" اعلم أن ل (كم) موضعين: أحدهما الاستفهام وهو الحرف المستفهم به بمنزلة كيف وأين.
والموضع الآخر: يكون فيه معناها معنى (ربّ).
وقد تكون في الموضعين اسما فاعلا، ومفعولا، وظرفا، ويبنى عليها إلا أنّها لا تتصرف تصرفّ يوم وليلة، كما أن حيث وأين لا يتصرفان تصرف تحتك، وخلفك، وهما موضعان بمنزلتهما، غير أنها حروف لم تتمكن في الكلام، إنما لها مواضع تلزمها في الكلام، ومثل ذلك- في الكلام- كثير، وقد ذكر فيما مضى وستراه فيما يستقبل إن شاء الله.
أما (كم) في الاستفهام إذا عملت فيما بعدها فهي بمنزلة اسم متصرف في الكلام منون، قد عمل فيما بعده لأنه ليس من صفته، ولا محمولا على ما حمل عليه، وذلك الاسم عشرون وما أشبهها نحو ثلاثين وأربعين.
_________________
(١) البيت سبق تخريجه
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وإذا قال لك رجل: كم لك؟ فقد سألك عن عدد، لأن (كم) هو اسم لعدة.
فإذا قال: كم لك درهما؟ أو كم درهما لك؟ ففسرت ما يسأل عنه قلت:
عشرون درهما. فعملت في الدرهم عمل العشرين في الدرهم ولك مبنية على كم.
واعلم أن (كم) تعمل في كل شيء حسن للعشرين أن تعمل فيه، فإذا قبح للعشرين أن تعمل في شيء قبح ذلك في
(كم) لأن العشرين عدد منوّن، وكذلك (كم) هو منون عندهم، كما أن خمسة عشر عندهم بمنزلة ما قد لفظوا بتنوينه، لولا ذلك لم يقولوا: خمسة عشر درهما ولكن التنوين ذهب منه كما ذهب مما لا يتصرف، وموضعه موضع اسم منون.
وكذلك (كم) موضعها موضع اسم منون، وذهبت منها الحركة، كما ذهبت من (إذ) لأنهما غير متمكنين في الكلام، وذلك أنك لو قلت: كم لك الدرهم لم يجز، كما لم يجز في قولك: عشرون الدرهم، ولأنهم إنما أرادوا عشرون من الدراهم، هذا معنى الكلام، ولكنهم حذفوا الألف واللام وصيروه إلى الواحد، وحذفوا (من) استخفافا كما قالوا: هذا أول فارس في الناس وإنما يريدون: هذا أول من الفرسان فحذف الكلام.
وكذلك (كم) إنما أرادوا كم لك من الدراهم؟
وزعم أن قولك العشرون لك درهما فيها قبح، ولكنها جازت في (كم) جوازا حسنا؛ كأنه صار عوضا من التمكن في الكلام؛ لأنها لا تكون إلا مبتدأة ولا تؤخر فاعله ولا مفعوله، ولا تقول: رأيت كم رجلا، وإنما تقول: كم رجلا رأيت.
وتقول: كم رجل أتاني، ولا تقول: أتاني كم رجل.
ولو قال: أتاك ثلاثون- اليوم- رجلا كان قبيحا؛ لأنه لا يقوى قوة الفاعل وليس مثل (كم) لما ذكرت لك. وقال الشاعر:
على أنني- بعد ما قد مضى- ثلاثون للهجر حولا كميلا
يذكر منك حنين العجول ونوح الحمامة تدعو هديلا (١)
و(كم رجلا أتاك) أقوى من: (كم أتاك رجلا)، وكم هاهنا فاعلة.
و(كم رجلا ضربت) أقوى من: (كم ضربت رجلا)، وكم هاهنا معقولة.
