(وقد يستوي فيه إجراء الصفة على الاسم وأن تجعله خبرا فتنصبه.
فأمّا ما استويا فيه فقوله: مررت برجل معه صقر صائد به، إن جعلته وصفا وإن لم تحمله على الرجل وحملته على الاسم المضمر المعروف، نصبته.
فقلت: مررت برجل معه صقر صائدا به.
كأنه قال: معه، ناب (صائدا به) حين لم يود أن يحمله على الأول، كما تقول:
أتيت على رجل مررت به قائم. إن حملته على الرجل وإن حملته على مررت به، نصبته. كأنك قلت: مررت به قائما).
قال أبو سعيد: إذا قلت: مررت برجل معه صقر صائد به، فقولنا: معه صقر: جملة في موضع الصفة ل (رجل) صقر مبتدأ، ومعه خبر مقدم، كما تقول: في الدار زيد.
وصائد به: صفة أخرى، كما تقول: مررت برجل ضاحك.
وأصله: مررت برجل معه صقر صائد بصقر.
ولكن لما تقدم ذكر الصقر أوجب أن يكنى عنه إذا عاد ذكره.
فهاتان صفتان لرجل، فإن لم تحمل صائدا على رجل، وحملته على الهاء التي في معه، وهو الاسم المضمر المعروف الذي عناه سيبويه، نصبته، وصار بمنزلة قولك:
مررت برجل مع أبيه صقر صائدا به، ومررت برجل مع جاريته صقر صائدة به، ومررت برجل مع غلاميه صقر صائدين به.
إذا جعلت الصيد للاسم المتصل ب (مع)، لم يكن سبيل إلى النعت، لأنه لا تنعت معرفة بنكرة، فنصب على الحال، هذا في معنى قوله: تجعله خبرا.
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ١٩.
(٢) سورة ص، الآية: ٢٣.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
يعني: حالا فنصبته، ومعنى قول سيبويه: (كأنه قال معه ناب صائدا)، يعني: لو ابتدأ فقال: مع زيد أو معك أو معه لشيء قد جرى ذكره، صقر صائدا به، لم يكن بدّ من نصب (صائدا) لأنه لا يمكن صفة الأول المعرفة به.
وإذا نصبت صائدا على الحال، فهو من الجملة التي هي صفة، فيصير للأول صفة واحد، ثم ذكر نظائر لم تقدم مما تجوز فيه الحال وغيره.
فقال: (ومثله: نحن قوم ننطلق عامدون إلى بلد كذا وكذا، إن جعلته وصفا.
وإن لم تجعله وصفا نصبت، كأنه قال: نحن ننطلق عامدين، ومنه: مررت برجل معه باز قابض على آخر، ومررت برجل معه جبة لابس غيرها.
وإن جعلته على الإضمار الذي في معه، نصبت، وكذلك: مررت برجل عنده صقر صائد بباز)، وإن جعلته على الوصف، فهو هكذا.
وإن حملته على ما في عنده من الإضمار، نصبت، كأنك قلت: عنده صقر صائدا بباز، يعني كأنك بدأت فقلت: عنده صقر صائدا بباز لرجل جرى ذكره، كما تقول:
عنده صقر صائدا بباز، وكذلك: مررت برجل معه الفرس راكبا برذونا، يعني قلت:
مبتدئا معه، على ما مضى من شرح مثله فهذا لا يكون فيه وصف ولا يكون إلا خبرا يريد حالا.
قال: (ولو كان هذا على القلب كما يقول النحويون، لفسد كلام كثير ولكان الوجه: مررت برجل حسن الوجه جميله، لأنك لا تقول: مررت بجميله حسن الوجه، ولقال: مررت بعبد الله معه بازك الصائد به، فنصب، فهذا لا يكون فيه إلا الوصف لأنه لا يجوز أن تجعل المعرفة حالا يقع فيه شيء، ولم تقل: جميله لأنك لم ترد أن تقول: إنه حسن الوجه في هذه الحال، ولا أنه حسن وجهه جميلا وجهه، في هذه الحال: حسن وجهه، فلم يرد هذا المعنى، ولكنه أراد أن يقول: هذا رجل جميل الوجه، كما يقال: هذا رجل حسن الوجه، فهذا الغالب في كلام الناس.
وإن أردت الوجه الآخر فنصبت، فهو جائز لا بأس به، وإن كان ليست له قوة الوصف في هذا، فهذا الذي الوصف فيه أحسن وأقوى).
