وهي من الفعل بمنزلة عشرين من الأسماء التي بمنزلة الفعل، ولا تتصرف تصرف الأفعال كما أن عشرين لا
تتصرف تصرف الأسماء التي أخذت من الأفعال، وشبهت بها في هذا الموضع، فنصبت درهما؛ لأنه ليس من نعتها ولا هي مضافة إليه، ولم يرد أن يحمل الدرهم على ما حمل العشرون عليه، ولكنه واحد بين به العدد، فعملت فيه كعمل الضارب في زيد، إذا قلت: هذا الضارب زيدا؛ لأن زيدا ليس من صفة الضارب ولا محمولا على ما حمل عليه الضارب، وكذلك هذه الحروف منزلتها من الأفعال، وهي (إن ولكنّ وليت ولعل وكأن)، وذلك قولك: إن زيدا منطلق وإنّ عمرا مسافر، وإنّ زيدا أخوك، وكذلك أخواتها.
وزعم الخليل أنها عملت عملين: الرفع والنصب، حين قلت: كأن أخاك زيد، إلا أنه ليس لك أن تقول كأن أخوك عبد الله، تريد كأن عبد الله أخوك، لا تتصرف تصرف الأفعال ولا يضمر فيها المرفوع كما يضمر في كأن، فمن ثمّ فرقوا بينهما كما فرقوا بين (ليس) و(ما) فلم يجروها مجراها، ولكن قيل هي بمنزلة الأفعال فيما بعدها وليست بالأفعال.
قال أبو سعيد: شبه سيبويه هذه الحروف في نصب ما بعدها بالأفعال في نصب مفعولاتها، وجعل منزلتها من الفعل في الشبه منزلة عشرين في نصبها ما بعدها من ضاربين التي أخذت من الفعل وكأنها بمنزلته؛ أعني بمنزلة الفعل. فإذا قلت: هذه عشرون درهما، فليس درهما بنعت للعشرين فتتبعها في إعرابها، ولا العشرون مضافة إليها فيبنون خفضا بالإضافة، ولا هو معطوف على العشرين محمول عليها فيعمل فيها عامل العشرين، ولكن درهما بين به العشرون فعملت فيه كعمل ضارب وضاربين، إذا قلت هؤلاء ضاربون زيدا، والشبه بينهما أن عشرين مقدار يقدر به، فإذا قال: هذه عشرون درهما، فتقديره: هذه الدراهم تقادر أو تساوي أو تماثل أو توازن عشرين، وترد إلى اسم الفاعل وتضاف فتصير هذه الدراهم مقادرة عشرين، وتحذف فتقام العشرون مقامها، والعشرون تقتضي نوعا يقدر بها كما أن ضاربا يقتضي مفعولا وقع به فشبه به لذلك.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
وقد ذكر هذا بأتم من هذا الشرح في غير موضع.
وأما الشبه بين هذه الحروف وبين الأفعال فمن وجهين؛ أحدهما: من جهة اللفظ والآخر من جهة المعنى، فأما الشبه من جهة اللفظ فلبناء أواخرها على الفتح، كبناء الفعل الماضي، وأما الشبه من جهة المعنى فلأن هذه الحروف تطلب الأسماء ولا تقع إلا عليها، كما أن الأفعال تطلب الأسماء ولا تقع إلا عليها، وتدخل هذه الحروف على المبتدإ والخبر فتنصب المبتدأ وترفع الخبر، وشبهت في نصب المبتدأ ورفع الخبر بفعل قدّم مفعوله على فاعله، والذي ترفعه هذه الحروف من أخبارها ما كان منها هو الاسم؛ كقولك: إن زيدا أخوك، ونحوه، دون ما كان في موضع الخبر، وإنما اختير أن يكون الاسم منصوبا؛ لأنه لو جعل مرفوعا ثم أضمر المتكلم والمخاطب لتغيرت
بنيته كما تتغير كان إذا قلت: كنت وكنت، وكان يلزم فيها أن يقال إننت قائما وإننت منطلقا.
وهذه حروف ليس لها تصرف الأفعال فلم تحتمل التغيير، ولهذه العلة لم يجز تقديم الخبر؛ لأنه لو قدم ثم اتصلت به كتابة المتكلم والمخاطب، للزمه التغيير الذي ذكرناه، ومع هذا أنه يضعف تغيير ما تعمل فيه الحروف عن مواضعها المرتب فيها.
