اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع إذا قلت:
لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم وذلك إذا قلت: لا مثل زيد.
والدليل على ذلك قول العرب: لا أبا لك ولا غلامي لك. وزعم الخليل أن التنوين إنما ذهب للإضافة؛ ولذلك لحقت الألف الأب التي لا تكون إلا في الإضافة.
وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول: لا أباك في معنى لا أبا لك، فعلموا أنهم لو لم يجيئوا باللام لكان التنوين ساقطا كسقوطه في " لا مثل زيد " فلما جاءوا بلام الإضافة تركوا الاسم على حاله قبل أن تجيء اللام إذ كان المعنى واحدا وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثنى به في النداء.
ولم يغيروا الأول عن حاله قبل أن يجيئوا به وذلك قولهم:
يا تيم تيم عديّ (١)
وبمنزلة الهاء إذا لحقت " طلحة " في النداء لم يغيروا آخر " طلحة " عما كان عليه قبل أن تلحق وذلك قولهم (في بيت النابغة):
كيلني لهم يا أميمة ناصب (٢)
ومثل هذا: " اللام " قول الشاعر إذ اضطر:
يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام (٣)
حملوه على أن اللام لو لم تجئ لقلت يا بؤس الجهل.
_________________
(١) جزء بيت لجرير في قصيدة له في هجاء عمر بن لجا، والبيت بتمامه: يا تميم تيم عدي لا أبا لكم لا يوقعنكم في سوأة عمر ديوانه ١٣١، الكتاب ١/ ٢٦، الخزانة ١/ ٣٥٩، ابن يعيش ٢/ ١٠.
(٢) هذا صدر بيت عجزه: وليل أقاسيه بطيء الكواكب. في ديوانه ٢٠، الخزانة ١/ ٣٧٠، الشعر والشعراء ١/ ٦٦.
(٣) البيت للنابغة، قاله لزرعة بن عمر العامري، وهو عجز بيت صدره: قالت: بنو عامر خالوا بني أسد انظر: ديوانه ٩٨، ابن يعيش ٣/ ٦٨، الخزانة ١/ ٢٨٧.
[ ٣ / ١٧ ]
وإنما فعل هذا بالمنفي تخفيفا كأنهم لم يذكروا اللام كما أنهم إذا قالوا: يا طلحة أقبل. فكأنهم لم يذكروا الهاء وصارت اللام من الاسم بمنزلة الهاء من طلحة.
لا تغير الاسم عن حاله قبل أن تلحق، فالنفي في موضع تخفيف كما أن النداء في موضع تخفيف، فمن ثمّ جاء فيه مثل ما جاء في النداء.
وإنما ذهبت النون في " لا مسلمي لك " على هذا المثال جعلوه بمنزلة ما لو حذفت بعده اللام، وذلك قولك: لا أباك، فكأنهم لو لم يجيئوا باللام قالوا: لا مسلميك.
فعلى هذا الوجه حذفوا النون في: لا مسلمي لك، وذا تمثيل وإن لم يتكلم " بلا مسلميك " ليعلم أن النون إنما ذهبت حيث صارت اللام هاهنا بمنزلتها بعد الأب إذا قلت لا أبا لك.
قال مسكين الدارمي (١):
وقد مات شمّاخ ومات مزرد وأيّ كريم لا أبا لك يمنّع (٢)
ويروى " يخلّد ".
وتقول: لا يدين بها لك ولا يدين اليوم لك إثبات النون أحسن. وهو الوجه، وذلك أنك إذا قلت: لا يدي لك ولا أبا لك فالاسم بمنزلة اسم ليس بينه وبين المضاف إليه شيء نحو: لا مثل زيد، فكما قبح أن تقول: لا مثل بها زيد فتفصل قبح أن تقول:
" لا يدي بها لك " ولكن تقول: لا يدين بها لك ولا أب يوم الجمعة لك. كأنك قلت لا يدين بها ولا أب يوم الجمعة ثم جعلت " لك " خبرا فرارا من القبح.
وكذلك إن لم تجعل (لك) خبرا ولم تفصل بينهما وجئت ب " لك " بعد أن تضمر مكانا أو زمانا كإضمارك إذا قلت: لا رجل ولا بأس. وإن أظهرت فحسن ثم تقول (لك) لتبين المنفي عنه.
وربما تركتها استغناء بعلم المخاطب وقد تذكرها توكيدا وإن علم من تعني.
