(وذلك قولك: أتميميّا مرّة وقيسيّا أخرى، وإنّما هذا أنّك رأيت رجلا في حال تلوّن وتنقّل، فقلت: أتميميّا مرّة وقيسيا أخرى؛ كأنك تقول: أتتحوّل تميميّا مرّة وقيسيّا أخرى.
فأنت في هذه الحال تعمل في تثبيت هذا له، وهو عندك في تلك الحال في تلوّن وتنقّل، وليس تسأله مسترشدا عن أمر هو جاهل به لتفهّمه إيّاه وتخبره عنه ولكنّك وبخته بذلك).
قال أبو سعيد: وهذا الباب مثل الذي قبله إلّا أنّ الاسم الذي نصبه ليس بمأخوذ من فعل فأحوج إلى تقدير فعل ليس من لفظه مما شاهده من حاله.
قال سيبويه: (وحدّثنا بعض العرب: أنّ رجلا من بني أسد قال يوم جبلة واستقبله بعير أعور فتطيّر- فقال: يا بني أسد، أعور وذا ناب!
فلم يرد أن يسترشدهم ليخبروه عن عوره وصحّته، ولكنّه نبّههم كأنّه قال:
أتستقبلون أعور وذا ناب!
فالاستقبال في حال تنبيهه إيّاهم كان واقعا، كما كان التلوّن والتنقّل عندك ثابتين في الحال الأولى، وأراد أن يثّبّت لهم الأعور ليحذروه).
قال أبو سعيد: يوم جبلة: يوم لبني عامر على بني أسد وذبيان، وتطيّر هذا الأسديّ على قومه من استقبالهم هذا البعير الأعور فحقّق محذوره وهزموا وقتل منهم.
والفعل الناصب الأعور وذا ناب أتستقبلون، وكأنّ ذلك في الحال المشاهدة.
قال سيبويه: (ومثل ذلك: قول الشاعر:
[ ٢ / ٢٣١ ]
أفي السّلم أعيارا جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه النّساء العوارك) (١)
هجاهم بما شاهدهم عليه من التنقّل والتلون بكونهم في حال السّلم مثل الحمير من جفوتهم وغلظتهم على الأهل، وفي الحرب مثل النساء الحيّض من اللّين والانقباض توبيخا لهم، لأنهم في الحالين على طريق الذم.
(وقال آخر:
أفي الولائم أولادا لواحدة وفي العيادة أولادا لعلّات) (٢)
وهذا أيضا ذمّ لهم مشبّه بالأول، لأنه وصفهم بالنّهم والتواصل من أجل الطعام، فإذا كانوا في الولائم كانوا متآلفين كأنهم إخوة بنو أمّ واحدة، وفي قضاء حقوق بعضهم لبعض متقاطعين متهاجرين، كأنهم أولاد علات.
(وأمّا قول جرير:
أعبدا حلّ في شعبي غريبا ألؤما لا أبا لك واغترابا (٣)
فيكون نصب عبدا على وجهين: على النداء، وعلى أنّه في حال افتخار واجتراء قد شاهده عليه، فقال: أعبدا، أي: اتفتخر عبدا، كما قال: أتميميا.
فإن أخبرت في هذا الباب على هذا الحد نصبت أيضا كما نصبت في حال الخبر في الاسم الذي أخذ من الفعل، وذلك قولك: أتميميّا قد علم الله مرّة وقيسيّا أخرى؛ فلم يرد أن يخبر القوم بأمر قد جهلوه؛ ولكنه أراد أن يشتمه بذلك، وصار بدلا من اللفظ بقولهم: اتتتمّم مرّة وتتقيّس أخرى!.
وأتمضون وقد استقبلكم هذا، أتنقلون وتلوّنون، فصار هذا هكذا؛ كما كان تربا وجندلا بدلا من الفعل، وقد مثّل هذا الفعل الذي جعل هذا بدلا منه).
وكان في نسخة أبي بكر محمّد بن عليّ مبرمان (٤) بدلا من تربت وجندلت وفي
_________________
(١) البيت منسوب لهند بنت عتبة في السيرة النبوية لابن هشام- ج ٢ ق ١ ص ٦٥٦؛ خزانة الأدب ٣: ٢٦٣؛ شرح أبيات سيبويه ١: ٢٥٢.
