" وذلك قولك: ما أتاني أحد إلا زيد، وما مررت بأحد إلا عمرو، وما رأيت أحدا إلا عمرا. جعلت المستثنى بدلا من الأول فكأنك قلت: ما مررت إلا بزيد. وما
[ ٣ / ٤٨ ]
لقيت إلا زيدا، كما أنك إذا قلت: مررت برجل زيد. فكأنك قلت: مررت بزيد.
فهذا وجه الكلام. أن تجعل المستثنى بدلا من الذي قبله؛ لأنك تدخله فيما أخرجت منه الأول، ومن ذلك قولك: " ما أتاني القوم إلا عمرو " وما فيها القوم إلا زيد. وليس فيها القوم إلا أخوك. وما مررت بالقوم إلا أخيك، فالقوم هاهنا بمنزلة أحد.
ومن قال: ما أتاني القوم إلا أباك. لأنه بمنزلة قوله أتاني القوم إلا أباك. فإنه ينبغي له أن يقول: " ما فعلوه إلا قليلا منهم " وحدثني يونس: أن أبا عمرو كان يقول:
الوجه: ما أتاني القوم إلا عبد الله. ولو كان هذا بمنزلة " أتاني القوم " لما جاز أن تقول ما أتاني أحد، كما أنه لا يجوز أن تقول أتاني أحد، ولكن المستثنى في ذا الموضع مبدل من الاسم الأول، ولو كان من قبل الجماعة لما قلت: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ (١) ولكان ينبغي له أن يقول: ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد؛ لأنه ذكر واحدا.
ومن ذلك أيضا: " ما منهم أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد " وما منهم خير إلا زيد، إذا كان زيد هو الخبر.
وتقول: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله، وما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا.
هذا هو وجه الكلام. وإن حملته على الإضمار الذي في الفعل فقلت: " ما رأيت أحدا يقول ذلك إلا زيد " فعربي. قال عدي بن زيد:
في ليلة لا نرى بها أحدا يحكي علينا إلا كواكبها (٢)
وكذلك: " ما أظن أحدا يقول ذلك إلا زيدا. وإن رفعت فجائز حسن. وكذا: ما علمت أحدا يقول ذاك إلا زيدا، وإن شئت رفعت.
وإنما اختير النصب هاهنا لأنهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه، وأن لا يكون بدلا إلا من منفي، والمبدل منه منصوب منفي ومضمره مرفوع. فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا منه؛ لأنه هو المنفي وهذا وصف أو خبر.
_________________
(١) سورة النور، من الآية ٦.
(٢) البيت في ديوانه ١٩٤، والخزانة ٢/ ١٢، وفيه نسب إلى أحيحة بن الجلاح الأنصاري.
[ ٣ / ٤٩ ]
وقد تكلموا بالآخر؛ لأن معناه النفي، إذا كان وصفا لمنفي، كما قالوا قد عرفت زيدا أبو من هو؟ لما ذكرت لك؛ لأن معناه معنى المستفهم عنه.
وقد يجوز ما أظن أحدا فيها إلا زيدا. ولا أحد منهم اتخذت عنده يدا إلا زيد على قوله: " إلا كواكبها ".
وتقول: ما ضربت أحدا يقول ذاك إلا زيد، لا يكون في ذا إلا النصب؛ وذلك لأنك أردت في هذا الموضع أن تخبر بموقوع فعلك. ولم ترد أن تخبر أنه ليس يقول ذاك إلا زيد. ولكنك أخبرت أنك ضربت ممن يقول ذاك زيدا.
والمعنى في الأول: أنك أردت أنه ليس يقول ذاك إلا زيدا، ولكنك قلت: رأيت أو ظننت أو نحوهما لتجعل ذاك فيما رأيت وفيما ظننت. ولو جعلت رأيت رؤية العين كان بمنزلة ضربت.
قال الخليل: ألا ترى أنك تقول: " ما رأيته يقول ذاك إلا زيد، وما أظنه يقوله إلا عمرو " فهذا يدلك على أنك إنما انتحيت على القوم ولم ترد أن تجعل عبد الله موضع فعل كضربت وقتلت، ولكنه فعل بمنزلة " ليس " يجيء لمعنى، وإنما يدل على ما في علمك.
وتقول: " أقل رجل يقول ذاك إلا زيد " لأنه صار في معنى: ما أحد فيها إلا زيد.