_________________
(١) هو ربيعة بن عامر الدارمي، نسبة إلى بني دارم من بني حنظلة بن تميم، توفي ٨٩ هـ، انظر: مقدمة ديوانه، ومعجم الأدباء ١١/ ١٢٦.
(٢) البيت في ديوانه ٥٠، والخزانة ٢/ ١١٨، وشرح الكافية ١/ ٢٦٥.
[ ٣ / ١٨ ]
فكما قبح أن تفصل بين المضاف والاسم المضاف إليه قبح أن تفصل يبن (لك) وبين المنفي الذي قبله.
لأن المنفي الذي قبله إذا جعلته كأنه اسم لم يفصل بينه وبين المضاف إليه، قبح فيه ما قبح في الاسم المضاف إلى اسم لم تجعل بينه وبينه شيئا؛ لأن اللام كأنها هاهنا لم تذكر.
ولو قلت هذا لقلت: لا أخا هذين اليومين لك، وهذا يجوز في الشعر؛ لأن الشاعر إذا اضطر فصل بين المضاف والمضاف إليه.
قال ذو الرمة (١):
كأنّ أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريج (٢)
وإنما اختير الذي تثبت فيه النون في هذا الباب كما اختير في " كم " إذا قلت:
" كم بها رجلا مصابا " وأنت تخبر لغة من ينصب بها لئلا يفصل بين الجار والمجرور.
ومن قال: " كم بها رجل مصاب " فلم يبال القبح قال: لا يدي بها لك، ولا أخا يوم الجمعة لك ولا أخا- فاعلم- لك.
والجر في: كم بها رجل مصاب وترك النون في:
لا يدي بها لك قول يونس.
واحتجّ بأن الكلام لا يستغنى إذا قلت: كم بها رجل، والذي يستغنى به الكلام وما لا يستغنى به قبحهما واحد إذا فصلت بكل واحد منهما بين الجار والمجرور.
ألا ترى أن قبح: " كم بها رجل مصاب " كقبح " كم فيها رجل " ولو حسن بالذي لا يستغنى به الكلام لحسن بالذي يستغنى به، كما أن كل كلام حسن لك أن تفصل فيه بين العامل والمعمول فيه بما يحسن عليه السكوت حسن لك أن تفصل فيه بينهما بما يقبح عليه السكوت.
وذلك قولك: " إنّ بها زيدا مصاب وإنّ فيها زيدا قائم " وكان بها زيد مصابا وكان فيها زيد مصابا.
_________________
(١) هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر، شاعر من فحول الطبقة الثانية، توفي ١١٧ هـ، انظر: وفيات الأعيان ١/ ٤٠٤، جمهرة شعراء العرب ١٧٧.
(٢) البيت في ديوانه ٧٦، والخزانة ٢/ ١١٩، وابن يعيش ١/ ١٠٣، والإنصاف ٢٥١.
[ ٣ / ١٩ ]
وإنما يفرق بين الذي يحسن عليه السكوت والذي لا يحسن في موضع غير هذا.
وإثبات النون قول الخليل ﵀.
وتقول: لا غلامين ولا جاريتي لك. إذا جعلت الآخر مضافا ولم تجعله خبرا له وصار الأول مضمرا له خبر، كأنك
قلت: لا غلامين في ملكك ولا جاريتي لك.
كأنك قلت: " ولا جاريتيك " في التمثيل. ولكنهم لا يتكلمون به.
فإنما اختصت " لا " في " الأب " بهذا كما اختصت " لدن " مع " غدوة " بما ذكرت لك.
ومن كلامهم أن يجري الشيء على ما لا يستعملونه في كلامهم نحو قولهم:
ملامح ومذاكير. لا يستعملون لا ملمحة ولا مذكارا، وكما جاء " عذيرك " على مثال ما يكون نكرة ومعرفة نحو: ضربا وضربك، ولا يتكلم به إلا معرفة مضافة وسترى نحو هذا إن شاء الله ومنه ما قد مضى.
وإن شئت قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك إذا جعلت " لك " خبرا لهما، وهو قول أبي عمرو، وكذلك إذا قلت: لا غلامين لك. وجعلت لك خبرا لأنه لا يكون إضافة وهو خبر؛ لأن المضاف يحتاج إلى الخبر مضمرا أو مظهرا.
ألا ترى أنه لو جاز: تيم تيم عدي في غير النداء لم يستقم لك إلا أن تقول ذاهبون.
فإذا قلت: لا أبا لك فهاهنا إضمار مكان ولكنه ترك استخفافا واستغناء.