_________________
(١) البيتان منسوبان لعباس بن مرداس في الخزانة الشاهد ٢١٦، ابن يعيش ٤/ ١٣٠، العيني ٤/ ٤٨١.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وتقول: كم مثله لك، وكم خيرا منه لك، وكم غيره لك، كلّ هذا جائز حسن؛ لأنه يجوز بعد عشرين- فيما زعم يونس.
وتقول: كم غيره مثله لك، انتصب غيره (بكم)، وانتصب مثله لأنه صفة له ولم يجز يونس والخليل: كم غلمانا لك؛ لأنك لا تقول: عشرون ثيابا لك إلا على وجه: لك مائة بيضاء وعليك راقود خلا.
فإن أردت هذا المعنى قلت: كم لك غلمانا، ويقبح أن تقول: كم غلمانا لك؛ لأنه قبيح أن تقول: عبد الله قائما فيها، كما قبح أن تقول: قائما فيها زيد، وقد فسرنا ذلك في بابه.
وإذا قلت: كم عبد الله ماكث، فكم أيام، وعبد الله فاعل، وإذا قلت: كم عبد الله عندك، فكم ظرف من الأيام، وليس يكون عبد الله تفسيرا للأيام لأنه ليس منها.
والتفسير: كم يوما عبد الله ماكث أو كم شهرا عبد الله عندك؟ فعبد الله يرتفع بالابتداء كما ارتفع بالفعل حين قلت: كم رجلا ضرب عبد الله.
فإذا قلت: كم جريبا أرضك؟ فأرضك مرتفعة ب (كم) لأنها مبتدأة، والأرض مبنية عليها وانتصب الجريب؛ لأنه ليس بمبني على مبتدإ، ولا وصف فكأنك قلت:
عشرون درهما خير من عشرة.
وإن شئت قلت: كم غلمان لك؟ فتجعل (غلمان) في موضع خبر، وتجعل (لك) صفة لهم.
وسألته: على كم جذع بيتك مبني؟ فقال: القياس النصب، وهو قول عامة الناس
فأما الذين جرّوا فإنهم أرادوا معنى (من) ولكنهم حذفوها هاهنا.
تخفيفا على اللسان، وصارت (على) عوضا منها.
ومثل ذلك: الله لا أفعل، فإذا قلت: لاها الله لا أفعل لم يكن إلا الجر، وذلك أنه يريد لاها والله، ولكنه صار (ها) عوضا من اللفظ بالحرف الذي يجر وعاقبه.
ومثل ذلك: الله ليفعلنّ؟ إذا استفهمت أضمروا الحذف الذي يجرّ وحذفوا تخفيفا على اللسان، وصارت ألف الاستفهام بدلا منه في اللفظ معاقبا.
واعلم أن (كم) - في الخبر- بمنزلة اسم يتصرف في الكلام غير منّون يجر ما بعده إذا سقط التنوين، وذلك الاسم نحو: مائتي درهم، فانجر الدرهم؛ لأن التنوين
[ ٢ / ٤٨٥ ]
ذهب ودخل فيما قبله، والمعنى معنى ربّ، وذلك قولك:
كم غلام لك قد ذهب.
قال: فإن قال قائل: ما شأنها في الخبر صارت بمنزلة اسم غير منون؟
فالجواب فيه أن تقول: جعلوها في المسألة مثل (عشرين) وما أشبهها، وجعلت في الخبر بمنزلة ثلاثة إلى العشرة
تجر ما بعدها، كما جرت هذه الحروف ما بعدها فجاز (ذا) في (كم) حين اختلف الموضعان، كما جاز في الأسماء المتصرفة التي هي للعدد.
واعلم أن (كم) في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه ربّ؛ لأن المعنى واحد، إلا أن كم اسم و(ربّ) غير اسم بمنزلة من، الدليل عليه أن العرب تقول: كم رجل أفضل منك، تجعله خبر (كم) أخبرنا بذلك يونس عن أبي عمرو.
