قال سيبويه: (وذلك قولك: رأيته إيّاه نفسه، وضربته إياه قائما.
وليس هذا بمنزلة قولك: أظنّه هو خيرا منك، من قبل أنّ هذا موضع فصل، والمضمر والمظهر في الفصل سواء. ألا ترى أنّك تقول: رأيت زيدا هو خيرا منك،
[ ٣ / ١٥٢ ]
وقال تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ (١).
وإنما يكون الفصل في الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء.
فأمّا ضربت وقتلت ونحوهما فإن الأسماء بعدها بمنزلة المبنيّ على المبتدإ، وإنّما كان يذكر قائما بعد ما يستغنى الكلام ويكتفي، وينتصب على أنّه حال، فصار هذا كقولك: رأيته إيّاه يوم الجمعة.
وأمّا نفسه حين قلت: رأيته إيّاه نفسه، فوصف بمنزلة هو، وإياه بدل، وإنما ذكرتهما توكيدا، كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٢)؛ إلا أنّ إيّاه بدل والنفس وصف، كأنك قلت: رأيت الرجل زيدا نفسه، وزيد بدل ونفسه على الاسم.
وإنّما ذكرت هذا للتمثيل. وإنما كان الفصل في أظنّ ونحوه لأنّه موضع يلزمه فيه الخبر، وهو ألزم له من التوكيد؛ لأنه لا يجد منه بدا. وإنما فصل لما لا بدّ له منه، ونفسه يجزئ من إيّا، كما تجزئ منه الصفة؛ لأنّك جئت بها توكيدا وتوضيحا، فصارت كالصّفة.
ويدلّك على بعده أنك لا تقول: إنك أنت إياك خير منه. فإن قلت: أظنه هو خيرا منه، جاز أن تقول: إياه؛ لأن هذا ليس موضع فصل، واستغنى الكلام به، فصار كقولك: ضربته، وكان الخليل يقول: هي عربيّة: إنك أنت إياك خير منه: فإذا قلت:
إنك فيها إياك، فهو مثل أظنّه خيرا منه، يجوز أن تقول: إياك.
ونظير إيّا في الرفع: أنت وأخواتها.
واعلم أنها في الفعل أقوى منها في أن تغني إيا في البدل وغيره، ويدلك على أن الفصل كالصفة أنه لا يستقيم أن تقول: أظنّه هو إياه خيرا منك، إذا كان أحدهما لم يكن الآخر، ولا يجوز: أظنّه هو هو أخاك، إذا جعلت إحداهما
صفة والأخرى فصلا؛ لأنّ كل واحدة منهما تجزئ من أختها).
قال أبو سعيد: بدأ سيبويه في هذا الباب بالفعل الذي لا يجوز فيه الفصل، ويجوز فيه التّوكيد والبدل، وهو كلّ فعل لم يتعلق باسمين أحدهما هو الآخر، فإذا تعلّق الفعل بمفعول واحد أو تعلّق بمفعولين أحدهما غير الآخر لم يكن فيه فصل.
_________________
(١) سورة سبأ، من الآية: ٦.
(٢) سورة الحجر، الآية: ٣٠، وسورة ص، الآية: ٧٣.
[ ٣ / ١٥٣ ]
فالمتعلق بالمفعول الواحد قولك: (من رؤية العين)، وضربته، وأكرمته.
والمتعلق بالمفعولين وأحدهما غير الآخر: أعطيت زيدا درهما، وألبست أخاك ثوبا.
وأما ما يقع الفصل فهو ما كان من الفعل متعلقا باسمين أحدهما هو الآخر، والثاني منهما خبر الاسم الأوّل، ويدخل الفصل بعد الاسم الأول ليؤذن أنّ الاسم قد تمّ وبقي الخبر حسب، وقد ضمّن سيبويه أحكامه ومسائله الباب الذي يلي هذا.
والذي يسمّى فصلا هو ضمير الاسم الأوّل، يفصل به بين الاسم الأول والثاني، ولفظه كلفظ التّوكيد الذي هو ضمير الاسم الأول، غير أنّ التوكيد لا يدخل إلا على مضمر في كلّ فعل، والفصل يدخل بين الظاهرين وبين المضمرين.
