(والجر إنما يكون في كل اسم مضاف إليه).
قال أبو سعيد: جعل سيبويه المجرور بحرف أو بإضافة اسم إليه كله مضافا ثم قسم ذلك فقال:
(إن المضاف إليه ينجر بثلاثة أشياء:
بشيء ليس باسم ولا ظرف). وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن الجر يكون بشيئين:
أحدهما: دخول حرف ليس باسم ولا ظرف.
_________________
(١) سورة سبأ، الآية: ١٢.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
والآخر: بإضافة اسم إلى اسم.
فأما الحروف الجارة التي لا مذهب لها غير الحروف:
فالباء، واللام، ومن، وفي، ورب، وإلى، وواو القسم، وتاؤه، وحتى.
وقد تخرج إلى تأويل آخر في بعض المواضع ولها باب مفرد، فإن للجر حروفا سوى هذه تكون حروفا في حال وأسماء في حال، وهي:
على، ومن، وكاف التشبيه، ومنذ، ومذ.
وإنما كانت كذلك لأنها تدخل عليها حروف الجر، كما قال:
غدت من عليه (١)
بتأويل من فوقه، ومن عن يمينه، بتأويل من ناحية يمينه، وتجعل الكاف بمعنى:
مثل، كما قال: علي كالخنيف السحق، يعني: علي مثل الخنيف (٢).
ومنذ، ومذ يخفض بهما، فيكونان حرفي خفض، وقد يرفع ما بعدهما فيجعلان اسمين بمعنى: وقت وأمد. وللجر
حرفان سوى ذلك تكون حرفين وفعلين وهما:
خلا، وحاشا في الاستثناء، لأنهما يخفض بهما فيكونان حرفي خفض، وينصب ما بعدهما فيكونان فعلين.
وقد ذكر الأخفش: أن عدا يخفض بها، وينصب بها، فإن صح ذلك فهو حرف ثالث.
وأما إضافة الاسم إلى الاسم فعلى ثلاثة أقسام:
أحدهما: أسماء هي ظروف مضافة إلى ما بعدها من مصادر وغيرها، ذكرها النحويون فيما يجر لغلبة الجر عليها. وأسماء أخر تضاف في حال، وليست الإضافة بغالبة عليها، وهي أكثر الأسماء.
فأما الظروف فهي:
_________________
(١) البيت لمزاحم العقيلي في نوادر أبي زيد ص ١٦٣، شرح شواهد المغني ١/ ٤٢٥ الخزانة ١٠/ ١٤٧، ١٥٠. وهو: غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها تصل وعن قيض بزيزاء مجهل
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ٢٨٣. على كالخنيف السحق يدعو به الصدى له صدد ورد التراب دفين
[ ٢ / ٣١٠ ]
بين، وسواء، ولدن، ولدى، وعند، وعلى، وأسفل، وخلف، وقدّام، ووراء، وأمام، وتجاه، وقباله، وحذاء، وحذه، وإزاء، وتلقاء، وتحت، وفوق، ووسط، وقبل، وبعد، ومع، وعلى، وعن فيمن جعلهما اسمين، وغير ذلك من الظروف التي تقدم ذكرها قبل هذا الباب.
وأما الأسماء التي تغلب الإضافة عليها، فهي:
مثل، ومثل في معنى: بدل وبدل، في معنى: وسط ونحوه سنيّ، وقرن فالقرن في القتال، والقرن في السن، ولدن، وخدن، وشبه، وشبه، ومرة وحين، وبيد في معنى: غير وبيد، ومساوه بمعنى: قدره، وكذلك قيد، وقيدي.
وباب وسبحان ومعاذ وعياذ وأنّى وبعض وكل، وذو داره، وذوا، وذواتا، وذووا، وذوات، وأولو، وأولات، وقد، وقط بمعنى: حسب. وفيها أسماء تغلب عليها الإضافة وقد ينصب ما بعدها وهي مصادر غير متمكنة، وهي:
بله، وبيد، ورويد، ومعانيها متقاربة فإذا خفضت بها قدرت إضافتها، وإذا نصبت قدرت التنوين فيها، ولم يقدر الإضافة.
وقد نصب ب (لدن) ولد، والوجه الإضافة، وقد ذكره سيبويه في مواضع من الكتاب.
وأما الأسماء التي تضاف في حال وليست الإضافة بالغالبة عليها، فنحو:
غلام زيد، وجار عمرو، وخاتم حديد، وثوب خزّ، وهي أكثر من أن تحصى.
والإضافة تكون على معنى أحد الحرفين من حروف الجر، وهما:
من، واللام.
فمن إذا كانت الإضافة على معناها تبعيض كقولك: هذا ثوب خز، وخاتم حديد، أي: ثوب من خز، وخاتم من حديد، وما كان على معنى اللام فإضافته على وجه الاستحقاق، كقولك: هذه دار زيد، ودار لزيد، ورب السموات والأرض، ورب العالمين، وخلق الله، وأرض الله وسماؤه وعرشه، فهم عباد له، وخلق له، وأرض له، فالعباد مستحقون أن يكونوا عبادا، وهو مستحق لعبوديتهم.
وربما أوهمتك الإضافة الخروج عن هذين الوجهين، فإذا رددتها إلى أصول ما وضعت له رأيتها لازمة لأحد الحرفين كقولك: أفضلهم زيد أي: الفاضل منهم زيد،
[ ٢ / ٣١١ ]
وبعض القوم أي شيء منهم، ويكون تماما لهم ومكملا، فأما قوله:
(وأما الباء وما أشبهها فليست بظروف). وذكر الفصل.
فإنه سيبويه بيّن معاني حروف الجر، فقال:
(إن الباء ونحوها ليست ظروفا ولا أسماء ولكنها يضاف بها إلى الاسم ما قبله أو بعده، فإذا قلت: يا بكر فإنما أردت أن تجعل ما يعمل في المنادى إلى بكر باللام).
ومعنى هذا: أن حروف الجر تصرف الفعل التي هي صلته إلى الاسم المجرور بها.
ومعنى إضافتها إلى الفعل: ضمها إياه واتصاله إلى الاسم كقولك: رغبت في زيد، وقمت إلى عمرو.
ففي أوصلت إلى زيد الرغبة، وإلى أوصلت القيام إلى عمرو، وما كان بتأويل الفعل فهو بمنزلة قولك: يا لبكر، بمنزلة أدعو أو أريد، ولهذا نصبت المنادى، فاللام أوصلت هذا المعنى إلى بكر وأضافته إليه، وهكذا: مررت بزيد، الباء أوصلت المرور إلى زيد، وكذلك: أنت كعبد الله، أضفت الشبه بالكاف إلى عبد الله، وكذلك: أخذت من عبد الله، أضفت الأخذ بمن إلى عبد الله، وإذا قلت: منذ زمان، أضفت الأمد إلى وقت من الزمان.
وأنت في الدار، أضفت كينونته في الدار إلى الدار ب (في)، وتقديره: الاستقرار الذي يقدر، وما جرى مجراه وبمنزلته وإذا قلت: فيك خصلة جميلة، أضفت إليه الجمال ب (في)، وإذا قلت: رب رجل يقول ذاك، أضفت القول إلى الرجل ب (رب)، وإذا قلت: بالله وتالله وو الله، أضفت الحلف إلى الله تعالى بهذه الحروف، كما أضفت النداء بالله لأن التقدير: أحلف بالله، والواو والتاء بدلان، وهكذا رويته عن فلان، أضفت إليه الرواية بعن.