واعلم أن ناسا من العرب يعملونها فيما بعدها في الخبر كما يعملونها في الاستفهام فينصبون بها كأنها اسم منون.
ويجوز لها أن تعمل في هذا الموضع في جميع ما عملت فيه (ربّ) إلا أنها تنصب لأنها منونة، ومعناها منونة وغير منونة سواء، لأنه لو جاز في الكلام أو اضطر شاعر فقال: ثلاثة أثوابا كان معناه معنى ثلاثة أثواب.
وقال يزيد بن حنية ويروى للربيع:
إذا عاش الفتى مائتين عاما فقد ذهب المسرة والفتاء (١)
وقال الآخر:
أنعت عيرا من حمير خنزره في كل عير مائتان كمّره (٢)
وبعض العرب ينشد قول الفرزدق:
كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت علي عشاري
وهو كثير، منهم الفرزدق.
وقد قال بعضهم: كم على كل حال منونة، ولكن الذين جروا في الخبر أضمروا
_________________
(١) البيت في ابن يعيش ٦/ ٢٣، الخزانة الشاهد ٥٤٥، الجمهرة لابن دريد ٣/ ٢١٥.
(٢) الرجز للأعور بن براء الكلبي، في ابن يعيش ٦/ ٢٤
[ ٢ / ٤٨٦ ]
(من) كما جاز لهم أن يضمروا (رب) وزعم الخليل أن قولهم: (لاه أبوك) ولقيته أمس إنما هو على: لله أبوك، ولقيته بالأمس، ولكنهم حذفوا الجار تخفيفا على اللسان، وليس كل جار يضمر؛ لأن المجرور داخل في الجار، فصارا عندهم بمنزلة حرف واحد، فمن ثمّ قبح، ولكنهم يضمرونه ويحذفونه فيما كثر في كلامهم؛ لأنهم إلى تخفيف ما أكثروا استعماله أحوج.
قال الشاعر العنبري:
وجدّاء ما يرجى بهاذ وقرابة لعطف وما يخشى السماة ربيبها (١)
وقال امرؤ القيس:
ومثلك بكرا قد طرقت وثّيبا وألهيتها عن ذي تمام مغيل (٢)
أي رب مثلك.
ومن العرب من ينصبه على الفعل:
ومثلك رهبي قد تركت رذية تقلّب عينيها إذا مرّ طائر (٣)
سمعنا ذلك ممن يرويه عن العرب.
والتفسير الأول في (كم) أقوى لأنه لا يحمل على الاضطرار والشاذ، وإذا كان له وجه جيد ولا يقوى قول الخليل في أمس لأنك تقول: ذهب أمس بما فيه.
فإذا فصلت بين (كم) وبين الاسم بشيء استغني عليه السكوت أو لم يستغن فاحمله على لغة الذين يستعملونها بمنزلة اسم منون؛ لأنه قبيح أن يفصل بين الجار والمجرور، لأن المجرور داخل في الجار فصارا كأنهما كلمة واحدة، والاسم المنون يفصل بينه وبين الذي يعمل فيه، تقول: هذا ضارب بك زيدا، ولا تقول: هذا ضارب بك زيد. قال زهير:
تؤم سنانا وكم دونك من الأرض محدودبا غارها (٤)
وقال القطامي:
_________________
(١) البيت في الكتاب ص ٢٤٤.
(٢) البيت في الديوان ٦٦.
(٣) نسبه بعضهم إلى أبي ربيس الثعلبي، وهو من الخمسين.
(٤) البيت نسب إلى زهير وابنه كعب في ابن يعيش ٤/ ١٣١، الإنصاف ٣٠٦، الأشموني ٤/ ٨٣، وليس بديوانهما.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
كم نالني منهم فضلا على عدم إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل (١)
وإن شاء رفع فجعل كم المرار التي ناله فيها الفضل، فارتفع الفضل ب (نالني) كقولك: كم قد أتاني زيد، فزيد فاعل وكم مفعول فيها وهي المرار التي أتاه فيها.