وأهل الكوفة يقولون في خبر إن وأخواتها إنه مرفوع، كما كان يرتفع به قبل دخول (إن) و(أن)؛ لأن (أن) دخلت وعملها ضعيف فعملت في الاسم ولم تجاوزه، وبقي الخبر مرفوعا على ما كان قبل دخول (إن) وهذا غلط منهم ومناقضة، فأما الغلط فلأن خبر المبتدإ كان يرتفع بالتعري من العوامل اللفظية، وقد دخلت (إن) فزال ذلك التعري، وأما المناقضة فإنهم يقولون زيد قائم، كل واحد منهما يرفع الآخر، وإذا دخلت (إنّ) بطلت المرافعة فكيف يبقى الخبر على حاله.
وقال سيبويه: " وتقول إن زيدا الظريف منطلق، فإن لم تذكر المنطلق صار الظريف في موضع الخبر، كما قلت: كان زيد الظريف ذاهبا، فلما لم تجئ بالذاهب قلت كان زيد الظريف، فنصب هذا في (كان زيد) بمنزلة رفع الأول في إن وأخواتها، وتقول إن فيها زيدا قائما، فإن شئت رفعت على إلغاء فيها، وإن شئت قلت إن زيدا فيها قائما قائم، وتفسير نصب القائم هاهنا ورفعه كتفسيره في الابتداء، وعبد الله ينتصب بأن كما ارتفع بالابتداء، إلا (أن) فيها هاهنا بمنزلة هذا في أنه يستغني على ما بعدها السكوت ويقع موقعه، وليست بنفس عبد الله، و(إن) هي ظرف لا
[ ٢ / ٤٦٣ ]
تعمل فيها بمنزلة خلفك، وإنما انتصب خلفك بالذي فيه، وقد يقع الشيء موقع الشيء، وليس إعرابه كإعرابه وذلك قولك: مررت برجل يقول ذاك، فيقول في موضع قائل، وليس إعرابه كإعرابه ".
قال أبو سعيد: ذكر سيبويه في أن الظرف الذي يستغنى به الاسم فيحسن عليه السكوت، والذي ينصب الظرف في خبر (إن) هو الذي كان ينصبه في خبر الابتداء، وجواز الحال والخبر في إن كجوازهما في الابتداء، والظرف موقعه اسم هو الأول مرفوع؛ لأن قولنا زيد خلفك، وإن زيدا خلفك، موقعه موقع إن زيدا مستقر، وإن زيدا أخوك، وإن كان إعرابه يخالف إعرابه، كما أن مررت برجل يقول ذاك في موضع قائل ذاك، ويقول مرفوع وقائل مخفوض. وتقول إن بك زيدا مأخوذ، وإن لك زيدا واقف، من قبل أنك إذا أردت الوقوف والأخذ لم يكن بك ولا لك مستقرين لزيد ولا موضعين، ألا ترى أن السكوت لا يستغنى على زيد إذا قلت لك زيد وأنت تريد الوقوف، ومثل ذلك أن فيك زيدا لراغب.
قال الشاعر:
فلا تلحني فيها فإني بحبها أخال مصاب القلب جم بلابله (١)
وتقول: إن اليوم زيدا منطلق، إذا أردت أن تجعل زيدا اسم إنّ ومنطلق الخبر واليوم ظرف المنطلق، فإن نصبت اليوم ب (إن) قلت: إن اليوم زيد منطلق فيه، وقد تكون الجملة خبر اليوم والعائد إليه الهاء في (فيه).
وقال أبو سعيد: وتجوز حذف (فيه) منه، فتقول إن اليوم زيد منطلق، وأنت تريد:
فيه. كما قال الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (٢) والمعنى لا تجزى فيه، وحذف هذا جائز في الظروف، وتقول إن زيدا لفيها قائما، وإن شئت ألغيت (لفيها) كأنك قلت إن زيدا لقائم فيها.