(٢) بدون نسبة في: شرح أبيات سيبويه ١: ٢٥٣؛ المقتضب ٣: ٢٦٥.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) هو محمد بن علي بن إسماعيل النحوي العسكري البصري أخذ من السيرافي، له مؤلفات منها: كتاب علل النحو، وكتاب شكر النعم، الفهرست ٦٠، معجم الأدباء ١٨: ٢٥٤.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
غيرها: تربت وجندلت على ما لم يسمّ فاعله.
قال سيبويه: " (ولو مثّلت ما نصبت عليه الأعيار).
يعني في البيت الذي مضى: أفي السّلم أعيارا، وأعور في قوله يعني: أعور وذا ناب لتدلّ على النصب في البدل (لقلت: أتعيّرون وأتعوّرون إذا أوضحت معناها لأنك إنما تجريه مجرى ماله فعل من لفظه، وقد يجرى مجرى الفعل ويعمل عمله).
قال أبو سعيد: يعني أنّهم لمّا جعلوا في السّلم أعيارا، وأعور وذا ناب مجرى قولهم: أقائما وقد قعد النّاس، والأعيار والأعور ليس بمأخوذ من فعل يجري عليه، وقائما مأخوذ من فعل، وقد أضمر ناصبه على لفظ الفعل الذي أخذ منه، كان الأحسن في الأعيار والأعور أن يقدر فعل من لفظه، وإن كان لا يستعمل؛ إذ قد يجري مثله في الكلام على طريق التشبيه. ألا ترى أنّا نقول: قد ترجّلت المرأة، إذا تشبّهت بالرجال؛ فهذا التقدير أحسن في مثل هذا.
قال: (وأما قوله ﷿ بَلى قادِرِينَ (١). كأنه قال: بلى نجمعها قادرين).
وإنّما قدّرها سيبويه بنجمعها لقوله تعالى قبله أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٢). وتسوية بنانه أن يضمّ بعضها إلى بعض ولا تكون متفرقة، والبنان: الأصابع.
وذكر الفرّاء هذا المعنى، وقدّم قبله معنى آخر فيه وفي نظائره، وهو أن ينصبه بإضمار الفعل المذكور قبله وهو يحسب؛ كأنه قال: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى فليحسبنا قادرين.
ومثله من الكلام: أتحسب أن لن أزورك، بلى سريعا إن شاء الله، كأنّه قال: بلى فاحسبني زائرك، وقال قوم من النحويين: إنّ " قادرين " ينتصب لوقوعه موقع نقدر لأنّ معناه بلى نقدر على أن نسوي بنانه، وهذا باطل، لأنّه ليس من نواصب الاسم وقوعه مواقع الفعل. ألا ترى أنّك تقول: أتقوم يا زيد، فإذا رددته إلى الاسم قلت: أقائم أنت يا زيد.
_________________
(١) سورة القيامة، الآية: ٤.
(٢) سورة القيامة، الآيتان: ٣، ٤.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قال: (وأما قوله، وهو الفرزدق:
ألم ترني عاهدت ربّي وأنّني لبين رتاج قائما ومقام
على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما ولا خارجا من فيّ زور كلام) (١)
قال سيبويه: (أراد ولا تخرج فيّ ما استقبل كأنّه قال: ولا تخرج خروجا. ألا تراه ذكر عاهدت في البيت الذي قبله).
قال: (ولو حملته على أنّه نفى شيئا هو فيه ولم يرد أن يحمل على عاهدت لجاز، وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى بن عمر فيما نرى؛ لأنه لم يكن يحمله على عاهدت).
قال أبو سعيد: فسّر أبو العباس وأبو إسحاق الزجاج في هذين البيتين قول سيبويه وقول عيسى بن عمر:
فإما قول سيبويه فإنه جعل لا أشتم جواب يمين إمّا أن يكون جواب حلفة كأنه قال: عاهدت ربي على أن أقسمت، وعلى أن حلفت لا أشتم الدّهر مسلما، أو يكون عاهدت بمعنى: أقسمت، كأنّه قال: ألم ترني أقسمت.
ويكون خارجا في معنى ويكون التقدير: ولا يخرج خروجا عطفا على أشتم، وجعل خارجا في معنى خروجا.
قال أبو العبّاس: ومثله: قم قائما، أي: قم قياما، ومثله من المصادر: العاقبة والعافية، فهو على لفظ فاعل.