قال أبو سعيد: هذا الذي ذكره سيبويه عن النحويين من نصب ما لا يحسن فيه القلب، أصله صفة مضافة إلى ضمير شيء جرى ذكره أو صفة متعلقة، فضمير شيء
[ ٢ / ٣٨٠ ]
جرى ذكره، ولو أظهر ذلك الضمير لم يقع فيه خلاف، وجواز الصفة وحسن القلب فيه كقولنا:
مررت برجل معه صقر صائد بصقر، ومررت برجل معه جبّة لابس غير جبّة، وكذلك: مررت برجل حسن الوجه جميل الوجه.
فإذا أظهر الكناية جاز قلبه ولم يقع بينهم خلاف في جوازه، ولا فرق في التحصيل من أن يكون مضافا إلى ظاهر أو مكنىّ في صحة معنى الصفة، ألا ترى أنك تقول:
مررت برجل ملازمك ومكرمك، وما أشبه ذلك، كما تقول: مررت برجل ملازم زيد ومكرم عمرو، وما أشبه ذلك، ثم ألزمهم في نصبهم لقبح القلب أن ينصبوا المعرفة في قولهم: مررت بعبد الله معه بازك الصائد به، ولا
وجه لنصب الصائد إلا على هذه الحال، ولا تجوز الحال فيما فيه الألف واللام من نحو الصائد وما أشبهه.
وقال في بعض ما نصبوه مما لا يحسن فيه القلب أن نصبه على الحال تجوز إذا حمل على الضمير الذي ذكرناه وفسرناه، وبعضه يجوز وليس بوجه الكلام لأن المتكلم لا يريد الوجه الذي تصبح به الحال كقوله: مررت برجل حسن الوجه جميله، إذا نصبنا جميله على الحال أنه حسن وجهه في حال جماله، وليس ذلك بالمقصود من كلام الناس وإن أراده مريد فهذا إعرابه.
(ونحو ذلك ممّا الوصف فيه أحسن: هذا رجل عاقل لبيب، لم تجعل الآخر حالا وقع فيه الأول ولكنه أثنى عليه) بعاقل ولبيب (وجعلهما شرعا سواء فيه وسوى بينهما في الإجراء على الاسم، والنصب فيه جائز على ما ذكر فيه)، فيقول: هذا رجل عاقل لبيبا، وتقديره:
يعقل في حال لبّه (وإنما ضعف لأنه لم يرد أن الأول وقع وهو في هذه الحال، ولكنه أراد أنهما ثابتان ولم يكن واحد منهما قبل صاحبه كما تقول: هذا رجل سائر راكبا دابة)، وحسن سائر راكبا، لأن تقديره: يسير راكبا، وهو كلام حسن جيد مفيد.
(وقد يجوز في سعة الكلام): هذا رجل عاقل لبيبا، وحسن الوجه جميله على التقدير الذي ذكرناه.
قال: (ولا ينقض المعنى في أنهما شرع سواء فيه، وسترى هذا النحو في كلامهم) ونحو هذا في كلامهم قول قائلهم: قم قائما، وقد علم أن وقوع القيام في حال ما هو
[ ٢ / ٣٨١ ]
قائم، وقال الله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (١) وقد علم أنه رسول في حال الإرسال.
قال: (فأما القلب فباطل لو كان ذلك لكان الحدّ والوجه في قولهم: مررت بامرأة آخذة عبدها فضاربته، النصب، لأن القلب لا يصلح، ولقلت: مررت برجل عاقلة أمّة لبيبة، لأنه لا يصلح أن تقدم لبيبة فتضمر فيها الأم، ثم تقول: عاقلة أمه، وسمعناهم يقولون: هذه شاة ذات حمل مثقلة به، قال الشاعر وهو حسان بن ثابت:
ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم وفينا نبيّ عنده الوحي واضعه (٢)
ومما يبطل القلب قولهم: زيد أخو عبد الله مجنون به، إذا جعلت الأخ صفة، والجنون من زيد بأخيه لأنه لا يستقيم: زيد مجنون به أخو عبد الله، وتقول: مررت برجل معه كيس مختوم عليه، الرفع الوجه لأنه صفة الكيس، والنصب جائز على قوله:
فيها رجل قائما، وهذا رجل ذاهبا).