وليس زيد من المرار، وقد قال بعض العرب.
كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت علىّ عشار
وقال الآخر:
كم قد فاتني بطل كميّ وياسر فتية سمح هضوم (٢)
فجعل (كم) مرارا كأنه قال: كم مرة قد حلبت علي عماتك.
وقال ذو الرمة ففصل بين الجار والمجرور:
(كأنّ أصوات من أيغالهنّ بنا أواخر الميس أصوات الفراريج (٣)
وقد يجوز في الشعر أن تجر وبينها وبين الاسم حاجر: فتقول: كم فيها رجل.
كما قال الأعشى:
إلا علالة أو بداهة قارج بهذا الجزارة (٤)
فإن قال قائل: أضمر (من) بعد (فيها) قيل له ليس في كل موضع يضمر الجارّ، ومع ذلك إن وقوعها بعد (كم) أكثر.
وقال: يجوز على قول الشاعر:
كم بجود مقرف نال العلا وكريم نجله قد وضّعه (٥)
الجر والرفع والنصب على ما فسرنا. كما قال:
كم فيهم ملك أغر وسوقة حكم بأردية المكارم مرتدي (٦)
وقال:
_________________
(١) البيت في ديوانه ٣٠، وابن يعيش ٤/ ١٣١، الدرر ١/ ٢١٢.
(٢) البيت منسوب إلى الأشهب بن رميلة في الكتاب ١/ ٢٩٥، المقتضب ٣/ ٦٢.
(٣) البيت في ديوانه ٧٦، ابن يعيش ٣/ ٧٧، ٤/ ١٣٢.
(٤) البيت في الخزانة الشاهد ٢٣، الخصائص ٢/ ٤٠٧.
(٥) البيت منسوب إلى أبي الأسود الدؤلي بالخزانة الشاهد ٤٨٩ / ابن يعيش ٤/ ١٣٢، الدرر ١/ ٢١٢.
(٦) البيت للفرزدق وليس في ديوانه، ابن السيرافي ١/ ٣٤٨.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
كم في بني بكر بن سعد سيد ضخم الدسيفة ماجد نفاء (١)
وتقول: كم قد أتاني لا رجل ولا رجلان، وكم عبد لك ولا عبد ولا عبدان، فهذا محمول على ما حمل عليه (كم) لا على ما تعمل فيه كم، فإنك قلت:
لا رجل أتاني ولا رجلان، ولا عبد لك ولا عبدان، وذلك لأن (كم) يفسر ما وقعت عليه من العدد بالواحد المنكور، كما قلت: عشرون درهما، أو بجميع منكور نحو ثلاثة أثواب وهذا جائز في التي تقع في الخبر، فأما التي تقع في الاستفهام فلا يجوز فيها إلا ما جاز في العشرين.
ولو قلت: كم لا رجلا ولا رجلين في الخبر أو الاستفهام كان غير جائز؛ لأنه ليس هكذا تفسير العدد.
ولو جاز (ذا) لقلت: عشرون لا عبدا ولا عبدين.
ولا رجل ولا رجلان توكيد ل (كم)، لا للذي عمل فيه؛ لأنه لو كان عليه كان حالا وكان نقضا. ومثل ذلك قولك للرجل: كم لك عبدا؟ فيقول: عبدان، أو ثلاثة أعبد، حمل الكلام على ما حمل عليه (كم) ولم يرد من المسؤول أن يفسر له العدد الذي يسأل عنه، إنما على السائل أن يفسر له العدد حتى يجيبه المسؤول على العدد ثم يفسره بعد، إن شاء فيعمل في الذي يفسر به العدد، كما أعمل السائل في (كم) في العدد. ولو أراد المسؤول عن ذلك أن ينصب عبدا أو عبدين على (كم) كان قد أحال، كأنه يريد أن يجيب السائل بقوله: كم عبدا فيصير سائلا، ومع هذا أنه لا يجوز لك أن تعمل (كم) وهي مضمرة، في واحد من الموضعين؛ لأنه ليس بفعل ولا اسم أخذ من الفعل. ألا ترى إنه إذا قال المسؤول: عبدين أو ثلاثة أعبد فنصب على (كم) أنه قد أضمر (كم).