قال نهار بن توسعة اليشكري فيما جعله خبرا:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم (١)
وإذا ترك النون فليس الاسم مع " لا " بمنزلة: خمسة عشر؛ لأنه لو أراد ذلك لجعل " لك " خبرا وأظهر النون أو أضمر خبرا ثم جاء بعدها ب (لك) توكيدا، ولكنه أجراه مجرى ما ذكرت لك في النداء؛ لأنه موضع حذف وتخفيف كما أن النداء كذلك.
وتقول أيضا- إن شئت- لا غلامين ولا جاريتين لك، ولا غلامين وجاريتين
_________________
(١) البيت في ابن يعيش ٢/ ١٠٤، الدرر ١/ ١٢٥، الشعر والشعراء ١/ ٥٣٧.
[ ٣ / ٢٠ ]
لك. كأنك قلت: لا غلامين ولا جاريتين في مكان كذا وكذا لك، فجاء ب " لك " بعد ما بني على الكلام الأول في مكان كذا وكذا، كما قال: لا يدين بها لك، حين صيره كأنه جاء ب " لك " فيه بعد ما قال: " لا يدين بها في الدنيا ".
واعلم أن المنفي الواحد إذا لم يل " لك " فإنما يذهب منه التنوين كما أذهب من آخر " خمسة عشر " لا كما أذهب من المضاف.
والدليل على ذلك أن العرب تقول: لا غلامين عندك ولا غلامين فيها. ولا أب فيها، وأثبتوا النون فيها؛ لأن النون لا تحذف من الاسم الذي يجعل وما قبله أو وما بعد بمنزلة اسم في واحد. ألا تراهم قالوا: الذين في الدار. فجعلوا "
الذين " وما بعده من الكلام بمنزلة اسمين جعلا اسما واحدا، ولم يحذفوا النون؛ لأنها لا تجيء على حد التنوين. ألا تراها تدخل في الألف واللام وفيما لا ينصرف، وإنما صارت الأسماء حين وليت " لك " بمنزلة مضاف لأنهم كأنّهم ألحقوا اللام بعد اسم كان مضافا، كما أنك إذا قلت: يا تيم تيم عدي فإنما ألحقت الاسم اسما كان مضافا، ولم يغير الثاني المعنى، كما أن اللام لا تغير معنى: لا أباك.
وإذا قلت: " لا أب فيها " فليست (في) من الحروف التي إذا لحقت بعد مضاف لم تغير المعنى الذي كان قبل أن تلحق.
ألا ترى أن " اللام " لا تغير معنى المضاف إلى الاسم إذا صارت بينهما، كما أن الاسم الذي يثنى به لا يغير المعنى إذا صار بين الأول والمضاف إليه، فمن ثم صارت اللام بمنزلة الاسم الذي يتثنى به.
وتقول: لا غلام وجارية فيها؛ لأن " لا " إنما تجعل وما تعمل فيه اسما واحدا، إذا كانت إلى جنب الاسم، فكما لا يجوز أن تفصل خمسة من عشرة كذلك لم يستقم هذا لأنه أي (لا) مشبه به، فإذا فارقه جرى على الأصل، قال الشاعر:
لا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا (١)
وتقول: " لا رجل ولا امرأة يا فتى " إذا كانت " لا " بمنزلتها في " ليس " حين تقول: ليس لك رجل ولا امرأة فيها.
قال رجل من بني سليم وهو أنس بن العباس:
_________________
(١) البيت لرجل من بني عبد مناة من بني كنانة، انظر: الخزانة ٢/ ١٠٢، والعيني ٢/ ٣٥٥.
[ ٣ / ٢١ ]
لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع (١)
ويروى: " اتسع الفتق على الراتق "
كما وتقول: " لا رجل ولا امرأة فيها " فتعيد " لا " الأولى كما تقول: ليس عبد الله وليس أخوه فيها. وتكون حال الآخرة في تثنيتها كحال الأولى.
فإن قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك، إذا كانت الثانية هي الأولى أثبت النون؛ لأن " لك " خبرا عنهما والنون لا تذهب إذا جعلتهما كاسم واحد؛ لأن النون أقوى من التنوين، فلم يجروا عليها ما أجروا على التنوين في هذا الباب. لأنه مفارق للنون ولأنها ثبت فيما لا يثبت فيه.
واعلم أن كل شيء حسن لك أن تعمل فيه " رب " حسن لك أن تعمل فيه " لا ".
