قال سيبويه: " أمّا ما يحسن أن يشركه المظهر فهو المضمر المنصوب، وذلك:
رأيتك وزيدا، وإنّك وزيدا منطلقان.
وأما ما يبح أن يشاركه المظهر فهو المضمر المرفوع، وذلك: فعلت وعبد الله، وأفعل وعبد الله.
وزعم الخليل أن هذا إنما قبح من قبل أنّ هذا الإضمار يبنى عليه الفعل، فاستقبحوا أن يشرك المظهر مضمرا يغيّر الفعل فيه عن حاله إذ بعد شبهه منه.
وإنما حسنت شركته المنصوب لأنه لا يغيّر فيه الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يضمر، فأشبه المظهر وكان منفصلا عندهم بمنزلة المظهر، إذ كان الفعل لا يتغّير عن حاله قبل أن يضمر فيه.
وأما فعلت فإنهم قد غيّروه عن حاله في الإظهار؛ أسكنت فيه اللام، فكرهوا أن يشرك المظهر مضمرا يبنى له الفعل على غير بنائه في الإظهار حتى صار كأنه شيء في كلمة لا يفارقها كألف أعطيت.
فإن نعتّه حسن أن يشركه المظهر، وذلك قولك: ذهبت أنت وزيد، وقال تعالى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا (١)، اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٢). وذلك أنك لمّا وصفته قوي الكلام حيث طوّله وأكّده، كما تقول: قد علمت أن لا تقول ذاك، فإن أخرجت (لا) قبح الرفع. ف (أنت) تقوّي، وتصير عوضا من السّكون والتغيير
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٢٤.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٥.
[ ٣ / ١٤٠ ]
وترك العلامة في ضرب. وقال الله تعالى: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا (١)؛ حسن لمكان لا، وقد يجوز في الشعر؛ قال أبو الحسن: سمعته من يونس لابن أبي ربيعة:
قلت إذ اقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسّفن رملا (٢)
واعلم أنه قبيح أن تصف المضمر في الفعل بنفسك وما أشبهه، وذلك أنه قبيح أن تقول: فعلت نفسك، إلا أن تقول: فعلت أنت نفسك. فإن قلت: فعلتم أجمعون حسن؛ لأنّ هذا يعمّ به، وإذا قلت: نفسك فإنما تؤكّد الفاعل، ولمّا كانت نفسك يتكلم بها مبتدأة وتحمل على ما يجرّ وينصب ويرفع شبّهوها بما يشرك المضمر، وذلك قولك:
نزلت بنفس الجبل، ونفس الجبل مقابلي، ونحو ذلكن وأمّا أجمعون فلا تكون إلا صفة، وكلّهم قد تكون بمنزلة أجمعين؛ لأنّ معناه معنى أجمعين فهي تجرى مجراها.
وأمّا علامة الإضمار التي تكون منفصلة من الفعل ولا تغيّر ما عمل فيها عن حاله إذا أظهر فيه الاسم فإنه يشركه المظهر لأنّه لا يشبه المظهر، وذلك قولك: أنت وعبد الله ذاهبان، والكريم أنت وعبد الله.
واعلم أنه قبيح أن تقول: ذهبت وعبد الله، أو ذهبت وأنّا؛ لأنّ أنا بمنزلة المظهر. ألا ترى أن المظهر لا يشركه إلا أن يجئ في شعر، قال الشّاعر (وهو الراعي):
فلمّا لحقنا والجياد عشيّة دعوا يا لكلب واعتزينا لعامر (٣)
ومما يبح أن يشركه المظهر علامة المضمر المجرور، وذلك قولك: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو؛ فكرهوا أن يشرك المظهر مضمرا داخلا فيما قبله؛ لأنّ هذه العلامة الداخلة فيما قبلها جمعت أنها لا يتكلّم بها إلا معتمدة على ما قبلها في اللفظ، وأنها بدل من اللفظ بالتنوين، فصارت عندهم بمنزلة التنوين، فلما ضعف عندهم كرهوا أن يتبعوها الاسم، ولم يجز أن يتبعوها إيّاه وإن وصفوا؛ لا يحسن أن تقول: مررت بك أنت وزيد، كما جاز فيما أضمرت في الفعل؛ لأنّ ذاك وإن كان قد
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٤٨.
