وذلك قولك: ما فيها أحد إلا حمارا. جاءوا به على معنى: ولكن حمارا.
وكرهوا أن يبدلوا الآخر من الأول فيصير كأنه من نوعه فحمل على معنى " ولكن " وعمل فيه ما قبله كعمل العشرين في الدرهم.
وأما بنو تميم فيقولون: لا أحد فيها إلا حمارا. أرادوا: ليس فيها إلا حمار.
ولكنه ذكر " أحدا " توكيدا؛ لأن يعلم أنه ليس بها آدمي. ثم أبدل فكأنه قال: ليس فيها إلا حمار. وإن شئت جعلته إنسانها.
قال الشاعر وهو أبو ذؤيب الهذلي:
فإن تمس في قبر برهوة ثاويا أنيسك أصداء القبور تصيح (١)
فجعلها أنيسها.
ومثل ذلك:
" ما لي عتاب إلا السيف " جعلته عتابك.
كما أنك تقول: ما أنت إلا سير إذا جعلته هو السير.
وعلى هذا أنشدت بنو تميم قول النابغة الذبياني:
_________________
(١) البيت في شرح أشعار الهذليين ١/ ١٥٠.
[ ٣ / ٦٤ ]
يا دار ميه بالعلياء فالسند
عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا أواري لأياما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد (١)
وأهل الحجاز ينصبون.
ومثله ذلك قوله:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس (٢)
جعلها أنيسها. وإن شئت كان على الوجه الذي فسرته لك في الحمار أول مرة.
وهو في كلا المعنيين إذا لم تنصب بدل.
ومن ذلك من المصادر: ما له عليه سلطان إلا التكلف.
لأن التكلف ليس من السلطان. وكذلك: إلا أنه يتكلف هو بمنزلة: التكلف وإنما يجيء هذا على معنى " ولكن ".
ومثل ذلك قوله ﷿: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ (٣).
ومثله: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا (٤).
ومثل ذلك قول النابغة:
حلفت يمينا غير ذي مسنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب (٥)
وأما بنو تميم فيرفعون ذلك كله، يجعلون اتباع الظن علمهم وحسن الظن علمهم والتكلف سلطانه. وهم ينشدون بيت ابن الأيهم التغلبي- رفعا-.
ليس بيني وبين قيس عتاب غير طعن الكلى وضرب الرقاب (٦)
_________________
(١) الديوان ١٦، والخزانة ٢/ ١٢٥، وابن يعيش ٢/ ٨٠، والرواية في الديوان هكذا: يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأياما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
(٢) البيت منسوب لجران العود النميري في ديوانه ٥٢، والخزانة ٤/ ١٩٧، وابن يعيش ٢/ ٨٠.
(٣) النساء: ١٥٧.
(٤) يس: ٤٣، ٤٤.
(٥) الديوان ٣، والخزانة ٢/ ٩، والتصريح ٢/ ٢٢٧.
(٦) البيت في معجم الشعراء للمرزباني ٢٤٢، والحماسة للبحتري ٣٢، وابن يعيش ٢/ ٨٠.
[ ٣ / ٦٥ ]
جعلوا ذلك: العتاب.
وأهل الحجاز ينصبون على التفسير الذي ذكرناه.
وزعم الخليل أن الرفع في هذا على قوله:-
وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع (١)
جعلوا الضرب تحيتهم كما جعلوا اتباع الظن علمهم. وإن شئت كان على ما فسرت لك في الحمار إذا لم تجعله
أنيس ذلك المكان.
وقال الحارث بن عباد:
والحرب لا يبقى لجا حمها التخيل والمراع
إلا الفتى الصبار في الن نجدات والفرس الوقاح (٢)
وقال:
لم يغذها الرسل ولا أيسارها إلا طري اللحم واستجزارها (٣)
وقال:
عشية لا تغني الرماح مكانها ولا النبل إلا المشرف المصمّم (٤)
وهذا يقوي: ما أتاني زيد إلا عمرو. وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه؛ لأنها معارف ليست الأسماء الآخرة بها ولا منها ".
قال أبو سعيد: أصل الاستثناء: إخراج بعض ما يوجبه لفظ من عموم ظاهر أو عموم حكم أو معنى يدل عليه اللفظ؛ فأما عموم اللفظ قولك: قام القوم إلا زيدا.