وقال أبو سعيد: هذه اللام تدخل بعد تمام الاسم والخبر، فإذا دخلت على الخبر جاز أن يكون الذي يلاصقها الخبر، ويجوز ذلك أن يكون مثبتا في صلة الخبر مقدما عليه
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الكتاب ١/ ٢٨٠، والدرر ١/ ١١٣، شواهد المغني ٣٢٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٨.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
والخبر بعده، فأما ملاصقتها الخبر فقولك: إن زيدا لقائم في الدار، وإن زيدا لضارب عمرا، وإن زيدا لفي الدار قائما، والخبر لفي الدار، وأما ملاصقتها ما في صلة الخبر والخبر بعده، فقولك: إن زيدا لفيها قائم، وإنه إليك مأخوذ. قال أبو زبيد الطائي:
إنّ أمرا خصّني عمدا مودّته على التّنائي لعندي غير مكفور (١)
(غير مكفور) هو الخبر، و(عندي) من تمامه مقدم عليه، فإن قلت إن زيدا فيها لقائم لم يجز غير الرفع في قائم؛ لأنّا لو نصبناه صار الخبر (فيها) والاسم (زيد) وقد تم الاسم والخبر فلا تتأخر اللام عنهما.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا في غير هذا الموضع أن هذه اللام كان حقها أن تكون صدر الكلام، فإذا اجتمعت هي وإن فهي أولى بالتقدمة، وذلك أن (إن) عاملة واللام غير عاملة بل هي مانعة العمل ما قبلها فيما بعدها، فلو رتبت (إن) على التقدم لمنعتها اللام من النصب، وإذا رتبت اللام على التقدم لم يبطل عمل (إنّ)، فإذا دخلت اللام على (إن) اجتمع حرفا توكيد وهما جميعا يكونان للتوكيد، وجواب اليمين، فأخروا اللام وهم ينوون تقديمها على (إن) وحقها أن تدخل على الاسم إذا صار بينه وبين (إن) فاصل، كقولك إن في الدار لزيدا، فإذا لصق الاسم بأنّ أدخلوها على الخبر، ولا رتبة لشيء سوى الاسم والخبر؛ لأن ما سواهما لغو لا يعتد به؛ فلذلك لم يجز إنّ زيدا فيها لقائما، ولو جاز هذا لجاز إن زيدا ضارب لعمرا. ولو جاز دخول اللام متأخرة عن رتبتها على غير الترتيب الذي ذكرناه
لجاز زيد فيها لقائما في لام الابتداء؛ لأنّا نقول: لزيد فيها قائما في لام الابتداء. ولفيها زيد قائما.
وكان أبو العباس محمد بن يزيد لا يرى أن يعيد اللام مرتين؛ لأنهما لام واحدة، ولا يجيز: إن زيدا لفي الدار قائم، ولا يكرر اللام إذا كان المعنى واحدا. وأجاز أبو إسحاق الزجاج: إن زيدا لفي الدار لقائم، واحتج بقوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (٢) قال: وهو عندي بمنزلة مررت بالقوم كلهم أجمعين، وليس في الآية حجة لأبي إسحاق؛ لأن اللام في لمّا لام (إن) واللام في ليوفينهم لام يمين، وليست اللام في
_________________
(١) ديوانه ٧٨، الإنصاف ٤٠٤، ابن يعيش ٨/ ٦٥.
(٢) سورة هود، الآية: ١١١.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
ليوفينهم لام (إن) وإنما هي بمنزلة يمين مستأنفة. وقول أبي العباس في هذا أقوى.
وروى الخليل أن ناسا يقولون إن بك زيد مأخوذ على حذف الهاء من أنه بك زيد مأخوذ، وشبهه بما يجوز في الشعر؛ نحو قوله وهو ابن صريم اليشكري:
ويوما توافينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطوا إلى وارق السلم (١)
أي كأنها ظبية. وقال الآخر:
ووجه مشرق النحر كأن ثدياه حقان (٢)
لأنه لا يحسن هاهنا إلا الإضمار. وزعم الخليل أن هذا يشبه قول من قال وهو الفرزدق:
فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكن زنجيّ عظيم المشافر (٣)
والنصب أكثر في كلام العرب، كأنه قال ولكن زنجيّا عظيم المشافر لا يعرف قرابتي.