قال أبو سعيد: ألزمهم بقبح القلب نصب خبر المبتدإ في: زيد أخو عبد الله مجنون به، وذلك أن زيدا مبتدأ، وأخو عبد
الله صفته، ومجنون به خبره، والهاء تعود إلى عبد الله، ولو قيل: زيد مجنون به أخو عبد الله، لم يجز.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا من الاحتجاج لبطلان اعتبار القلب ما فيه مقنع وكثّر سيبويه المسائل في ذلك تشنيعا على قائله وتقبيحا له، وقد طعن في استشهاده بالبيت، والذي قاله صحيح على ما أذكره.
جعل سيبويه الهاء في واضعه ضمير الوحي، وفي واضعه ضمير فاعل للرسول، وقوله: عنده الوحي صفة لرسول، وواضعه صفة أخرى، ومعناه: مفشيه وذاكره، لأنهم ظنوا أنه يخفي ما دبروه فيبلغوا إرادتهم، فأفشاه الوحي فبطل، ولا يحسن القلب فيه لأن الهاء في واضعه ضمير الوحي، فإن قلب فقيل:
وفينا رسول واضعه عنده الوحي، فقد قدّم ضمير الوحي وهو الهاء في واضعه، ومعنى الوحي في البيت هو ما بيّنه الله بالوحي من صنيع القوم، والذي كشفه النبي ﷺ
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٧٩.
(٢) ديوان حسان بن ثابت/ ٢٧١، سيبويه ١/ ٢٤٢.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
بالوحي، وكشفه النبي ﷺ لأصحابه، وليس بحقيقة الإيحاء، فهذا طريق واضح واحتجاج صحيح من سيبويه والذي ردّ على سيبويه ذهب إلى الظاهر من الوحي الذي هو نزول الملك عليه، وليس ذلك ممّا يضعه النبي ﷺ، وجعل هذا القائل الهاء في واضعه للذي صنعتم كأنه قال: وفينا رسول الله عنده الوحي مبين ما صنعتم، ولو قدم واضعه على هذا التأويل، فقال: وفينا رسول واضعه، لجاز لأن الهاء ترجع إلى الصنيع، وقد تقدم ذكره في واضعه معنى آخر، وهو أن يكون من قولنا:
وضعت الشيء، أي: وضعت منه وأسقطته، فيكون وضع النبي ﷺ لصنعهم إسقاطه وإبطاله. وفيه وجه آخر:
أن يكون الوحي مبتدأ، وواضعه: خبره، وعنده: ظرف لواضعه، أو تقدير الكلام.
وفينا رسول الوحي واضع ما صنعتم عنده.
قال: (فاعلم أنك إذا نصبت في هذا الباب، فقلت: مررت برجل معه صقر صائدا غدا، فالنصب على حاله، لأنّ هذا ليس بابتداء ولا يشبه فيها (عبد الله قائم غدا) لأن الظروف تلغى حتى يكون المتكلم كأنه لم يذكرها في هذا الموضع، فإذا صار مجرورا أو عاملا فيه فعل أو مبتدأ لم يلغه لأنه ليس يرفعه الابتداء.
وفي الظروف إذا قلت فيها: أخواك قائمان. ترفعه بالابتداء).
قال أبو سعيد: في هذا الفصل من كلام سيبويه ما يختلف في معناه، والذي أقوله:
إن سيبويه أراد أن إلغاء الظرف ورفع ما بعده على الابتداء والخبر لا يجوز في هذا الموضع، كما يجوز في المبتدإ الذي ليس قبله شيء كقولك مبتدئا: معك زيد قائما وقائم بالرفع والنصب، فإن نصبته جعلت معك خبر زيد، وجعلت زيدا مبتدأ، ونصبت قائما على الحال، وإن رفعت قائما ألغيت معك وقدّرت زيد قائم، وقائم رفع لأنه خبر، وكذلك فيها عبد الله قائم، يجوز إلغاء فيها ورفع قائم فيكون التقدير: عبد الله قائم، ولا يجوز الإلغاء إذا اتصل الظرف بما يكون نعتا له أو خبرا أو حالا إذا كان مع الظرف الضمير العائد إلى الأول، وذلك قولك في نعت المجرور: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، وفي المنصوب الذي يعمل فيه: رأيت رجلا معه صقر صائدا به غدا، وفي المبتدإ:
زيد معه صقر صائدا به غدا.