وأما عموم الحكم فقولك: والله لا أكلمك إلا يوم الجمعة. لأن قولك: " لا أكلمك " حكم اللفظ ألا يكلمه أبدا. ويوم الجمعة " داخل في جملة الأوقات التي لا يكلمه فيها في الحكم. وخرج يوم الجمعة من ذلك الحكم بالاستثناء.
وأما ما خرج عن عموم معنى دل عليه الحكم فقولك: " ما قام إلا زيد " قد علم بما دل عليه الكلام أن المنفي معموم في المعنى. وأن " زيدا " مستثنى من جملة ما عم بالنفي في المعنى.
_________________
(١) البيت لعمرو بن معديكرب في الخزانة ٤/ ٥٣، ومعجم الشعراء ٢٠٨، والمقتضب ٢/ ١٨.
(٢) البيتان في الخزانة ١/ ٢٢٣، وشرح الرضي للكافية ١/ ٢٢٩.
(٣) البيت لم يستدل على قائله.
(٤) البيت لضرار بن مالك الأزور في الخزانة ٢/ ٥، والعيني ٣/ ١٠٩، والكشاف ٢/ ١٤٩.
[ ٣ / ٦٦ ]
ومثله: " ما زيد إلا خارج " وليس زيدا إلا خارجا ومعناه: إن كل شيء يذكر لزيد منفي وخرج " خارجا " من عموم النفي كأنه قال: ليس زيد شيئا إلا خارجا.
وهذا التقدير: تقدير معنى وليس بتقدير لفظ مقدر محذوف والدليل على ذلك:
أنك تقول: ما قام إلا زيد. لا يجوز في " زيد " غير الرفع ولو كان " أحد " منويّا في اللفظ لجاز " إلا زيدا ". كما يجوز: ما قام أحد إلا زيدا ".
ومن الدليل على أن أصل الاستثناء ما ذكرناه. أنا تقول: استثنيت زيدا من القوم.
ولا تقول: استثنيت زيدا من البساتين. ولا استثنيت زيدا من عمرو؛ لأنه ليس بعض البساتين. ولا بعمرو و" من " للتبعيض فكأنه في الأصل: زيد من القوم ثم أخرجته عنهم في المعنى الذي جعلته. ولا يجوز أن تكون " من " هاهنا لابتداء غاية المكان كما تقول:
أخرجته من الكوفة. لأن " القوم " ليسوا بأمكنة، ولا يراد أنهم ابتداء غاية للمستثنى منهم.
وقولهم: استثنى الحالف إذا قال: إن شاء الله أو أراد بعد يمينه ما تنصرف به الأيمان إلى بعض الوجوه التي كان يوجبها اليمين في إطلاق لفظها قبل التقييد. فإذا قال لزوجته " أنت طالق " أو قال لعبده: أنت حر فهي طالق. وهو حر على كل وجه وسبب.
وإذا قال: " أنت طالق " أو أنت حر إن خرج زيد أو إن قدم زيد أو إن دخلت الدار، فقد جعل الطلاق والعتاق على بعض الوجوه.
وكذلك إذا قال: أنت طالق أو أنت حر إن شاء الله فقد علق الطلاق والعتاق بمشيئة الله تعالى.
فمن الفقهاء من لا يوقع الطلاق ولا العتاق؛ لأنه لما كان لا يعلم مشيئة الله تعالى له في الحكم كأنه لم يشأ فلم يقع الطلاق ولا العتاق؛ لأن المعلق به لم يكن.
ومنهم من يقول إنه يقع؛ لأن يجعل مشيئته شاملة لكل شيء، وسمي استثناء؛ لأنه يعقب به اللفظ المطلق العام فصار على بعض الوجوه. وهذا يوضح ما أصلناه في الاستثناء.
وأما قولهم: ما فيها أحد إلا حمارا ونحوه مما يشتمل عليه الباب. فنصب أهل الحجاز ما بعد " إلا " لأنه ليس من نوع الأول. لأن " أحدا " وضع لما يعقل. وإنما يبدل القليل من الكثير إذا كان بعضه كقولك: مررت بتميم بعضهم.