قال أبو سعيد: من نصب حذف الخبر، وهو لا يعرف قرابتي، فإنما صار النصب أكثر وأولى؛ لأن إظهار ما هو الأصل المبني أولى إذا فهم المحذوف، ومن رفع حذف الاسم ويكون تقديره: ولكنك زنجي، وجاز الوجهان كما يجوز في باب الابتداء حذف الاسم مرّة وحذف الخبر مرّة، وقد مضى نحوه ومثله ب الحذف قوله:
فلو كنت ضفاطا ولكن طالبا أناخ قليلا فوق ظهر سبيل (٤)
أي ولكن طالبا منيخا أنا، فالنصب أجود؛ لأنه لو أراد إضمارا لخفف، ولجعل المضمر مبتدأ؛ كقولك: ما أنت صالحا ولكن طالح، ورفعه على قوله: ولكن زنجي، والضفاط الذي يحمل طعامه إلى مكان فيبيعه، وقال الراجز:
يا أيها المجحدل الضفاط كيف تراهن بذي أراط (٥)
_________________
(١) البيت في الكتاب ١/ ٢٨١، ابن يعيش ٨/ ٨٣، المغني للبغدادي ١٥٨، الدرر ١/ ١٢١.
(٢) الكتاب ١/ ٢٨١، ابن يعيش ٨/ ٨٢.
(٣) في ديوانه ٤٨١، الكتاب ١/ ٢٨٢، ابن يعيش ٨/ ٨٢.
(٤) البيت في الكتاب ١/ ٢٨٢، اللسان (ضفط). ونسبه ابن السيرافي إلى الأخضر بن هبيرة الضبي ٢/ ١٦.
(٥) لم يستدل له على قائل، وورد الشطر الثاني في اللسان (أرط).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
والمجحدل الذي يكري إبله، والمجحدل الذي قد ملأ قربته أيضا، ويقال للذي يبل الجلد إذا كان يابسا قد ضفّطه يضفّطه ضفاطة.
وأخبرنا أبو بكر بن دريد (١) أن الضفاطة لعاب الدف. قال: وأما قول الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كلّ من يحفى وينتعل (٢)
فإن هذا على إضمار الهاء، لم يحذفوا لأن يكون الحذف يدخله في حروف الابتداء بمنزلة إن ولكنّ، ولكنهم حذفوا كما حذفوا الإضمار، وجعلوا الحذف علما لحذف الإضمار في (إنّ) كما فعلوا ذلك في (كأنّ).
قال أبو سعيد: (أنّ) المفتوحة المشددة إذا خففت ووليها ما يقوم بنفسه من مبتدإ وخبر وفعل وفاعل، أو نحو ذلك، فإنّ اسمها محذوف، وجعلوا الحذف علما لحذف الإضمار في (إن) كما فعلوا ذلك في (كأنّ) وليست بمنزلة (إن) المكسورة و(لكن) المشددة؛ لأن (إن) المكسورة و(لكنّ) يدخلان على المبتدإ فينصبانه، ولا يغيران معنى المبتدإ، فإذا خفضت أو أبطل عملها صار الاسم بعدهما مرفوعا بالابتداء ولا يحتاج فيهما إلى تقدير اسم لهما محذوف؛ كقول الله تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣) وقوله ﷿: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ (٤) كأنه قال: وكل جميع لدينا محضرون، والله يشهد بما أنزل إليك، وليست أنّ المفتوحة كذلك؛ لأنها في صلة شيء قبلها، ولا يبتدأ بها، وليس الاسم بعدها في موضع مبتدإ، فتسقط هي في التقدير. ألا ترى أن قوله ﷿: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى (٥) لو أسقطت (أنّ) لم يصلح: علم سيكون منكم مرضى. وكذلك قوله:
قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل
_________________
(١) أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، اكتسبت مدرسة البصرة شهرتها منه، توفي بها عام ٣٢١ هـ، الجمهرة ٣/ ٣٠.
(٢) رواية البيت في ديوانه: أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل. والبيت في ابن يعيش ٨/ ٧٤، والكتاب ١/ ٢٨٢، والدرر ١/ ١١٩.
(٣) سورة يس، الآية: ٣٢.
(٤) سورة النساء، الآية: ١٦٦.