وهذا معنى قوله: (فإذا صار مجرورا أو عاملا فيه فعل أو مبتدأ لم تلغه)، وإلغاؤه
[ ٢ / ٣٨٣ ]
أنك لو حذفت معه لم يعد إلى المنصوب شيء من نعته، ولا إلى المبتدإ شيء من خبره، لأن قولك: معه صقر: جملة، فإذا كانت في موضع نعت أو خبر أو حال لم يكن بدّ من عائد يعود إليه، والعائد هو: الهاء في (معه)، وإذا كان الكلام مبتدأ ليس قبله شيء فليس يمتنع من إسقاط الظرف مانع، كقولك: فيها عبد الله قائم غدا، وفيها أخواك قائمان لا يخل بالكلام إسقاط الظرف وإلغاؤه.
وقد ظن من فسّر الكتاب: أن سيبويه يرفع الاسم بالظرف لا بالابتداء، فيكون (صقر) مرفوعا معه، ويتأول قوله: (لأنه ليس يرفعه الابتداء)، والذي عندنا من مذهب سيبويه في هذا الموضع وفي غيره أن الاسم تقدم أو تأخر يرتفع بالابتداء، كقولك: خلفك زيد، وعندك مال، لأنك إذا قلت: إن عندك مالا، نصبته ب (إنّ) والذي تنصبه إنّ هو الذي يرفعه الابتداء.
وأما قول سيبويه: (لأنه ليس يرفعه الابتداء)، ترجع الهاء في (لأنه) إلى أول الكلام، وإنما يريد، لأن الهاء المجرورة في (معه) فاعرف ذلك إن شاء الله.
قال أبو سعيد: وفيما يرد من كلام سيبويه ما يحتاج إلى تبيين أصول تسهله، فمن ذلك: أن اسم الفاعل إذا جرى على من هو له صفة أو حالا أو خبرا أو صلة، لم يحتج إلى إظهار فاعله، وكان الفاعل مضمرا فيه منونا وإن جرى على غير من هو له احتجت إلى إظهار فاعله كقولك في الصفة: مررت برجل معه امرأة ضاربها.
فضاربها: مخفوضا، صفة لرجل ولا تحتاج إلى شيء بعده فإن قلت: ضاربها بالرفع احتجت أن تقول: ضاربها
هو، لأنك إذا رفعت فهو صفة للمرأة وفعل للرجل، فجعلت، ضاربه صفة لغير من هو فاعله فاحتجت إلى إظهار الفاعل، وإن قلت: مررت برجل معه امرأة ضاربته لم يحتج إلى إظهار شيء بعده، لأن ضاربته صفة لها وفعل لها، وإن قلت:
ضاربته بالخفض فجعلتها نعتا للرجل احتجت إلى أن تقول: ضاربته هي، فتظهر اسم الفاعل فتقول: ضاربته هي، ولو جعلت مكان اسم الفاعل فعلا، لم تحتج إلى إظهار شيء وتكتفي بالضمير الذي فيه، ويكون صفة لغير من هو له، تقول: مررت برجل معه امرأة تضربه، ومررت برجل معه امرأة يضربها.
فتجعل تضربه ويضربها صفة لمن شئت منهما ولا تحتاج إلى إظهار اسم الفاعل المستكن في الفعل ألا ترى أنك تقول: مررت برجل تضربه، فيكون تضربه في موضع
[ ٢ / ٣٨٤ ]
الصفة له، والفاعل المخاطب.
ولو قلت: مررت برجل ضاربه، لم يجز حتى تقول:
أنت، ولو قلت: مررت برجل يضربك، ورددته إلى اسم الفاعل لقلت: مررت برجل ضاربك، ولم تحتج إلى إظهار الفاعل.
قال سيبويه: (وتقول: مررت برجل معه امرأة ضاربته)، فهذا بمنزلة: مررت برجل معه كيس مختوم عليه، فهذا جرى على من هو له، فإن قلت: ضاربها، جررت صفة لرجل ونصبت حالا من الهاء، وإن شئت قلت: ضاربها هو، فيكون (هو) توكيدا للضمير الذي في ضاربها، ويجوز أن يكون منفصلا فاعلا للضرب، كقولك: مررت بامرأة ضاربها زيد، وإن شئت جررت وجئت ب (هو) توكيدا، فقلت: برجل معه امرأة ضاربها هو.