وزعم الخليل أنه يجوز أن تقول: كم غلاما لك ذاهب، تجعل لك صفة للغلام، وذاهبا خبرا ل (كم)، ومن ذلك أن تقول: كم منهم شاهد على فلان، إذا جعلت شاهدا خبرا ل (كم)، وكذلك هو في الخبر أيضا.
تقول: كم مأخوذ بك إذا أردت أن تجعل مأخوذا بك في موضع (لك) إذا قلت: كم لك؛ لأن لك لا تعمل فيه كم ولكنه مبنيّ عليها، كأنك قلت: كم رجل لك،
_________________
(١) البيت للفرزدق وليس في ديوانه، ابن يعيش ٤/ ١٣٢، العيني ٤/ ٣٩٢.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
وإن كان المعنيان مختلفين؛ لأن معنى كم مأخوذ بك غير معنى: كم رجل لك.
ولا يجوز في (ربّ) ذلك؛ لأن كم اسم، وربّ غير اسم، ولا يجوز أن تقول:
رب رجل لك.
قال أبو سعيد: هذا الباب أكثره مفهوم، ومنه ما قد مضى تفسيره في غير هذا الباب، وأنا أسوق هذا الباب إلى آخره جملة، ليقع تفسير ما يفسر منه جملة غير مفرقة والله المعين بطوله.
فمن ذلك قوله: وهي: يعني (كم) في الاستفهام تكون اسما فاعلا، وكم لا تكون فاعلة؛ لأنها أول الكلام في اللفظ،
فإذا كان الفعل لها فإنما يرتفع ضميرها به. وهي مرفوعة بالابتداء، وإنما سماها فاعلة لأن الفعل في المعنى لها. وقوله: لا تصرّف تصّرف يوم وليلة؛ لأن يوما وليلة يتقدمان ويتوسطان ويتأخران، و(كم) لها صدر الكلام.
وشبهت (بعشرين) لأنها تنصب، ومنصوبها واحد من النوع، فمذهبها مذهب ما ينصب واحدا منكورا، وهي من أحد عشر إلى تسعة وتسعين، وتقدر (كم) تقدير اسم كان منونا بنصب ما بعده بالتنوين، ودخله البناء، وحذف التنوين لوقوعه موقع حرف الاستفهام فصار ينصب ما بعده بتقدير التنوين، ودخله البناء، كما تنصب ما بعد خمسة عشر بتقدير التنوين.
ولا يستقبح الفصل بين عشرين وبين منصوبها من النوع؛ لأن (كم) كانت مستحقة للتمكن بالاسمية ثم منعته بما أوجب لها البناء، فصار الفصل واستحسان جوازه عوضا مما منعته من التمكن و(العشرون) وبابها باق على التمكن، وإن كان ذلك يجوز في العشرين ونحوها في الشعر على ضعفه لضعف عمل (عشرين).
فمما لم ينشده سيبويه قول عبد بني الحسحاس من:
أشوقا ولما تمض لي غير ليلة رويد الهوى حتى تغب لياليا
فأشهد عند الله أني رأيتها وعشرون منها إصبعا من ورائيا (١)
وذكر أبو العباس محمد بن يزيد أنه قرأ على عمارة لجرير:
في خمس عشرة من جمادى ليلة لا أستطيع على الفراش رقادي (٢)
_________________
(١) البيتان ليسا في ديوان سحيم، ابن يعيش ٤/ ١٣٠.