(٢) البيت في ديوانه ٤٩٢؛ شرح المفصل ٣/ ٦٧؛ الكتاب ٢/ ٣٧٩.
(٣) البيت في ديوانه، الكتاب ٢/ ٣٨٠؛ ولسان العرب؛ وتاج العروس (عزا)، (عمر).
[ ٣ / ١٤١ ]
أنزل منزلة آخر الفعل فليس من الفعل ولا من تمامه، وهما حرفان يستغنى كلّ واحد منهما بصاحبه كالمبتدإ والمبنيّ عليه، وهذا يكون من تمام الاسم، وهو بدل من الزيادة التي في الاسم، وحال الاسم إذا أضيفت إليه مثل حاله مفردا، لا يستغنى به، ولكنهم يقولون: مررت بكم أجمعين؛ لأنّ أجمعين لا تكون إلا وصفا، ومررت بهم كلّهم؛ لأنّ أحد وجهيها مثل أجمعين.
وتقول أيضا: مررت بك نفسك؛ لمّا أجزت فيها ما يجوز في فعلتم مما يكون معطوفا على الأسماء احتملت هذا؛ إذ كانت لا تغيّر علامة الإضمار هاهنا ما عمل فيها، فضارعت هاهنا ما ينتصب، فجاز هذا فيها، وأمّا في الإشراك فلا يجوز؛ لأنه لا يحسن في فعلت وفعلتم إلا ب (أنت وأنتم)، وهذا قول الخليل.
وجاز: قمت أنت وزيد، ولم يجز: مررت بك أنت وزيد؛ لأنّ الفعل يستغنى بالفاعل، والمضاف لا يستغنى
بالمضاف إليه؛ لأنه بمنزلة التنوين، وقد يجوز في الشعر. قال الشاعر:
آبك أيّه بي أو مصدّر من حمر الجلّة جأب حشور (١)
هذان البيتان من الرّجز لم يقرأهما أبو عثمان ولا غيره من أصحابنا، وهما في الكتاب.
وقال الآخر:
فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيّام من عجب " (٢)
قال أبو سعيد: أما شركة الظاهر للمضمر المنصوب، وهي عطف الظاهر المنصوب على المضمر المنصوب فهي جائزة مستحسنة ليس بين النحويين في ذلك خلاف، أكّد المضمر أو لم يؤكد، وليس فها علّة تمنع ذلك.
وأمّا عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع المتّصل بالفعل فيستقبح عند البصريين؛ إلا أن يؤكّد المضمر، أو يدخل بين المضمر وبين المعطوف عليه كلام يكون عوضا من التوكيد. فالمستقبح منه نحو قولك: قمت وزيد، وأفعل وعبد الله، وإن الزيدين قاما وأخوك. وإنما قبح ذلك لأنّ ضمير الفاعل قد يكون في الفعل بغير علامة كقولك:
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الكتاب ٢/ ٣٨٢؛ ولسان العرب وتاج العروس (أوب).
(٢) البيت لم يعرف قائله، الخزانة ٥/ ١٢٣، ١٢٦؛ ابن يعيش ٣/ ٧٨؛ الكتاب ٢/ ٢٨٣.
[ ٣ / ١٤٢ ]
قم، واذهب؛ فيه ضمير المخاطب ولا علامة له في اللفظ، وفيه ماله علامة تغير بنية الفعل بتسكين آخر الفعل الماضي وذلك: قمت، وقمنا، وقمت، وقمتما، وقمتم، فلما كان بعضه يقدّر في الفعل ويبقى لفظ الفعل مجردا، وبعضه كأنه من حروف الفعل بتسكينه لما كان من الفعل مفتوحا واختلاطه بحروفه صار المعطوف عليه في اللفظ كأنه قد عطف على الفعل وحده، إذ كان الموجود لفظ الفعل مجردا، أو ما يجري ببنيته مع الفعل كالمجرّد، والاسم لا يعطف على الفعل، فقبح لذلك.
وأمّا المستحسن المؤكّد فقولك: قمت أنا وزيد، وخرجنا نحن وأصحابك، واسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (١)، وإنّ الزّيدين خرجا هما وأخوك، وإنّ الهندات في الدار هنّ وأخواتك، وهنّ توكيد للضمير الذي لهنّ في الظرف، وتقديره: إنّ الهندات استقررن هنّ وأخواتك في الدار.