وسألت الخليل عن قول العرب " ولا سيما زيد " فزعم أنه مثل قولك " ولا مثل زيد " و" ما " لغو وقال: ولا سيما وزيد. كقولهم: دع ما زيد، وكقوله: مَثَلًا ما بَعُوضَةً (٢) ف " سي " في هذا الموضع بمنزلة " مثل " فمن ثم عملت فيه " لا "
كما تعمل " رب " في " مثل " وذلك قولك: " رب مثل زيد ".
قال أبو محجن الثقفي:
يا رب مثلك في النساء غريرة بيضاء قد متعتها بطلاق (٣)
قال أبو سعيد: إذا كان بعد الاسم المنفي لام إضافة ففي الاسم الأول وجهان:
أحدهما: أن يبنى الاسم الأول مع " لا " وتكون اللام في موضع النعت للاسم أو في موضع الخبر، وهذا هو الأصل والقياس، وتكون منزلة " اللام " كمنزلة سائر حروف الجر وذلك قولك " لا غلام لك ".
كما تقول: لا رجل في الدار ولا غلامين لك، كما تقول لا رجلين في الدار ولا أب لزيد.
كما تقول: " لا أب كزيد " والاسم الأول مبني مع " لا " وحرف الجر بعده في موضع النعت له أو الخبر.
_________________
(١) البيت في ابن يعيش ٢/ ١٠١، والدرر ٢/ ١٩٨، والعيني، ٢/ ٣٥٢.
(٢) سورة البقرة، من الآية ٢٦.
(٣) البيت ليس في ديوانه، وهو منسوب لغيلان بن سلمة في ابن يعيش ٣/ ١٢٦، والكتاب ١/ ٢١٢، المقتضب ٤/ ٤٨٩.
[ ٣ / ٢٢ ]
والوجه الآخر: أن يكون الاسم الذي بعد " لا " مضافا إلى الاسم الذي بعد " اللام " وتكون اللام زائدة مؤكدة للإضافة، ويكون لفظ الاسم الأول كلفظ الاسم المضاف و" لا " عاملة فيه غير مبنية معه وذلك قولك " لا أبا لزيد ولا أخا لك ولا مسلمي لك ".
وعلم بثبات الألف في " أبا " وأخا " أنهما مضافان إذ كانت هذه الألف وأختاها الواو والباء إنما يدخلن على (أبوك وأخوك وحموك وفوك وذو) وإذا كانت مضافة فتكون الواو علامة الرفع والياء علامة الجر والألف علامة النصب.
وعلم بسقوط النون من: لا غلامي لزيد، ولا جاريتي لأخيك، ولا مسلمي لك أنه مضاف وزيادة اللام شاذة، ولا تزاد إلا في " لا " وفي النداء كقوله:
يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام (١)
وأخرجه عن القياس سيبويه وطول الكلام عليه والاحتجاج له وذكر الأشياء الشاذة ليؤنس بشذوذه.
وأصل هذا عنده: إن الإضافة وقعت قبل اللام، وهي في نية التنوين المانع من الإضافة، كما لا تعرف إضافة " مثل " إلى " زيد " في قولك: لا مثل زيد.
والأصل عنده في: لا أبا لك. ولا مسلمي لك. لا أباك ولا مسلميك. قال الشاعر:
وقد مات شماخ ومات مزرد وأي كريم لا أباك يخلّد (٢)
وقال آخر (٣):
أبا لموت الذي لا بدّ أني ملاق لا أباك تخوّفيني (٤)
وأدخلوا " اللام " بين المضاف والمضاف إليه توكيدا؛ لأن الإضافة بمعنى " اللام " كما أدخلوا " تيم " الثاني بين " تيم " الأول وبين " عدي " في: يا تيم تيم عدي ".
وكما زادوا " الهاء " في طلحة بعد أن رخموه.
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) البيت سبق تخريجه.
(٣) قائل البيت: أبو حية النميري، وهو الهيثم بن الربيع بن زرارة، من بني نمير بن عامر، وكنيته أبو حية، توفي ١٨٣ هـ. انظر الخزانة ٣/ ١٥٤.
(٤) البيت في ابن يعيش ٢/ ١٠٥، والخزانة ٢/ ١١٨، والعقد الفريد ٢/ ٤٨٨.
[ ٣ / ٢٣ ]
وزادوا " اللام " في: يا بؤس للحرب (١)
وشبه باب النفي بباب النداء لما يقع فيهما من التغيير وحذف التنوين.