(٢) البيت في الأغاني ٢٠/ ١٨٣، طبقات ابن المعتز ٣١٦. والبيت في ديوان جرير ٥٠٧ برواية: لي خمس عشر من جمادى ليلة ما أستطيع
[ ٢ / ٤٩٠ ]
فإن قال قائل: ذكر سيبويه أن الفصل بين (كم) وبين ما نصبته تلك يجوز في (كم) جوازا حسنا؛ لأنه كأنه صار عوضا من التمكن، فيلزم في خمس عشرة ونظائره من (أحد عشر) إلى (تسعة عشر) أن يجوز الفصل جوازا حسنا، فللمحتج عن سيبويه أن يقول: قد كثر الكلام ب (كم) لأنه في كل مستفهم عنه من المقدار فاجتمع كثرة الاستعمال إلى منع التمكن، ولم تكثر في باب (خمسة عشر).
والذي عندي أن جواز ذلك في (كم) لكثرة استعمالها وترددها في المواضع واعلم أنه يجوز أن تحذف من (كم) مفسره كما تحذف من عشرين ونظائره، وتكتفي بالدلالة عليه مما يجري (ذكره) أو مما يقتضيه الكلام ولا
يكون مميزه إلا واحدا منكورا من النوع، كما لا يكون إلا ذلك في عشرين ونظائره.
فإذا لم يكن بعد (كم) ما يصح أن يكون مميزا له علمت أنه قد حذف مميّزه وذلك قولك كم عبد الله ماكث، فعبد الله مبتدأ، وماكث خبره، وعريت (كم) من ذكر المميز، وكانت مسألة السائل عن مقدار مكث عبد الله من الزمان، فقدرت كم يوما أو كم شهرا، أو ما أشبه ذلك، وكم في موضع نصب، ينصبه ماكث، وهو ظرف من الزمان، ولأن (كم) يسأل بها عن كل مقدار جاز أن يسأل بها عن الزمان وعن المكان وعن المصادر وعن الأسماء.
فعن أي شيء سئل بها صارت من ذلك الجنس، فإذا قلت: كم سرت؟ وأنت تريده ما ساره من المسافة فهو ظريف من المكان، كأنك قلت: كم فرسخا سرت، أو كم ميلا، ونحو ذلك.
وإذا أردت مساره من الأيام فهو ظرف من الزمان، وتقديره: كم يوما سرت؟ أو كم ساعة، أو نحو ذلك مما تقصد ويفهم عنك.
فإذا قلت: كم غلمانا لك لم يجز على وجه من الوجوه؛ لأنك إن نصبت غلمانا على التمييز لم يجز؛ لأن (كم) في الاستفهام لا يميز إلا بواحد، كعشرين.
وإن أردت نصبها على الحال لم يجز؛ لأن العامل (لك) وهي مؤخرة، فلا يجوز ذلك. كما لا يجوز: زيد- قائما- فيها.
فإن قدمت فقلت: كم لك غلمانا جاز كما يجوزه عبد الله- فيها قائما، وتقديره:
كم مماليكك في حال ما هم غلمان، أو كم ولدك غلمانا، كما تقول: لك مائة بيضا، أي في حال ما هي بيض.
وإذا قال: كم غلمان لك فتقديره: كم غلاما غلمان لك، فيكون كم مبتدأ،
[ ٢ / ٤٩١ ]
وغلمان خبره، ولك صفة، وقد ذكرنا أن (كم) في الاستفهام تنصب لا غير.
وقد ذكر سيبويه عن الخليل: على كم جذع بيتك مبنيّ؟ وذكر أن القياس النصب، وإنما خفض بإضمار (من) وصارت (على) في أول الكلام عوضا منها، ولاها الله لا أفعل، وآلله ليفعلن، ألف الاستفهام في اسم الله تعالى، و(ها) في (لاها) عوض من واو القسم، وقد ذكر ذاك في موضعه.