وأمّا ما يكون من الكلام بين المعطوف والمعطوف عليه عوضا من التوكيد فنحو قولك: أقمت بالبصرة وزيد، وما خرجت ولا زيد، وفي مواضع من كتاب الله ﷿ قد جاء؛ فمنها: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا (٢) فعطف آباؤنا على النون والألف في أشركنا، و(لا) الداخلة بينهما عوض من التوكيد.
ومنها: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٣) فعطف آباؤنا على النون والألف، وترابا عوض من التوكيد، ومنها: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ (٤) (من) رفع بالعطف على التاء، وما بين التّاء و(من) عوض من التوكيد، ومنها قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (٥) في رفع رسوله وجهان:
أحدهما: أن يكون عطفا على الضّمير الذي في (بريء)، وما بينهما كالتوكيد، وشبّه سيبويه العوض في هذا كالعوض الذي يقع في (أنّ) المشدّدة إذا خفّفت ووليها الفعل كقولك: قد علمت أن لا تقول ذاك، وأصله: قد علمت أنك لا تقول، ولو قلت: علمت أن تقول ذاك، على معنى: أنك تقول: لم يحسن؛ لأنّ (لا) عوض من تخفيف أنّ،
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٣٥.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤٨.
(٣) سورة النمل، الآية: ٦٧.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ٢.
(٥) سورة التوبة، الآية: ٣.
[ ٣ / ١٤٣ ]
وستقف على شرح هذا في موضعه إذا بلغنا إليه إن شاء الله.
والكوفيّون يجيزون العطف بغير توكيد، والأمر في ترك التوكيد عندهم أسهل منه عند البصريين، وسيبويه يرى ترك التوكيد وما يقوم مقامه قبيحا إلا في الشّعر، والكوفيّون لا يرونه قبيحا. ومما ينشد في ذلك غير البيتين اللذين ذكرناهما قول جرير:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ما لم يكن وأب له لينالا (١)
عطف أب على الضمير في يكن.
وأمّا توكيد الضمير المتّصل المرفوع بالنفس فلا يحسن حتى تقدّم قبل النفس توكيدا؛ لا يحسن: فعلت نفسك حتى تقول: فعلت أنت نفسك. وإنّما احتاجت إلى تقديم توكيد قبلها لأنها اسم يتصرف، وتقع في جميع مواضع الأسماء، ويؤكّد بها، فيعرض في بعض مواضع توكيد المرفوع لبس إن لم يؤكد، وذلك أن تقول: هند خرجت نفسها، فتكون نفسها فاعلة خرجت، كما تقول: هند خرجت جاريتها، وليس في خرجت ضمير، ويجوز أن تقول: هند خرجت نفسها، على أنّ هندا هي الخارجة، وفي خرجت ضميرها فلا يتبيّن أن معناها: خرجت هند، أو خرجت
نفس هند، ومعناهما مختلف في مقاصد الناس، فإذا أكّدوا قبل النفس فقالوا: هند خرجت هي نفسها زال اللّبس؛ فلذلك اختاروا التوكيد.
وقول سيبويه: " ولمّا كانت نفسك يتكلّم بها مبتدأة وتحمل على ما يجرّ وينصب ويرفع، شبّهوها بما يشرك المضمر ".
قال أبو سعيد: أراد سيبويه الفصل بين أجمعين وبين نفسك؛ فلأن أجمعين لا يكون إلا توكيدا لم يحتج إلى تقدّم ضمير، ولمّا كانت النفس اسما يتصرف شبّهت بما يعطف من الأسماء على الضمير.
قال أبو سعيد: والذي عندي: شبهوها بما لا يشرك المضمر؛ لأنه إنما يحتجّ لاحتياجهم إلى التوكيد قبل ذكر النفس، فالنفس في ذلك بمنزلة المعطوف على ضمير المرفوع في باب التوكيد.
وأمّا المنصوب والمخفوض فإذا أكّدا بالنفس لم يحتج إلى تقدمة توكيد قبلها وذلك من جهتين:
_________________
(١) البيت في ديوانه ٤٥١.
[ ٣ / ١٤٤ ]
إحداهما: أنّ اللّبس لا يقع فيهما؛ لأنّ ضمير المنصوب والمخفوض لا يكون إلا بعلامة ملفوظ بها تتبعها النفس، والمرفوع يكون بغير علامة فيقع من جهته اللبس.
