وذلك قولك: (ليس غير)، و(ليس إلّا) كأنه قال: ليس إلا ذاك، وليس غير ذاك، ولكنهم حذفوا ذاك تخفيفا. ومثل ذلك أيضا: ما منهم إلا قد قال ذاك، إنما يريد: ما منهم أحد إلا قد قال ذاك، ولكنه حذفه تخفيفا، واكتفاء بعلم المخاطب ما يعني.
وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: ما منهما مات حتى رأيته في حال كذا
_________________
(١) البيت ورد منسوبا لعقيبة بن هبيرة الأسدي، في الخزانة ٢/ ٢٦٠، ٤/ ١٦٥؛ ابن يعيش ٢/ ١٠٩، ٤/ ٩؛ الكتاب ١/ ٦٧، ٢/ ٢٩٢، ٣/ ٩١؛ ولسان العرب (غمز)؛ شرح المقتضب ٢/ ٣٣٧، ٤/ ١١٢.
[ ٣ / ٩١ ]
وكذا، وإنما يريد ما منهما واحد مات ومثل ذلك: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: ١٥٩]. ومثل ذلك من الشعر قول النابغة الذبياني:
كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشنّ (١)
أي كأنك جمل من جمال بني أقيش.
ومثل ذلك أيضا قوله:
لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسم (٢)
يريد: ما في قومها أحد، فحذفوا، كما قالوا: لو أنّ زيدا هاهنا، وإنما يريدون:
لكان، كذا وكذا. وقولهم: ليس أحد أي ليس: هاهنا أحد فكلّ ذا حذف تخفيفا، واستغناء بعلم المخاطب بما يعني.
ومثل البيتين الأولين قول الشاعر، وهو ابن مقبل:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح (٣)
وإنما يريد: فمنهما تارة أموت وأخرى
ومثل ذلك قولهم: ليس غير، هذا الذي أمس، يريد: الذي فعل أمس.
وقوله، وهو العجاج:
بعد اللّتيا واللّتيا والتي (٤)
فليس حذف المضاف إليه في كلامهم بأشدّ من حذف تمام الاسم.
قال أبو سعيد: الحذف الذي استعملوه بعد إلا وغير إنما يستعمل إذا كانت إلا وغير بعد ليس، ولو كان مكان ليس غيرها من ألفاظ الجحد لم يجز الحذف. لا تقول بدل ليس إلا: لم يكن إلا: لم يكن غير.
قال أبو الحسن الأخفش: إذا أضفت غير فقلت: غيره، أو غير ذلك أو نحوه، جاز
_________________
(١) البيت في الخزانة ٥: ٦٧/ ٦٩؛ ابن يعيش ٣/ ٥٩؛ الكتاب ٢/ ٣٤٥؛ تاج العروس (وقش، قعع، شنن)؛ المقتضب ٢/ ١٣٨.
(٢) البيت منسوب لحكيم بن معية الربعي، الخزانة ٥/ ٦٢، ٦٣؛ ابن يعيش ٣/ ٥٩؛ الكتاب ٢/ ٣٤٥.
(٣) البيت في الخزانة ٢٣١.
(٤) البيت في ديوانه ٦؛ الخزانة ٦/ ١٥٤؛ ابن يعيش ٥/ ١٤٠؛ الكتاب ٢/ ٣٥٧، ٣/ ٤٨٨؛ ولسان العرب (لتا)؛ المقتضب ٢/ ٢٨٩.
[ ٣ / ٩٢ ]
فيه الرفع والنصب. فأمّا من نصب فقال: جاءني زيد ليس غيره فإنه يضمر الاسم، فكأنه قال: ليس الجائي غيره، أو ليس الآمر غيره أو نحو ذلك. وأمّا من رفع فإنه يضمر الخبر المنصوب، ويقول: جاءني زيد ليس غيره أي ليس غير هذا صحيحا، أو نحو هذا مما يكون خبرا له، ويجوز عنده إذا أضاف غيرا أن يأتي بها بعد لم يكن، فتقول: جاءني زيد لم يكن غيره، وغيره: بالرفع والنصب على التفسيرين اللذين فسرنا، وزعم أنّ الضمير في كان كثير، نحو قولك: إن خيرا فخير وإن خير فخير على إن كان، وقال: تقول: جئتني ليس غيرك، وليس غيرك، ولم يكن غيرك، وغيرك. فإذا ذكر غير ولم يضفها فإن الأخفش أجاز فتحها وضمها على نية الإضافة، وشبّهها ب:
يا تيم تيم عديّ .. (١)
وزعم أن تيم الأول قد حذف منه المضاف إليه وبقي على لفظ ما هو مضاف غير منون. وذكر الأخفش أنّ بعضهم ينوّن غيرا؛ لأنه في اللفظ غير مضاف، وينبغي أن يكون تنوينه على وجهي الرفع والنصب جميعا.
وقال المجرمي: أخذت عشرة ليس إلا، وليس غير، يضمّون، وأجوده. ليس غيرها، وليس إلا إياها.
قال أبو سعيد: يقيسه على قولهم: أتاني القوم ليس زيدا، وباقي ما ذكره في الباب من الحذف مفهوم.
قال أبو سعيد: أكثر ما يأتي الحذف مع من؛ لأنّ من تدل على التبعيض، وأقلّ أجزاء العدد واحد، وقد جاء في القرآن وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به وجاء الحذف مع في، وليس مثل من في الكثرة.
وقوله: فمنهما أموت، أي: فمنهما تارة أموت فيها أو أموتها، وأخرى أبتغي فيها العيش أو أبتغيها.
وقوله: بعد اللّتيّا واللّتيّا والتي حذف صلة هذه الموصولات، وذلك في شدّة الأمر وعظمه. فكأنه قال: بعد الحال التي تناهت شدتها، أو عظمت بليّتها، أو نحو ذلك من تعظيم أحوال الشّدة، وهذا كلّه احتجاج في حذف الاسم بعد إلا.
قال أبو سعيد:
_________________
(١) جزء بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٩٣ ]
بعد اللّتيا واللّتيا والتي إذا علتها أنفس تردّت (١)
وهي لا محالة صلة لما قبلها، وإنما يعني: بعد مراكب من الهول والشّدة إذا ركبتها أنفس تردّت، أي هلكت. ويجوز أن يكون صلة لأخراها، وصلة الأوليين محذوفة، ويجوز أن يكون جعلها كلّها كشيء واحد؛ لأنها في مذهب واحد، وجعل الصلة لها كلّها كأنها موصول واحد، ومثله مما احتجّ به حذف أحد من قوله: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا (٢) وحذف المضاف إليه من غير وهو أسهل من حذف الصلة بعد الموصول؛ لأنّ المضاف قد يستغني عن المضاف إليه، ولا يستغني الموصول عن الصلة؛ ألا ترى أنا لو حذفنا زيد من غلام زيد لجاز أن تقول: مررت بغلام، ولو حذف صلة من من قولك:
مررت بمن في الدار لم يجز أن تقول: مررت بمن؛ فاعرف ذلك إن شاء الله.
ويجوز أن يكون تصغير اللّتيا لمّا كان دلالة على الشّدّة والجهد عرف معناه فأغني عن الصلة؛ لأنّ الصلة توضح ما لا يعرف، ودخلت التي في معنى اللّتيا بالعطف.