اعلم أن " إلا " يكون الاسم بعدها على وجهين:-
فأحد الوجهين: ألا تغير الاسم عن الحال التي كان عليها قبل أن تلحق وكذلك " إلا " ولكنها تجيء لمعنى. كما تجيء " لا " لمعنى.
والوجه الآخر: أن يكون فيه الاسم بعدها خارجا مما دخل فيه ما قبله عاملا فيه ما قبله من الكلام. كما تعمل " عشرون " فيما بعدها إذا قلت: " عشرون درهما ".
فأما الوجه الذي يكون فيه الاسم بمنزلته قبل أن تلحق " إلا " فهو أن تدخل الاسم في شيء تنفي عنه ما سواه. وذلك قولك: ما أتاني إلا زيد. وما لقيت إلا زيدا.
وما مررت إلا بزيد. تجري الاسم مجراه إذا قلت ما أتاني زيد. وما لقيت زيدا. وما مررت بزيد. ولكنك أدخلت " إلا لتوجب الأفعال لهذه الأسماء ولتنفى ما سواها.
فصارت هذه الأسماء مستثناة. فليس في هذه الأسماء في هذا الموضع وجه سوى أن تكون على حالها قبل أن تلحق " إلا ". لأنها بعد " إلا " محمولة على ما يجر ويرفع وينصب كما كانت محمولة عليه قبل أن تلحق " إلا " ولم تشغل عنها قبل أن تلحق " إلا " الفعل بغيرها ".
قال أبو سعيد: " إلا " أم حروف الاستثناء. والاستثناء: هو إخراج الشيء مما دخل فيه هو وغيره بلفظ شامل لهما. أو إدخال فيما خرج عنه هو وغيره بلفظ شامل لهما.
وقسم سيبويه الاسم الذي بعد " إلا " على وجهين:
[ ٣ / ٤٧ ]
أحدهما: أن لا يتغيّر عما كان عليه قبل دخولها.
والآخر: يتغير عما كان عليه قبل دخولها.
وأفرد هذا الباب بالاسم الذي تدخل عليه " إلا " فلا تغيره عما كان عليه. وذلك كل ما كان فيه ما قبل " إلا " محتاجا إلى ما بعده. وذلك قولك: ما أتاني إلا زيد. وما لقيت إلا زيدا، وما مررت إلا بزيد، ثم جعل أبوابا يختلف فيها حكم الأسماء بعدها. وستقف على واحد واحد منها إن شاء الله.
قال أبو سعيد: وقد سمي هذا الباب استثناء ولم يذكر المستثنى منه. ولقائل أن يقول كيف جاز أن يستثني الشيء من لا شيء؟
فيقال له: هذا. وإن حذف واعتمد لفظ ما قبل حرف الاستثناء على الاسم الذي بعده في العمل فلا يخرجه ذلك من معنى الاستثناء. كما أن الفعل إذا حذف فاعله وبني للمفعول فرفع به وقيل: ضرب زيد. وقتل عمرو. لم يخرجه ذلك من أن يكن مفعولا.
لأنه قد أحاط العلم أن فعلا وقع به من فاعل ثم حذف الفاعل واحتيج إلى بناء الفعل للمفعول فرفع به وكذلك لما حضر حرف الاستثناء الذي يدل على ما بعده يثبت له ما ينفى عن كل ما سواه لأنه لما قيل: " ما قام إلا زيد ". فعلم أن القيام أثبت لزيد وحده ونفي عن غيره، وكان ذكر ما نفي عنه القيام وتركه في المعنى سواء.
بقي تصحيح اللفظ عند حذفه: وتصحيح اللفظ: ألا يعرى الفعل من فاعل. وليس في الكلام فاعل سوى ما بعد " إلا "
فجعل فاعله.
فإن قال قائل: إذا كان الغرض إثبات الفعل لما بعد " إلا " فكأنه يكفي من ذلك أن يؤتى بفعل وفاعل فيقال: قام زيد وذهب عمرو ولا يؤتى بحرف الاستثناء؟
قيل له: في ذكر الاستثناء فائدتان:
أحدهما: إثبات الفعل لما بعد " إلا ".
والأخرى: نفيه عمن سواه.
لأن قولك: قام زيد " وذهب عمرو " ليس فيه دلالة على أن " غير " زيد " لم يقم وغير عمرو لم يذهب. والله أعلم.