وذلك قولك لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا.
والدليل على أنه وصف: أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا، وأنت تريد الاستثناء لكنت قد أحلت.
ونظير ذلك قوله ﷿: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢].
ونظير ذلك من الشعر قوله وهو ذو الرمة:
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها (١)
كأنه قال: قليل بها الأصوات غير بغامها. إذا كانت (غير) غير استثناء.
ومثل ذلك قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (٢)
وقوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (٣) ومثل ذلك من الشعر قول لبيد بن ربيعة:
وإذا أقرضت قرضا فاجزه إنما يجزى الفتى غير الجمل (٤)
_________________
(١) البيت في ديوانه ٦٣٨، والخزانة ٢/ ٥١، واللسان (بغم).
(٢) سورة النساء، من الآية ٩٥.
(٣) سورة الفاتحة، من الآية ٧.
(٤) البيت في ديوانه ص ١٢ برواية: فإذا جوزيت قرضا، والخزانة ٤/ ٦٨، والعيني ٤/ ١٧٦.
[ ٣ / ٧٦ ]
وقال أيضا:
لو كان غيري سليمى اليوم غيره وقع الحوادث إلا الصارم الذّكر (١)
كأنه قال: لو كان غيري غير الصارم الذكر لغيره وقع الحوادث إذا جعلت غيرا الآخرة صفة للأولى.
والمعنى: أنه أراد أن يخبر أن الصارم الذكر لا يغيره شيء، وإذا قلت:
ما أتاني أحد إلا زيد فأنت بالخيار، إن شئت جعلت (إلا زيدا) بدلا. وإن شئت جعلته صفة. ولا يجوز أن تقول: ما أتاني إلا زيد.
وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة (مثل) إنما يجوز ذلك صفة.
ونظير ذلك من كلام العرب (أجمعون) لا يجري في الكلام إلا على اسم. ولا يعمل فيه ناصب ولا جار ولا رافع.
وقال عمرو بن معديكرب:
وكلّ أخ مفارقه أخوه لعمرو أبيك إلّا الفرقدان (٢)
كأنه قال: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. إذا وضعت به (كلا). كما قال الشماخ:
وكلّ خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارز (٣)
ولا يجوز رفع (زيد) على (ألا أن يكون) لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه؛ لأن (أن) يكون بعض اسمه.
قال أبو سعيد: لا يكون في (لو) بدل بعد (إلا) لأنها في حكم اللفظ تجري مجرى الموجب. وذلك أنها شرط بمنزلة (أن) ولو قلت: (أن أتاني رجل إلا زيد خرجت) لم يجز؛ لأنه يصير في التقدير: أن أتاني إلا زيد خرجت. كما لا يجوز: أتاني إلا زيد. فهذا وجه من الفساد فيه.
وفيه وجه آخر من فساده: أنه إذا قال: (لو كان معنا إلا زيد لهلكنا) وهو يريد الاستثناء لكان محالا؛ لأنه يصير في المعنى: لو كان معنا زيد فهلكنا؛ لأن البدل بعد (إلا) في الاستثناء موجب.
_________________
(١) البيت في المغني ١/ ٧٢، والأشموني ٢/ ١٥٦، واللسان (إلا).
(٢) البيت في الخزانة ٢/ ٥٢، وابن يعيش ٢/ ٨٩، ومغني اللبيب ١/ ٧٢.
(٣) البيت في ديوانه ٤٣، واللسان (عرز).
[ ٣ / ٧٧ ]
وكذلك: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١).
لو كان على البدل لكان على التقدير: لو كان فيهما الله لفسدتا. وهذا فاسد.
وأما قوله: قليل بها الأصوات إلا بغامها.
ففيه وجهان: أحدهما: ما قاله سيبويه، وإذا كان على ما قاله فقد أثبت بها أصواتا قليلة. وجعل (إلا بغامها) نعتا للأصوات.
والوجه الثاني: أن يكون (قليل) بمعنى النفي فيكون بمعنى: ما بها أصوات إلا بغامها، وهو استثناء وبدل صحيح كما تقول: أهل رجل يقول ذاك إلا زيد.
وأما قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (٢) فلا يكون (غير) إلا نعتا؛ لأنه لو كان بدلا على طريق الاستثناء لكان التقدير: لا يستوي أولو الضرر. وهذا غير ما يراد من هذا؛ لأن المعنى: لا يستوي القاعدون الذين ليس بأولي ضرر والمجاهدون.
