وذلك قولك: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه، كأنك قلت: مررت بقوم زيد خير منهم. إلا أنك أدخلت (إلا) لتجعل (زيدا) خيرا من جميع من مررت به.
ولو قال: مررت بناس زيد خير منهم لجاز أن يكون قد مر بناس آخرين هم خير من زيد. فإنما قال: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه؛ ليخبر أنه لم يمرر بأحد يفضل زيدا.
ومثل ذلك قول العرب: والله لأفعلن كذا وكذا إلا حلّ ذلك أن أفعل كذا وكذا.
فإن (أفعل كذا وكذا) بمنزلة فعل كذا وكذا وهو مبني على (حل) و(حل) مبتدأ، كأنه قال: ولكن حل ذلك أن أفعل كذا وكذا.
وأما قولهم: والله لا أفعل إلا أن تفعل. فإن (تفعل) في موضع نصب والمعنى:
حتى تفعل، أو كأنه قال: أو تفعل والأول مبتدأ مبنّي عليه.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٨٧ ]
قال أبو سعيد: قد ذكرنا أن حروف الاستثناء تدخل بين الاسم وخبره والحال وصاحبه. ومن الحال المبتدأ وخبره، فإذا قلت: (ما مررت بأحد إلا زيد خير منه) ف (زيد خير منه) مبتدأ وخبر. ويجوز أن تدخل عليه الواو كما تدخل على المبتدإ الذي في معنى الحال فتقول: ما مررت بأحد إلا وزيد خير منه.
قال الشاعر:
ما أعطياني ولا سألتهما إلّا وإنّي لحاجزي كرمي (١)
وعلى هذا يجوز أن تقول: (ما كلمت أحدا إلا وزيد حاضر) ولا يجوز حذف الواو من هذا كما جاز حذفها من الأول؛ لأن هذا ليس فيه ذكر يعود إلى الأول، وإنما يربطه به الواو، والأول فيه ذكر يرجع إلى الأول، فأنت مخير في ذكر الواو وتركها.
وأما قولهم: والله لأفعلن كذا وكذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا وكذا. (حل) مبتدأ و(أن) خبره و(إلا) في معنى (لكن).
وإنما دخلت (إلا) بمعنى (لكن) لأن ما بعدها مخالف لما قبلها. وذلك أن قوله:
والله لأفعلن كذا وكذا عقد يمين عقده على نفسه، و(حله) إبطاله ونقضه كأنه قال: علي فعل كذا معقود. ولكن بطلان العقد كذا. وهذا مذهب (لكن) ومعناه فقد ذكرنا نحوه.
وأما قوله: (والله لا أفعل إلا أن تفعل) فتقديره: لا أفعل إلا بعد فعلك أو إلا مع فعلك. ف (أن) وما بعدها منصوب على الظرف، وتقديرها تقدير مصدر وضع موضع ظرف زمان كقولك: والله لا أفعل كذا وكذا إلا مقدم الحاج وإلا خفوق النجم. وما أشبه ذلك، على معنى: إلا وقت مقدم الحاج ووقت خفوق النجم.