والجهة الأخرى: أنّ المنصوب والمجرور لا ضمير لهما منفصل في الأصل، وهما يؤكّدان بضمير المرفوع كقولك: رأيتك أنت ومررت بك أنت، واستعمال ضمير المرفوع في غير موضعه من غير قصد إلى التوكيد به يضعف؛ لأنه إذا قدّم من أجل النفس فليس يراد التوكيد به.
وأمّا (فعلتم أجمعون) فحسن؛ لأنه يعمّ به، وهو موضوع للتوكيد والعموم، ولا يستعمل في مواضع الأسماء، ولا يقع فيه لبس، وقد استعمل (كلّهم) في موضعها لاشتراكهما في العموم، وعلى أن (كلهم) ليس بمتمكن في مواضع الأسماء؛ لأن المستحسن فيه أن يكون مبتدأ أو يعمّ به ما قبله، فمجراه مجرى أجمعين في هذا الوجه.
وأمّا قبح عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور فليس بين النحويين فيه خلاف، وقد احتج له سيبويه بما ذكرناه من كلامه، واحتج أبو عثمان المازني لذلك بأن قال: " لما كان المضمر المجرور لا يعطف على الظاهر إلا بإعادة الخافض كقولك: مررت بزيد وبك، ولا يجوز أن تقول: مررت بزيد وك، كذلك تقول: مررت بك وبزيد، فتحمل كل واحد منهما على صاحبه "، وشايعه أبو العباس المبرد في ذلك، وقد جاء في الشعر عطف الظاهر المجرور على المضمر في أبيات كثيرة منها ما ذكرنا في جملة الباب ومنها قوله (أنشده الفرّاء):
تعلّق في مثل السّواري سيوفنا فما بينها والكعب غوط نفانف (١)
أراد: وبين الكعب، فعطف على المكنيّ المخفوض، وأنشد أيضا:
أكرّ على الكتيبة لا أبالي أفيها كان حتفي أم سواها (٢)
قال أبو سعيد: أمّا هذا البيت الأخير فليس فيه حجة؛ لأن سواها ظرف؛ ألا ترى أنه يجوز أن تقول: أفي اليوم كان حتف زيد أم يوم الجمعة؟
فإن قال قائل: فأنتم تقولون: مررت بك وزيدا، فتنصبون زيدا بالعطف على موضع الباء أو بتأويل: لقيتك وزيدا ولا تكون فيه ضرورة؛ فهلا نصب هؤلاء الشعراء ما خفضوه وخرجوا عن الضرورة؟
_________________
(١) البيت منسوب إلى مسكين الدارمي ٥٣، ابن يعيش ٣/ ٧٩؛ لسان العرب وتاج العروس (غوط).
(٢) البيت منسوب للعباس بن مرداس السلمي في ديوانه ١١٠، والخزانة ٣/ ٤٣٨.
[ ٣ / ١٤٥ ]
فالجواب عن ذلك أن قوله:
آبك أيّة بي أو مصدّر
كان حق المصّدّر أن يكون منصوبا؛ لأنه بمنزلة: امرر بي وزيدا؛ لأن أيّه فعل معناه صح بي أو زيدا، على معنى: ادعني أو زيدا. يقال: أيّهت بالإبل: صحت بها، وإنما خفضه ضرورة لخفض القوافي، ومعنى آبك: ويلك، والمصدّر: العظيم، والجأب والحشور:
الغليظ. قال الشاعر في آبك، وأنشده أبو زيد:
فآبك هلا والليالي بغرّة صحوت وفي الأيام عنك غفول (١)
وأمّا: فاذهب فما بك والأيام، وما بينها والكعب، فليس قبلهما فعل يحملان عليه وينصبان، فالضرورة حملهما على الخافض.
والتأكيد للمضمر المجرور لا يحسّن عطف الظاهر عليه كما حسّنه في المرفوع؛ لأن المرفوع بالفعل قد يكون غير متصل بالفعل الرافع له الظاهر منه والمضمر، وإنما استحسن توكيده؛ لأن التوكيد خارج عن الفعل، فيصيّره بمنزلة الفاعل الذي ليس متصلا، فيعطف عليه كما يعطف على ما ليس بمتّصل من الفاعلين، والمجرور لا يكون إلا متصلا بالجارّ، فلا يخرجه التوكيد إلى شبه ما ليس بمتصل، وباقي الباب مفهوم من كلام سيبويه.