وتقول: " قلّ رجل يقول ذاك إلا زيد " فليس زيد بدلا من الرجل في أقل
ولكن قلّ رجل في موضع " أقل رجل " ومعناه كمعناه. وأقل رجل: مبتدأ مبني عليه.
والمستثنى بدل منه. لأنك تدخله في شيء يخرج منه من سواه.
وكذلك: أقل من يقول ذلك وقلّ من يقول ذلك، إذا جعلت " من " بمنزلة رجل.
حدثنا بذلك يونس عن العرب أنهم يجعلونه نكرة كما قال:
ربما تكره النفوس من الأم ر له فرجة كحلّ العقال (١)
ويروى: تجزع النفوس فجعل " ما " نكرة ".
قال أبو سعيد: الذي جعله سيبويه بدلا في أول هذا الكتاب من قوله: ما أتاني أحد إلا زيد. وما مررت بأحد إلا عمرو، جعله الكسائي والفراء عطفا.
_________________
(١) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ٥٠، ومعجم الأدباء ١/ ١٨٦، ومعجم الشعراء ٧٢.
[ ٣ / ٥٠ ]
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: فكيف يكون بدلا والأول منفي وما بعد " إلا " موجب؟
فالجواب عما قاله أحمد بن يحيى: أنه بدل منه في عمل العامل فيه وذاك أنا إذا قلنا:
ما أتاني أحد. فالرافع " لأحد " هو " أتاني " أيضا فكل واحد من " أحد " و" زيد " يرتفع ب " أتاني " إذا فرد به.
فإذا ذكرناهما جميعا فلا بد من أن يكون الأول منهما يرتفع بالفعل؛ لأنه يتصل به.
ويكون الثاني تابعا له. كما يتبعه إذا قلنا: جاءني أخوك زيد. لا يقال: زيد فاعل؛ لأن أخوك باتصاله بالفعل صار فاعلا، وزيد بدل منه، وأما اختلافهما في النفي والإيجاب فلا يخرجهما عن البدل؛ لأن مذهب البدل في ذلك أن تقدر الأول في تقدير ما لم يذكر.
والثاني في موضعه الذي رتب فيه.
فإن كان الفعل الذي ارتفع به الأول إذا لم يذكر الأول عمل في الثاني في موضعه الذي رتب فيه علمنا متى ذكر أن الثاني بدل منه؛ لأن الفاعل لا يكون أكثر من واحد.
وقد يقع في العطف والصفة ما يكون الأول موجبا والثاني منفيّا.
فأما العطف: فجاءني زيد لا عمرو. ومررت بزيد لا عمرو، فالأول موجب والثاني منفيّا، واختلفا في النفي والإيجاب لدخول " لا " بينهما وأحدهما معطوف على الآخر.
وتقول في الصفة: " مررت برجل لا كريم ولا لبيب " " فكريم " خفض لأنه صفة لرجل وأحدهما موجب والآخر منفي، وقد يجوز النصب فيما يختار فيه البدل. كقولك:
ما أتاني أحد إلا زيدا: وما مررت بأحد إلا زيدا ".
وإنما اختير البدل؛ لأن البدل والاستثناء في المعنى واحد. وفي البدل فضل موافقة ما قبل " إلا " لما بعدها في اللفظ،
ويقويه أيضا: إجماع القراء والمصاحف على: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ (١) إلا أهل الشام ومصحفهم. فإنهم قرأوا: " إلا قليلا منهم " وكذلك هو في مصحفهم وقرأ القراء وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ (٢).
وحكى سيبويه عمن لم يسمعه من النحويين: أن المنفي إذا جاز في لفظه الإيجاب لم يجز فيه البدل، ولم يكن غير النصب كقولك: ما أتاني القوم إلا أباك؛ لأنه بمنزلة:
" أتاني القوم لا أباك ".
_________________
(١) سورة النساء، من الآية ٦٦.
(٢) سورة النور، من الآية ٦.
[ ٣ / ٥١ ]
والقول الذي ذهب إليه سيبويه هو الصحيح وشاهده القرآن والقياس.
فأما القرآن فقوله ﷿: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: ٦٦] فرفع.
وفعلوه يقع في الإيجاب، وأما القياس: فإنه قد أحاط العلم أنا إذا قلنا: " ما أتاني أحد " فقد دخل فيه القوم وغيرهم. فإنما ذكرنا في بعض ما اشتمل عليه أحد مما يستثنى بعضه.