قال: (ومثل قولك: ضاربها هو قولك: مررت برجل معه امرأة ضاربها، هو قولك: مررت برجل معه امرأة ضاربها أبوه، إذا جعلت الأب مثل زيد)، يعني يكون ضاربها هو متبدأ وخبرا في موضع نعت المرأة، وكذلك إذا قلت: ضاربها أبوه، ولو جعلت مكان أبوه زيدا جاز أيضا، فقلت: مررت برجل معه امرأة ضاربها زيد مبتدأ وخبر في موضع نعت المرأة، والعائد من المرأة إلى الجملة (الهاء) في ضاربها، وذكر أبوه فهو كذكر الأجنبي الذي هو زيد، فإن جعلت الجملة صفة لرجل لم يكن بد من عائد إليه، فقلت: مررت برجل معه امرأة ضاربها هو أو ضاربها أبوه، ولم يجز: ضاربها زيد، لأنه لا شيء فيه يرجع إلى رجل، ويجوز أن تجعل الاسم جاريا على ما هو صفته وترفع ما بعده به، كقولك: مررت برجل معه امرأة ضاربها أبوه أو هو، ولا يجوز أن نصف ما ليس فيه ما يعود إلى الموصوف، ولا حالا مما ليس فيه ما يعود إليه لو قلت: مررت برجل ضاربها زيد، أو مررت بعبد الله ضاربها خالد،
لم يجز لأنه ليس فيه ما يعود إلى الأول، وإذا قلت: يا ذا الجارية الواطئها زيد، تنصب الواطئها، لم يجز لأنه صفة للجارية، والضمير يعود إليها.
فإن قلت: يا ذا الجارية الواطئها أبوه، جاز للضمير العائد في أبوه إلى المنادى، وإذا قلت: يا ذا الجارية الواطئها، نصبت صفة للمنادى، والتقدير: يا ذا الجارية الذي وطئها فإن جعلت: الواطئها بمعنى التي جعلتها صفة للجارية وخفضتهما، وجئت باسم الفاعل فقلت: الواطئها هو، لأنّ واطئ ليس من فعل التي، وقد وصلتها به فأظهرت اسم الفاعل،
[ ٢ / ٣٨٥ ]
ولا يجوز حذف هو، كما لا يجوز حذف أبوه وزيد، إذا قلت: يا ذا الجارية الواطئها أبوه، ويا ذا الجارية الواطئها زيد، ولو جئت بالذي ووصلتها بفعل استغنيت عن إظهار الضمير فقلت: يا ذا الجارية التي وطئها إذا كان الوطء لزيد، وقد جرى ذكره، ويا ذا الجارية التي وطئها، وإنما جاز ذلك في الفعل ولم يجز في اسم الفاعل لأنّ صيغة الفعل تدل على فاعله، ويقع فيه الضمير الدالّ عليه لفظا، واسم الفاعل ضميره في النية وليست له علامة، ألا ترى أنّا نقول: زيد تضربه، فنعلم أن الفاعل هو المخاطب، وكذلك: زيد أضربه، الضارب هو المتكلم للصيغة الدالة عليه، ولو قيل: زيد ضاربه، يريد ذلك المعنى، لم يستقم ولم يدلك على المراد.
قال: (ولو جاز هذا) يعني: (يا ذا الجارية الواطئها، وأنت تريد هو وتحذفها وما أشبهه مما ذكرناه لجاز: مررت بالرجل الآخذه، تريد: أنت، ولجاز: مررت بجاريتك راضيا عنها، تريد: أنت، ولو قلت: مررت بجارية رضيت عنها، أو مررت بجاريتك قد رضيت عنها، كان جيدا لأنك تضمر في الفعل وتكون فيه علامة الإضمار)، وقد مضى الفصل بين الاسم والفعل.
وأهل الكوفة يجيزون حذف الفاعل من اسم الفاعل في مثل ما ذكرنا إذا كان له ذكر في أول الكلام كقولك: يدك باسطها، يريد: باسطها أنت، ولذكر الكاف في أوله جاز حذفها، وقد أنشدوا:
وإن امرؤ أسرى إليك ودونه من الأرض موماة وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته وأن تعلمي أن المعار موفّق (١)
قالوا: أراد لمحقوقة أنت، وحذف أنت لذكرها في إليك.
قال المفسر: والذي عندنا لمحقوقة استجابتك لصوته مبتدأ وخبر، وهي في موضع خبر (أن) في العائد إلى اسم أنّ من الجملة الهاء، في لصوته، ولا يجوز حذف الفاعل بوجه، وقد مضى الاحتجاج لذلك.