وقوله: رأيت زيدا هو خيرا منك، وقول الله ﷿: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ (١) جميعا من رؤية القلب، و(هو) فيهما فصل، وفصل بين دخول إيّاه بين ضربته قائما، وبين دخول (هو) بين رأيت زيدا هو خيرا منك، فجعل الهاء في ضربته بمنزلة خبر المبتدإ في استغناء الكلام واكتفائه به، وجعل قائما حالا بعد أن استغنى الكلام، فلمّا بطل الفصل في ضربته قائما، جعل إياه بدلا من الهاء، فقال: ضربته إيّاه، وهو الذي للتّوكيد، وهو الذي للفصل، جميعه يراد به التوكيد، ولا يجتمعن. ونفسه أيضا للتوكيد، وفيها معنى التوكيد بالضمير، غير أنه يجوز أن يجمع بين نفسه وبين الضمير لأنّهما مختلفان: أحدهما مضمر، والآخر ظاهر، فيقال رأيته إياه نفسه، فإياه بدل، ونفسه وصف، وذكرهما توكيدا، كما قال ﷿: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٢) ولهذا قدّم توكيد الضّمير قبل النفس في المرفوع.
ومعنى قول سيبويه: (ونفسه تجزئ من (إيّا) كما تجزئ منه الصّفة) يريد أنّا إذا قلنا: رأيتك نفسك، أو رأيته
نفسه، أجزأت نفسك عن إيّاك، ويكون معنى: رأيتك نفسك، كمعنى رأيتك إياك، كما أنّ أنت إذا قلت: رأيتك أنت، أجزأت أنت عن أن تقول: رأيتك إيّاك؛ لأنّهما جميعا للتوكيد، غير أن النّفس يجوز أن يؤتى بها مع الضمير الذي للتّوكيد فيكون توكيدان، ولا يجوز أن يؤتى بضميرين متواليين للتّوكيد؛ لا تقول:
رأيتك أنت إياك، وقد تقدّم ذكر ذلك. ومعنى قول سيبويه: (ويدلّك على بعده أنّك لا
_________________
(١) سورة سبأ، الآية: ٦.
(٢) سورة الحجر، الآية: ٣٠.
[ ٣ / ١٥٤ ]
تقول: إنّك أنت إياك خير منه) يريد على بعد الجمع بين الصّفة والبدل الذي هو: إيّاك؛ لأنّك لا تقوله في: إنك أنت إياك خير منه. وقد أجازه الخليل لمّا اختلف اللفظان، أو لمّا اختلف مذهب التوكيد في الصّفة والبدل.
وقوله: (فإن قلت: أظنّه هو خيرا منه، جاز أن تقول إياه؛ لأنّ هذا ليس موضع فصل، واستغنى الكلام) فإن أصحابنا قد فسّروا أن مذهب سيبويه: أظنه هو خيرا منه إياه جائز، وأظنّه هو إيّاه خيرا منه لا يجوز، وإنما لم يجوّزوا الضميرين المجتمعين على مذهب سيبويه؛ لأنهما جميعا في موضع واحد، فسبيلهما سبيل اللام وإنّ في التوكيد؛ لا يجتمعان، فإذا فصل بينهم جاز، وإذا قلت: كنت أنت خيرا من زيد، أو ظننت أنا أشدّ من زيد، فإنّ أنت تكون بدلا من التاء، وتكون فصلا، وتكون صفة. وأيّ شيء عني به أغنى عن الباقي، ولا يجوز اجتماعها جميعا، لا اجتماع اثنين منها. فإن قلت: كنت أنت خيرا من زيد أنت، فجعلت أنت الأوّل فصلا، وأنت الأخير بدلا فهو عندي جائز، ومحلّه محلّ إياه المتأخّر عن موضع الفصل، واستواء اللّفظين لا يقدح في جوازه، وفيما ذكره أبو بكر مبرمان في تفسيره عن نفسه أو بعض من حمل عنه أنّه لا يجوز نحو ذلك لاتّفاق اللفظين، فالقول الصّحيح ما بدأت به. وباقي الباب مفهوم.