و(كم) في الخبر تخالف (كم) في الاستفهام في المميز وفي إعراب المميز، أما المميز في (كم) للاستفهام فهو واحد منكور، وإعرابه النصب.
وأما (كم) في الخبر، فمميز ويكون واحدا وجميعا، ويكون مخفوضا ومنصوبا، والأكثر فيه الخفض، وذكر أصحابنا أنهم نصبوا بها في الاستفهام وخفضوا في الخبر للفرق بين المعنيين.
ولقائل أن يقول: فلم صارت التي للاستفهام أولى بالنصب والأخرى أولى بالخفض؟ فالجواب عن ذلك: أن التي في الخبر تضارع (ربّ) وهي حرف، وكم للتكثير ورب للتقليل، فلما وجب في التي تضارع (رب) في الخبر الخفض بمضارعة (رب) وجب للأخرى النصب؛ لأن العدد إما عمل نصبا أو خفضا.
ومما تقوي ذلك أن الاستفهام مضارع للفعل، والفعل له النصب، فكذلك جعلت بمنزلة ما ينصب، وإنما أضيف التي في الخبر إلى الجمع والواحد؛ لأنه لما وجب لها الخفض وكان العدد الخافض بعضه يميّز بجمع كقولك: ثلاثة أثواب وخمسة أجمال وبعضه يميّز بواحد كقولك: مائة ثوب وألف درهم، فيجوز في (كم) الوجهان، كما جاء في العدد الذي تعمل عمله. والذين ينصبون بها في الخبر يحملونه على الاستفهام، وهو الأصل لأن (كم) عدد منهم فأصلها الاستفهام؛ لأن المستفهم يحتاج أن يبهم لشرح ما يسأل عنه، وليس الأصل في الإخبار والإبهام، فذلك صار الأصل الاستفهام، فإذا نصب بما في الخبر جاز أن يكون المنصوب جماعة؛ لأنه يزد به ما لباب فيه.
والأكثر الخفض، فصار كقولك: مائتين عاما وثلاثة أثوابا إذا احتاج إلى نصبه الشاعر فإذا فصلت بين (كم) وهي خافضة، وبين ما تخفضه فإن الأحسن حملها على لغة من ينصب بها لقبح الفصل بين الخافض والمخفوض، وقد ذكرت ما أنشده في ذلك.
وبيت الفرزدق من ينشد على ثلاثة أوجه:
أجوده الخفض؛ لأنه خبر، كم عمة لك يا جرير، هي في معنى (عمات) وبعدها النصب، وهي- أيضا- في معنى عمات، وإذا رفع فقيل:
[ ٢ / ٤٩٢ ]
كم عمة لك فهي عمة واحدة، كأنه قال: كم عمتك؟ وكم واقعة على مرار الحلب، وكأنه قال: كم مرة عمتك حلبت علىّ، وعمة لك بتلك المنزلة.
وأهل الكوفة يخفضون ما بعد كم في كل حال بمن، فإن أظهرتها فهي الخافضة وإن حذفت وخفضت فهي مقدرة، فلذلك فصلوا بين (كم) وبين المخفوض.
وتقول: كم قد أتاني لا رجل ولا رجلين، وكم عبد لك لا عبد ولا عبدان، كم رفع بالابتداء ومميزه محذوف، وتقديره: كم رجل؛ لأنه في الخبر، وخبر (كم) قد أتاني، فصار التقدير: رجال أتوني، ولا رجل ولا رجلان: عطف على (كم).
كما تقول: زيد أتاني لا عمرو ولا بكر.