وقد احتج عليهم سيبويه ببعض ما ذكرناه. وبأن قال: كان ينبغي لمن قال ذلك أن يقول: " ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد ".
والصواب: نصب زيد. " ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدا ". لأنك لما قلت: ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك، صار الكلام موجبا لما استثني من المنفي. وكأنه قال: كلهم قالوا ذاك. فاستثنى " زيدا " من شيء موجب في الحكم فنصب. وإنما ذكر هذا لأنه ألزم القائل بما ذكر من جواز " ما أتاني أحد إلا زيد " ومنع: " ما أتاني القوم إلا زيدا " بأن قال:
إن كان وجوب النصب لأن الذي قبل " إلا " جمع فقد قال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ [النور: ٦] فرفع بعد الجمع.
وإن كان جواز الرفع والبدل لأن الذي قبل " إلا " واحد فينبغي أن يجيزوا الرفع في قولهم: ما أتاني أحد إلا قال ذاك إلا زيد " والواجب فيه النصب.
وإنما ألجأهم سيبويه إلى أن يقولوا: إن الذي يوجب البدل أن يكون ما قبل " إلا " منفيّا فقط، جمعا كان أو واحدا.
وذكر سيبويه في النفي ما يكون له اسم ظاهر واسم مكني متعلقان بعاملين مختلفين.
فيجوز البدل من أي الاسمين شئت، ولم يجز في بعضه البدل إلا من أحد الاسمين دون الآخر.
فأما الذي يجوز فيه البدل من أي الاسمين شئت فهو الذي كل واحد من عاملي الاسمين مجحود في المعنى.
وأما الذي لا يكون البدل إلا من أحد الاسمين فهو الذي عامل أحد الاسمين مجحود وعامل الآخر غير مجحود، فتبدل من الاسم الذي عامله مجحود دون الآخر.
فمما يبدل من الاسمين فيه قوله: ما منهم أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد " ويجوز خفض " زيد " فرفعه على أن تبدل من " أحد " وخفضه على أن تبدله من الهاء في عنده؛ لأن المعنى: ما اتخذت عند أحد يدا إلا زيد.
وكذلك: كل مبتدإ دخل عليه حرف الجحد ثم وقع على ضميره شيء من خبره كان لك أن تبدل منه أو من ضميره كقولك: " ما أحد منهم ضربته إلا زيد وإلا زيدا " وما
[ ٣ / ٥٢ ]
أحد منهم مررت به إلا زيد وإلا زيدا " لأن المرور في المعنى مجحود ومعناه: ما مررت بأحد منهم إلا زيد ".
وتقول: " ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا " على البدل من " أحد " وهو أجود.
ويجوز الرفع على البدل من الضمير الذي في " يقول ".
و" رأيت " بمعنى: علمت. وإنما دخل على مبتدإ وخبر وما كان من أفعال الظن والعلم الذي يقع على مفعولين، فالمعتمد بالنفي والإثبات هو المفعول الثاني. فصار كأنه قال ما يقول ذاك أحد فيما رأيت إلا زيد " وأحد " بمنزلة الضمير الذي في " يقول " حين قلت " ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيد " وقوله:
في ليلة لا نرى بها أحدا يحكي علينا إلا كواكبها (١)
الشاهد فيه: أنه أبدل " كواكبها " من الضمير في " يحكي " لأن أحدا كأنه مبتدأ وإن وقعت عليه الرؤية وهي رؤية القلب، وكأنه قال: لا يحكي علينا أحد إلا كواكبها.
وقد عرفتك أن ما وقع على ضمير الاسم المبتدإ المجحود وخبره. بمنزلة المجحود.
وما وقع على المبتدإ والخبر من أفعال الظن والعلم لا يخرجه عن ذلك الحكم.
والاختيار أن يكون البدل من الاسم الأول الذي وقع عليه حرف النفي؛ لأن البدل منه محمول على اللفظ. والآخر محمول على المعنى. والحمل على اللفظ هو الظاهر من الكلام.
ومن ذلك: ما أظن أحدا فيها إلا زيدا، هو الأجود؛ لأنه بدل من اللفظ. ويجوز:
إلا زيد بالرفع بدل من الضمير في " فيها "؛ لأن معناه: استقر ". وفي " استقر " ضمير فاعل.
والبدل منه هو المقصود بالنفي. وهو ضمير " أحد " الذي وقع عليه الظن. وأحد في معنى مبتدإ؛ لأن الظن قد يلغى.
