٥٧ ]
ويجوز أن تقول: لا أحد فيها إلا زيدا؛ لأن الكلام قبل " إلا " تام لو اقتصر عليه.
وقوله: ما علمت أن فيها إلا زيدا: إنما جاز ذلك لأنك تقول: ما علمت أن فيها زيدا. بمعنى واحد. فمن حيث جاز: ما علمت فيها إلا زيدا " جاز ما علمت أن فيها إلا زيدا. لأن " أن " للتوكيد والناصب لزيد في " ما علمت فيها إلا زيدا "
علمت. و" في ما علمت أن فيها إلا زيدا " أن.
ولو قلت: ما علمت أن إلا زيدا فيها، لم يجز. وذلك أن الاستثناء لا يجوز أن يكون في أول الكلام، لا تقول: إلا زيدا قام القوم.
وكذلك لا يجوز الاستثناء بعد حرف يدخل على جملة ولا يلي الحرف " إلا ".
وقد فرع النحويون على ذلك مسائل، فقالوا:
كيف إلا زيدا إخوتك. جيد.
وأين إلا زيدا إخوتك. جيد.
ومن إلا زيدا إخوتك. جيد.
ولو قلت: " هل إلا زيدا عندك أحد. و" ما إلا زيدا عندك أحد: كان خطأ.
والفرق بينهما: أن " أين " و" كيف " و" من " أخبار ينعقد الكلام بها. و" هل " و" ما " لا ينعقد بهما شيء، وإسقاطهما لا يبطل الكلام.
ولو قلت: هل عندك إلا زيدا أحد. وما عندك إلا زيدا أحد. جاز لأن " عندك " خبر. " فإن " بمنزلة " هل " و" ما " لا يجوز أن يليها حرف الاستثناء.
وقوله: إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا " هو كلام قبيح. كان القياس فيه أن لا يجوز لأن " إنّ " للإيجاب و" أحد " لغير الإيجاب. ولكنهم أجازوه للنفي الذي بعده لما كان معنى الكلام يؤول إلى المنفي.
ومثله: " قد عرفت زيد أبو من هو " أبطل عمل " عرفت " في " زيد " وليس قبله حرف استفهام للاستفهام الذي بعده.
وكذلك وقع " أحد " في موضع إيجاب للجحد الذي أتى بعده في قولك: إن أحد لا يقول ذاك، فيصير كأنك قلت: ما أحد يقول ذاك.
فإذا نصبت " زيدا " بعد " إلا " فنصبه محمول على " إن " لأنها لما عملت في " أحد " صارت كأنها حرف جحد بعده فعل مجحود، نحو: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا.
ويجوز رفعه حملا على الضمير الذي في " يقول ذاك " كما جاز الرفع في قولك: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا وإلا زيد ".
[ ٣ / ٥٨ ]
وقوله: " يصير هذا ". يعني: يصير: إن أحدا لا يقول هذا، ما أعلم أن أحد يقول ذاك ". كما صار هذا، يعني: كما صار: رأيت .. حيث دخله معنى النفي.
وقوله: فليس هذا في القوة كقولك: لا أحد إلا زيد " وأقل رجل رأيته إلا عمرو " يعني ليس قولك " إن أحد لا يقول ذاك " في القوة كقولك: " لا أحد " و" أقل رجل "؛ لأن هذا الموضع إنما ابتديء به مع معنى النفي- يعني: لا أحد وأقل رجل، ابتديء بالنفي- وهذا موضع إيجاب، يعني: إن أحدا لا يقول ذلك.
وقوله: " فجاز الاستثناء أن يكون بدلا من الابتداء "، يعني: فجاز في " لا أحد إلا زيدا " وأقل رجل رأيته إلا عمرو، والبدل من الابتداء. لأن " لا أحد " في موضع اسم مبتدإ.
وقوله: " لا يجوز أن يكون الاستثناء أولا لو لم تقل: أقل رجل. و" لا رجل " يعني لا تقول: " إلا زيد أقل رجل رأيته ". ولا تقول " إلا زيدا لا رجل في الدار ". لأنه لا بد له من أن يتقدمه نفي فيجوز من أجله البدل. والكلام المتقدم: " لا أحد إلا زيد " وأعاده هنا.
" ولا رجل " وهو يعني المثال الذي قدمه في لا أحد إلا زيد و" أقل رجل رأيته إلا عمرو " والمعنى واحد.
وقوله: وجاز أن تحمل على " أن " " هنا " يعني في قوله: إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا " و" ما علمت أن أحدا يقول ذاك إلا زيدا " تحمل " زيدا " في النصب على " أن " في النصب وتجعل " إن " و" أن " بمنزلة فعل منفي نصب زيدا بعد " إلا " كقولك: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا ".
والله أعلم.