ولا يجوز أن تعمل (كم) في لا رجل ولا رجلين؛ لأن تفسير (كم) استفهاما كانت أو خبرا- لا تقع كذلك، أما في
الاستفهام فمنزلتها منزلة (عشرين) وأنت لا تقول في تمييز العشرين: عندي عشرون لا رجلا ولا رجلين، وأما في الخبر فهي تجري مجرى (ربّ) وأنت لا تقول: ربّ لا رجل ولا رجلين، ومعنى قوله: كان محالا وكان نقضا؛ أي نصبت وجئت ب (كم) بعد (لا) فقلت:
لا كم رجلا، أو أضمرت (كم) لم يجز وانتقض الكلام؛ لأنه يصير في الخبر بمنزلة لا ربّ رجل ولا كم رجل، والقائل إذا قال: كم أتاني الرجل والرجلان يريد تكثير من أتاه، فإذا حمل لا رجل ولا رجلين على (كم) صار لا كم، فإذا أظهرها وأضمرها استحال وذهب معنى الكلام.
وعلى ذلك جواب من يقال له: كم لك عبدا؟ فيقول: عبدان أو ثلاثة أعبد، عبدان أو ثلاثة جواب (كم) وهو رفع بالابتداء وخبره (لي) محذوفة، كما كان (لك) خبر (كم).
قوله: ولم يرد من المسؤول أن يفسر على السائل فيفسر فيقول: كم درهما أو دينارا لك فيقول المسؤول: عشرون أو ثلاثون، وإن شاء ذكر المعدود فقال: ثلاثون درهما أو دينارا وما شاء، وإن شاء لم يفسر النوع؛ لأن السائل قد ذكره فلا اضطرار بالمجيب إلى ذكره لأنه إذا قال: كم عندك من الدراهم فقال: عشرون فقد عرف ما يعني، فلو لم يبين السائل ويفسر العدد لم يدر المسؤول بأي شيء يجيبه؟
ومعنى قوله: ولو أراد المسؤول عن ذلك أن ينصب عبدا أو عبدين على (كم) كان قد أحال يعني: أن المسؤول لو نصب خرج عن حد الجواب فصار سائلا؛ لأنه إذا نصب فإنما ينصبه ب (كم) والذي يلفظ ب (كم) هو سائل.
وإن أظهرها فقال في جوابه: كم لا عبدا ولا عبدين فقد أحال؛ لأنه سأل وحقه أن
[ ٢ / ٤٩٣ ]
يجيب وإن لم يظهر (كم) فلا بد من أن يقدرها مضمرة فيشارك من أظهرها ويزيد عليه في إعماله (كم) مضمرة، وهي وأمثالها لا تضمر لضعفها.
وقد يجوز أن يسأل السائل فيقول: كم عندك؟ فيعدل المجيب عن جوابه إلى الإخبار بأن عنده عددا كبيرا فيقول: كم رجل عندي أو كم رجال عندي؟ على استئناف إخبار منه بكثرة ما عنده على غير ما يقتضيه الجواب من ذكر مبلغ ما عنده، ومعناه: عندي رجال كثير، وإن لم يخبره بعدتهم.
وذكر بعض أصحابنا أن رجلا لو قال لآخر كم لا رجلا عندك ولا امرأة، وأراد كم عندك غير رجل كأنه قال: كم بعيرا عندك لا رجلا ولا امرأة، أي إنما أسألك عن الإبل لا غير.
وبيّن بما ذكر من المسائل- في آخر الباب- أن (كم) اسم و(رب) حرف وذلك أنه جاء (كم) بخبر كخبر المبتدأ كقولك: كم غلاما لك ذاهب، وكم منهم شاهد، فذاهب وشاهد خبران لكم، وكذلك: كم مأخوذ بك، وتأويله: كم
رجلا مأخوذ بك، ومأخوذ خبر، ولو نصب مأخوذا لم يتم الكلام واحتجت إلى خبر إذا قلت: كم مأخوذا بك، لم يتم حتى تقول: في الحبس، أو معاقب، أو ما أشبه ذلك.
وكذلك: كم لك، أو كم رجل لك، هو الخبر، ولا يجوز في (رب) ذلك. لا تقول: رب مأخوذ بك، ولا رب رجل قائم.