ومما قوى سيبويه به البدل من الاسمين في أفعال الظن والعلم في النفي أنك تقول ما رأيته يقول ذاك إلا زيد، وما أظنه يقوله إلا عمرو.
وذلك أن الهاء ضمير الأمر والشأن. ورأيت بمعنى علمت، والاعتماد على ما بعد رأيته وأظنه فكأنه قال: ما يقول ذاك زيد. فهذا يدل على جواز البدل من الضمير الذي في " يقول " من قوله: " ما ظننت أحدا يقول ذاك إلا زيد ".
وأما ما لا يبدل إلا من اسم واحد وقع عليه لفظ النفي فقولك: ما ضربت أحدا
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٥٣ ]
يقول ذاك إلا زيدا، لا يكون فيه إلا النصب؛ لأن الضرب هو المنفي في المعنى والقول ليس بمنفي ألا ترى أنك تقول: " ما أوذي أحدا يوحد الله تعالى " وقد علم أنه لم يقصد إلى نفي من يوحد الله. وإنما نفي أداة لهم، فلم يجز البدل إلا من " أحد " لأنه هو الذي وقع به الفعل المنفي وهو الأذى.
وقوله: " أقل رجل يقول ذاك إلا زيد " لا يصح البدل من لفظه؛ لأنا إن أبدلنا " زيدا " من " أقل رجل " لطرحناه في التقدير فبقي: " يقول ذاك إلا زيد " وهذا لا يصح ولكنا نرده إلى معناه ونفصّله بما يصح معه البدل. " وأقل " ينصرف على معنيين.
أحدهما: النفي العام.
والآخر: ضد الكثرة.
فإذا أريد النفي العام جعل تقديره: ما رجل يقول ذاك إلا زيد. كما تقول: " ما أحد يقول ذاك غلا زيد ".
وإن أريد به ضد الكثرة فتقديره: " ما يقول ذاك كثير إلا زيد " ومعناهما يؤول إلى شيء واحد؛ لأنه إذا أبدل زيدا في الاستثناء فقد أبطل الذي قبله، فكأنه يقول: " ما يقول ذاك إلا زيد، ألا ترى أنه إذا قال: " ما أتاني القوم إلا زيد " فكأنه قال: ما أتاني أحد منهم إلا زيد.
وقوله وكذلك " أقل من " " وقلّ من " إذا جعلت من نكرة بمنزلة " رجل " فإن " من " إذا كانت بمنزلة " رجل " لزمته الصفة، فإذا قلت: أقل من يقول ذاك، صار يقول ذاك " صفة لمن " ويبقى " أقل " بلا خبر. وإذا قلت: أقل رجل يقول ذاك " فرجل " غير محتاج إلى صفة. " ويقول ذاك " خبر " أقل ". و" زيد " بدل من " أقل " كما ذكرنا.
وأقل من يقول ذاك، لم يتم به الكلام، وتمامه في قولك: " إلا زيد " فيصير بمنزلة " ما أخوك إلا زيد ".
وأما " قول من يقول ذاك " فهذا كلام تام؛ لأنه فعل وفاعل.
فإن قال قائل: لم أبدلت العرب من المنفي ولم تبدل من الموجب فيقال: أتاني القوم إلا زيد؟
قيل له: لأن المنفي يصح حذف الاسم المبدل منه قبل " إلا " ولا يصح ذلك في الموجب. لا يقال: أتاني إلا زيد. وإنما جاز: ما أتاني إلا زيد .. ولم يجز " أتاني إلا زيد " لأن النفي الذي قبل إلا قد وقع على ما لا يجوز إثباته من الأشياء المتضادة. ولا يجوز إثبات ما يتضاد.
[ ٣ / ٥٤ ]
فإذا قلنا: " ما أتاني إلا زيد " فكأنك قلت: ما أتاني رجل وحده ولا رجلان مجتمعون ولا متفرقون، فإذا ثبتنا على هذا الحد فقلنا أتاني إلا زيد. فقد أوجبت إتيان الناس كلهم على هذه الأحوال المتضادة، وذلك لا يجوز ولا يقصد.
وبذلك على الفرق بينهما: أنك تقول: " ما زيد إلا قائم " فتنفي عنه القعود والاضطجاع. ولا تقول: زيد إلا قائم، فتوجب له حال إلا القيام. وهذا محال لاجتماع القعود والاصطجاع فيما توجبه له. فتأمل ذلك إن شاء الله تعالى.