وفسّرا قول عيسى إنّ خارجا حال، وإذا كان حالا فهو عطف على ما قبله، وإذا كان كذلك وجب أن يجعل الفعل في موضع الحال؛ فكأنه قال: لا شاتما مسلما ولا خارجا من فيّ زور كلام، والفعل المستقبل يكون في موضع الحال كقولك: جاءني زيد يضحك، أي: ضاحكا.
وجعلا العامل في الحال على مذهب عيسى بن عمر عاهدت؛ كأنه قال: عاهدت ربي لا شاتما الدهر مسلما، فالمعنى: موجبا على نفسي ذلك ومقدّرا ألا أفعله، فهذا معنى
_________________
(١) البيتان للفرزدق: ديوانه ٢: ٢١٢، شرح المفصل ٢: ٥٩؛ ٦: ٥٠؛ مغني اللبيب ٥: ١٣٤.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
تفسير أبي العباس وأبي إسحاق الزجاج.
وكلام سيبويه الذي حكاه عن عيسى يخالفه لأنّه قال- يعني عيسى بن عمر-:
لم يكن يحمله على عاهدت.
ومعنى قول سيبويه لو حملته على أنّه نفى شيئا هو فيه، أي: نفي الحال وهو قوله:
لا أشتم، ولا خارجا، فإذا لم يكن العامل في الحال " عاهدت " على ما حكاه سيبويه عن عيسى كان نصبه على أحد وجهين:
إما أن يكون المفعول الثاني من ترني كأنه قال: ألم ترني لا شاتما مسلما ولا خارجا من فيّ زور كلام، فهذا وجه ذكره أبو بكر مبرمان.
قال أبو سعيد: ما يعجبني هذا؛ لأنّ " عاهدت " في موضع المفعول الثاني فقد تمّ المفعولان بعاهدت.
وأجود منه أن يكون على حلفة؛ كأنّه قال: على أن حلفت لا شاتما ولا خارجا، والمصدر وهو " حلفة " يعمل عمل الفعل.
وكان الفرّاء يذهب مذهب عيسى بن عمر وينصب خارجا على الحال، ويجعل لا أشتم في موضع نصب؛ كأنه قال: لا شاتما مسلما و" لا خارجا " عطف عليه.
وبعض النحويين ينصب خارجا لوقوعه موقع يخرج على ما تقدّم، وقد ذكرنا الحجّة.
وإذا قلت ما أنت قائم ولا قاعد، وأنت تميميّ مرة وقيسيّ أخرى، وإني عائذ بالله ارتفع.
قال أبو سعيد: مذهب سيبويه- ولا أعلم له مخالفا- أنك إذا قلت: ما زيد إلا سائر أو قائم أو قاعد لم يجز فيه غير الرّفع، ولو كان بدل سائر وقائم مصدر لجاز النصب، كقولك: ما أنت إلا سيرا، وما أنت إلا قياما؛ لأنّ السير والقيام يدلان على يسير ويقوم.
ولقد تأوّل بعض المتقدمين في النحو على مذهب الكوفيين ممن أدركته رواية رويت عن عليّ بن أبي طالب﵇- فيما رواه هو في قوله تعالى وَنَحْنُ عُصْبَةٌ (١).
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٨
[ ٢ / ٢٣٥ ]
بنصب عصبة، وزعم أنّ عصبة تنتصب كما تقول العرب: إنّما العامريّ عمته؛ فجعل عصبة بمنزلة المصدر.
ورددت أنا ذلك فقلت: إنما يجوز هذا في المصادر دون الأسماء لأنك تقول: أنت سيرا، ولا تقول: أنت سائرا، ولا
خلاف في ذلك، وعصبة هي اسم لا مصدر، والتأوّل على الرواية غير صحيح؛ لأنّ الذي في أصل النسخة، ونحن عصبة، ولم يقل نصب أيش، وقد تكلمت على هذا في غير هذا الموضع.
قال سيبويه: " (ولو قال: هو أعور وذو ناب لرفع ).
وكذلك إذا قلت: أنت تميميّ مرّة وقيسيّ أخرى، وإني عائذ بالله، ليس في ذلك غير الرّفع؛ لأنه قدّم الاسم، وجاء بعده بخبر هو هو، فلم يجز غير الابتداء والخبر، وإنما يجوز النصب إذا قال: أتميميّا بغير أنت، وقال عائذا بغير إني، أو قال: أعور وذا ناب بغير هو فتفهّم ذلك إن شاء الله، وكذلك لو أضمرت أنت والاسم الذي يكون المذكور هو هو لرفع وكان بمنزلة المظهر.