فحملوه على وجه النصب الذي ذكرناه قبل هذا الباب وهو الاستثناء.
وأما بنو تميم فرفعوه ونحوه على تأويلين ذكرهما سيبويه.
أحدهما: أنك إذا قلت ما في الدار أحد إلا حمار فإنك أردت: ما في الدار إلا حمار.
[ ٣ / ٦٧ ]
وقولك: ما في الدار إلا حمار. قد نفيت به الناس وغيرهم في المعنى. فدخل في النفي ما يعقل وما لا يعقل ثم
ذكرت " أحدا " توكيدا لأن يعلم أنه ليس بها آدمي.
والوجه الآخر:
أن تجعل المستثنى من جنس ما قبله على المجاز كان " الحمار " هو من إحدى ذلك الموضع. ومن عقلاء ذلك الموضع مثل: أنيسك أصداء القبور. وعتابك السيف. وأشباه ذلك من المجازات.
وقال المازني: إن فيه وجها ثالثا وهو: أنه خلط ما يعقل " بما لا يعقل " فعبر عن جماعة ذلك بأحد ثم أبدل " حمار " من لفظ مشتمل عليه وعلى غيره. وقال الله تعالى:
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ (١). لما خلط ما يعقل وهم بنو آدم الذين يمشون على رجلين بما لا يعقل وهو الحية التي تمشي على بطنها والبهائم التي تمشي على أربع خبّر عنها كلها بلفظ ما يعقل وهو: منهم " و" من ". ولو كان ما لا يعقل لقال: فمنها ما يمشي.
قال أبو سعيد: قد ذكرت معنى ما قال المازني وبسطته واحتججت له.
وقول سيبويه بعد الأبيات التي في آخر الباب " وهذا يقوي: ما أتاني زيد إلا عمرو. وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه لأنها معارف ليست الأسماء الآخرة بها ولا منها ".
فأما الأبيات فقوله: " لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح " (٢) وهو على وجهي ما فسرته من لغة بني تميم.
أحدهما: كأنه قال: لا يبقى لجاحمها إلا الفتى الصبار، ودل ذل على أنه لا يبقى شيء سواه. وذكر التخيل " والمراح " توكيدا.
والوجه الآخر: أنه جعل الفتى الصبار هو التخيل في الحرب والمراح مجازا. كما جعل: حمارا هو من الأحدين مجازا.
وفيه وجه ثالث: وهو أن التخيل على معنى: ذوو التخيل وحذف ذوو وأقام التخيل مقامه مثل قوله ﷿: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٣). وهذا على الوجه الذي يتفق عليه
_________________
(١) سورة النور، الآية: ٤٥.
(٢) جزء من بيت سبق تخريجه.
(٣) سورة يوسف، الآية: ٨٢.
[ ٣ / ٦٨ ]
أهل الحجاز وبنو تميم.
وقوله: " لم يغذها الرسل ولا أيسارها " الرسل: اللبن. والهاء في " أيسارها " و" استجزارها " تعود إلى المرأة التي تقدم ذكرها. وإنما قال: ولا أيسارها وإن كان الأيسار أيسار اللحم؛ لأن الميسر لا يأكل منه إلا الضعيف الفقير منهم.
وتقويه الأبيات ب (ما أتاني زيد إلا عمرو) أن المنفي الذي ليس من جنس ما بعد إلا، يقدر فيه تقدير إسقاطه من اللفظ. وأن الاعتماد عليه في النفي على العموم وأنه يذكر ما يذكر من المنفي لتوكيد النفي فيه. ولأن يخرج من قلب السامع ذهاب الوهم إلى أنه قد فعل الفعل المنفي كأنك لم تذكر زيدا. ولم تذكر إخوانك وقلت: ما أتاني إلا عمرو.
وما أعانه إلا إخوانه على نحو ما تقدر في الأبيات فيكون قوله:
ما تغني الرماح مكانها ولا النبل
كأنه قال:
ما يغني إلا المشرفي المصمم
وقوله: " لأنها معارف " يريد: أن ما قبل " إلا " وما بعده معرفتان: أحدهما غير الأخرى وليست بمنزلة: " ما قام أحد إلا زيد ".