(٥) سورة المزمل، الآية ٢٠.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
لو أسقطت (أن) لم يرفع كل من يحفى وينتعل، وكأن كذلك لما تضمنته من معنى التشبيه، والكاف داخلة على (أن) وليس كذلك (إن) المكسورة؛ ولكن لأنهما لا يقع عليهما شيء قبلهما، وقال: وأما ليتما زيد منطلق، فإن الإلغاء فيه حسن، وقد كان رؤبة بن العجاج ينشد هذا البيت رفعا، وهو قول النابغة الذبياني:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا ونصفه فقد (١)
فرفعه على وجهين: على أن يكون بمنزلة قول من قال: ما بعوضة أو يكون بمنزلة قولك: إنما زيد منطلق.
قال أبو سعيد: أحد وجهي الرفع أن تجعل (ما) بمنزلة (الذي) كأنه قال فيا ليت الذي هو هذا الحمام لنا، وكذلك مثلا الذي هو بعوضة، والوجه الآخر أن تجعل (ما) كافة للعامل مثل: إنما زيد منطلق، وليست باسم، و(لعلّما) بمنزلة (كأنما). وقال ابن كراع العكليّ:
تحلل وعالج ذات نفسك وانظرن أبا جعل لعلّما أنت حالم (٢)
وجعل (ما) كافة يغير معناها؛ لأنك إذا قلت إنما زيد البزاز تقلل أمره وكأنك تسلبه ما يدعى له غير البز، وليس الأمر في سائر الحروف كذلك، ولم تعمل (إنما) فيما بعدها؛ لأن ما أبطلت عملها، ونظيرها من الفعل أرى إذا جعلت لغوا في المواضع التي يلغى فيها أظن وأحسب ونحوهما ونطير (إنما) في إبطال عمل (إن) قول المرار الفقعسي:
أعلاقة أمّ الوليد بعد ما أفنان رأسك كالثغام المخلس (٣)
فأبطلت ما إضافة (بعد) إلى (أفنان) فصار بعد ما بمنزلة حيث وإذ، فهما ظرفان تفسرهما الجمل بعدهما، واعلم أنّ (إنّ) إذا خففت كان لها مذهبان؛ أحدهما: أن يبطل عملها ويليها الاسم والفعل جميعا وتلزمهما اللام فرقا بين إن إذا كانت للجحد بمعنى ما وبين (إن) إذا كانت للإيجاب والتحقيق، وذلك قولك في الإيجاب: إن زيد لذاهب وإن عمرو لخير منك، ومثله: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) إنما هي لعليها ووَ إِنْ كُلٌ
_________________
(١) البيت في ابن يعيش ٨/ ٥٨، الكتاب، ١/ ٢٨٢.
(٢) البيت في الكتاب ١/ ٢٨٣، وابن يعيش ٨/ ٥٨.
(٣) البيت في الكتاب ١/ ٢٨٣، المقتضب ٢/ ٥٤، وشواهد المغني ٢٤٦، تاج العروس (فنن).
(٤) سورة الطارق، الآية: ٤.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (١) إنما هي لجميع، وما لغو في الآيتين. وقال في دخولها على الفعل: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (٢) ووَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٣) والمذهب الآخر في (إنّ) إذا خففت أن لا يبطل عملها وتكون بمنزلة فعل سقط بعض حروفه وبقي عمله، كقولك: لم يك زيد منطلقا، ولم أنل زيدا، ومثله قراءة أهل المدينة وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ [هود: ١١] كما قالوا: كأن ثدييه حقان.
قال: وحدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول إن عمرا لمنطلق، وإذا عملت لم يلزمها دخول اللام؛ لأنها كالمشددة وزال اللبس بينها وبين (إن) التي بمعنى (ما) ولم يلها الفعل، ويجوز أن تقول إن زيدا منطلق وإن كلا قائم، والأكثر في المخففة أن يبطل عملها؛ لأنها كانت تعمل بلفظها، وفتح آخرها، وقد بطل اللفظ الذي كانت تعمل به، والفعل يعمل بمعناه وإن نقص لفظه، وقد جاء التخفيف والإعمال في المفتوحة وأنشدوا:
فلو أنك في يوم الرخاء سألتني فراقك لم أنجل وأنت صديق (٤)
وليس هذا بالجيد ولا بالكثير كالمكسورة.