وأما قوله:
لو كان غيري سليمى غيره
فإن (سليمى) نداء لا يعتد به في الكلام. وقائل هذا الشعر كأنه نابته شدة فصبر لها وثبت عندها ولم تضعضعه. فقال:
لو كان غيري في هذه الشدة لضعضعته
وغيرته إلا أن يكون غيري الذي يقع في هذه الشدة. الصارم الذكر فإنه مثلي لا تغيره هذه الشدة، والشدة التي مثلتها: هي وقع الحوادث الذي في البيت.
وتقديره الذي يقربه من الفهم: لو كان غيري المحالف للصارم الذكر لغيره وقع الحوادث وضره .. لو كان غيري المماثل للصارم الذكر لم يغيره وقع الحوادث كما لم يغيرني.
وقوله: ولا يجوز: ما أتاني إلا زيد وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة (مثل) إنما يجوز ذلك صفة ونظير ذلك من
كلام العرب (أجمعون).
يريد: أن (إلا) وما بعدها إنما تكون صفة إذا كان ما قبلها اسم موصوف مذكور، كما أن (أجمعين) لا يكون إلا تابعا للأسماء المذكورة قبله. ولا يقام مقام المنعوت كما
_________________
(١) سورة الأنبياء، من الآية ٢٢.
(٢) سورة النساء، من الآية: ٩٥.
[ ٣ / ٧٨ ]
يقام (مثل) و(غير) مقام المنعوت في قولك:
مررت بمثل زيد. وبغير زيد. تريد: برجل مثل زيد. وبرجل غير زيد.
لأن (مثلا) و(غيرا) اسمان ينعت بهما. وهما يتصرفان تصرف الأسماء والأحرف.
وإنما ينعت بهما حملا على (غير) لأن (غير) قد حمل عليه في الاستثناء. فلما كان نفس (غير) إذا لم تكن قبلها اسم لم يكن نعتا. إذ النعت يقتضي منعوتا قبله. لم يكن المشبه به نعتا.
وليس باسم يلحقه ما يلحق الأسماء من دخول حرف الجر عليه فلم يجز: (ما مررت بإلا زيد) كما جاز: (ما مررت بمثل زيد) و(بغير زيد).
ومما يوصف به، ولا يقوم الموصوف مقام الأسماء والأفعال والظروف غير المتمكنة والجمل.
تقول: مررت برجل يضحك. ومررت برجل عندك. ومررت برجل أبوه جمال.
ولا تقول: مررت بيضحك. ولا (مررت بعندك). ولا (مررت بأبوه جمّال).
وقوله: وكل أخ مفارقه أخوه إلا الفرقدان
فتقديره: فكل أخ إلا الفرقدان مفارقه أخوه.
و(إلا) صفة ل (كل) و(مفارقه) خبر. ولو كان صفة (لأخ) لقال: (إلا الفرقدين) لأن ما بعد (إلا) يعرب بإعراب (غير) الذي يقع في موقعه. فالمرفوع نعت (كل) والمخفوض نعت (أخ). وهذا الشاعر الجاهلي لا يقول بالبعث ولا بفناء الدنيا. ويجوز أن يكون أراد: لا يتفرقان ما دامت الدنيا.
وقد كنت ذكرت في بعض أبواب الجر ما يجوز نعته من المعارف (بغير) وحكم (غير) من التعريف والتنكير بما أغني عن إعادته.
وقوله: وإذا قلت: ما أتاني أحد إلا زيد، فأنت بالخيار إن شئت جعلت (إلا زيدا) بدلا. وإن شئت جعلته صفة. وقد
مضى الكلام على هذين الوجهين.
قال: ولا يجوز رفع زيد على (إلا أن يكون).
كأن قائلا اعتقد أن زيدا في قولنا: ما قام أحد إلا زيد (يرتفع بأن تقدر بعد (إلا) أن يكون زيد فيرتفع زيد. ب (يكون) فأنكر سيبويه ذلك وقال: (أن يكون) اسم و(زيد) من تمامه. وهو بمنزلة الموصول الذي يكون هو وصلته بمنزلة اسم واحد.
فبعض الاسم قد حذف. وهو (أن يكون) وبقية الاسم: (زيد) ولا يجوز حذف الموصول وترك بعض صلته.
[ ٣ / ٧٩ ]