(وأمّا ربّ رجل وأخيه منطلقين، ففيهما قبح حتى تقول: وأخ له، فالمنطلقان عندنا مجروران من قبل أن قوله:
وأخيه في موضع نكرة، لأن المعنى إنما هو وأخ له.
_________________
(١) البيتان للأعشى ديوانه/ ١٤٩، الخزانة ١/ ٥٥١، ٢/ ٤١٠.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
فإن قلت: أمضافة إلى معرفة أم إلى نكرة؟
فإنك قائل: إلى معرفة ولكنّها أجريت مجرى النكرة، كما أنّ مثلك مضافة إلى معرفة وهي توصف بها النكرة وتقع مواقعها، ألا ترى أنك تقول: ربّ مثلك، ويدلك على أنها نكرة أنه لا يجوز لك أن تقول: ربّ رجل وزيد، ولا يجوز لك أن تقول:
ربّ أخيه، حتى يكون قد ذكرت قبل ذلك نكرة.
ومثل ذلك قول بعض العرب: كلّ شاة وسخلتها، أي: وسخلة لها، ولا يجوز حتى تذكر قبلها نكرة فيعلم أنّك لا تريد شيئا بعينه، وأنك تريد شيئا من أمة كل واحد منهم رجل وضممت إليه شيئا من أمة كلهم، يقال له:
أخ، ولو قلت: وأخيه تريد به شيئا بعينه كان محالا، وقال الشاعر:
أي فتى هيجاء أنت وجارها إذا ما رجال بالرجال استقلّت) (١)
وجارها جر عطف على فتى، ومعناه: أيّ فتى هيجاء أنت، وأي جار هيجاء أنت، وجارها: نكرة لأنّ أيّ إذا أضيفت إلى واحد لم يكن إلا نكرة لأنه في معنى الجنس، كقولك: أيّ رجل زيد، ولا تقل: أيّ غلامك زيد، فجارها وإن كان مضافا إلى ضمير هيجاء نكرة مجرورة بإضافة أيّ إليه في التقدير، ولا يجوز أن يكون رفعا لأنه إذا رفع فهو على أحد وجهين:
إمّا أن يكون عطفا على أنت، أو عطفا على أيّ.
فإن كان عطفا على أنت صار غير أنت، وصار شريك أنت في المدح، وكأنه قال:
أيّ فتى هيجاء أنت وزيد، وتكون الهاء في جارها ضمير مؤنث غير هيجاء، كأنه قال:
أنت وجار هند وما أشبهها، وإن قدّر أنت وجار الهيجاء، فجار الهيجاء ليس برجل يعرف، وليس قصد الشاعر إلى هذا وإن كان عطف، وجارها على أيّ كان الكلام بإعادة حرف الاستفهام واحتاج أن تقول: أيّ رجل عندك، وأزيد عندك؟
ومتى قال: وجارها لم يكن فيه أي: جارها الذي هو التعجب، قال الأعشى:
وكم دون بينك من صفصف ودكداك رمل وأعقادها
_________________
(١) البيت منسوب لكثير عزة، سيبويه ١/ ٢٤٤.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
ووضع سقاء وإحقابه وحلّ حلوس وإغمادها (١)
وفيها حجة لربّ رجل وأخيه، لأن قولك: من صفصف لا يليه إلا نكرة، كما أنّ ربّ لا يليه إلا نكرة، وأعقادها: معطوف على صفصف كعطف أخيه على رجل، وكذلك أغمادها: معطوف على ما قبلها، ولا تكون إلا نكرة، والذي ذكره من ذلك كلام العرب، وهذه الأبيات شواهده ولم تصر نكرة إلا على الوجه الذي ذكره من تقدّمه، تكون في موضع لا تقع فيه إلا نكرة، وعطف شيء مضاف إلى ضميرها عليها ولا تتجاوز ذلك.
(كما أن أجمعين لا يجوز في الكلام إلا وصفا، وكما أنّ أيّا تكون في النداء كقوله: يا هذا، ولا يجوز إلا موصوفا وليس هذا حال الوصف والموصوف في الكلام، كما أنه ليس حال النكرة كحال الذي ذكرت لك).
وهذه أشياء شاذة ذكرها سيبويه ليؤنس بشذوذ ربّ رجل وأخيه، وما جرى مجراه ثم استضعف ذلك لخروجه على القياس وقلته.
فقال: (وهذا على جوازه، وكلام العرب به ضعيف).