وما كان من ذلك في تقدير الإضافة إلى ما بعد اللام، ولا يحسن أن تفصل بينه وبين اللام. فإذا فصلت بطلت الإضافة، تقول: لا يدين به لك، ولا يدين اليوم لك إثبات النّون أحسن؛ والوجه لأنك إذا حذفت النون فإنما تحذفها للإضافة إلى ما بعد اللام، وقد فصلت بينهما بقولك " بها " و" اليوم " فلم يحسن، فعدلت إلى الوجه الذي لا إضافة فيه فقلت: لا يدين بها لك ولا أب يوم الجمعة لك، وجعلت " لك " خبرا أو نعتا أو بيانا بعد أن تضمر خبرا هو: مكان أو زمان ".
والبيان " بلك " أن تقدر " أعني " كما تقدر ذلك في: سقيا لك، وإذا أردت هذا المعنى فليس " لك " بنعت ولا خبر.
وإن تركت " لك " استغناء يعلم المخاطب بها كقولهم: " لا رجل " " ولا بأس " فهو جائز وإن ذكرته توكيدا وأنت تعلم أنّ المخاطب يعلمه جاز.
وإن أضفت مع الفصل ففيه قبح، وهو مع قبحه جائز في الشعر وشاهده:
كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريج (٢)
أضاف " أصوات " إلى " أواخر الميس " وفصل بما بينهما من الكلام.
ولا يقع الفصل بين المضاف والمضاف إليه إلا بالظرف وحروف الجر، وقد استقبح سيبويه الفصل بين الجار والمجرور بما يتم به الكلام وبما لا يتم.
وأجاز يونس الفصل بما لا يتم الكلام به كقوله:
لا يدي بها لك. ومعناه: لا طاقة بها لك. " وبها " في هذا الموضع لا يكون خبرا ولا يتم. وقد احتج سيبويه بما ذكره.
ومعنى قول سيبويه " وقد يفرق بين الذي يحسن عليه السكوت والذي لا يحسن في موضع غير هذا " يعني نحو قوله:
في الدار زيد قائم وقائما؛ لأن الكلام يتم بقوله: في الدار، ولا تقول: بعمرو زيد
_________________
(١) جزء بيت لسعد بن مالك، وتمامه: يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا انظر: الخزانة ١/ ٢٢٤، والكامل ٧/ ١٤٧.
(٢) البيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٤ ]
كفيلا " لأنك لا تقول: بعمر وزيد وتسكت.
وشبه سيبويه أيضا اختصاص " لا " بزيادة اللام بعدها بشذوذ تنوين " غدوة " مع " لدن ".
وبقولهم: " ملامح ومذاكير " في جمع " لمح وذكر " و" عذيرك " في لزوم الإضافة والتعريف والخروج عن منهاج نظائره وقد ذكر شذوذ هذه الأشياء في مواضعها.
وقد ذكرنا في أول شرح الباب: لا أب لزيد وقول الشاعر:
" لا أب لي سواه "
من ذلك.
فإن قال قائل: ذكرتم أن قول القائل: لا أخا لك .. تقديره " لا أخاك. واللام زائدة، فإذا قال: لا أخالي. وجعلت اللام زائدة بقى: " لا أخاي " وليس في الكلام رأيت أخاي ..؟
فالجواب: أن الأصل أن يقال: رأيت أخيّ وحملت أبيّ كما تقول: ألقمت فيّ.
واستثقلوا تشديد الياء فحذفوا لام الفعل وشبهوها بما حذف لامه نحو: يدي ودمي، فإذا فصلوا بينهما باللام رجع الحرف إلى أصله ونطق به على قياسه في: " لا أخا لك " وغيره.
وإذا عطف على اسم " لا " المبني معها فليس في المعطوف غير التنوين لبطلان بنائه مع شيء يسقط التنوين منه كقولك: لا رجل وامرأة ولا أب وابنا.
وإن أعدت " لا " فأنت بالخيار:
إن شئت جعلتها عاملة مثل الأولى فتبني معها الاسم كقولك: لا رجل ولا امرأة في الدار.
وإن شئت جعلتها مؤكدة للجحد- دخولها كخروجها- ونونت الاسم الثاني بالعطف على الأول، وذلك قولك: لا رجل ولا امرأة ولا نسب اليوم ولا خلة.
والعطف بالواو وحدها و" لا " لتوكيد الجحد.
وهذا معنى قول سيبويه " إذا كانت بمنزلتها في " ليس " لأنك إذا قلت: ليس لك رجل ولا امرأة " فلا " الثانية غير عاملة. إنما هي مؤكدة للجحد الذي ب " ليس ".
وباقي الباب مفهوم.