" فمن ذلك قول ذي الرمة:
بها العين والآرام لا عدّ عندها ولا كرع إلا المغارات والوبل (١)
وقول رجل من مذحج:
هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب (٢)
فزعم الخليل: أن هذا يجري على الموضع لا على الحرف الذي عمل في الاسم كما أن الشاعر (عقيبة الأسدي) (٣) حين قال:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٤)
أجراه على الموضع.
ومثل ذلك أيضا قول العرب: لا مال له قليل ولا كثير، رفعوه على الموضع.
ومثل ذلك أيضا قول العرب: لا مثله أحد ولا كزيد أحد. وإن شئت حملت الكلام على " لا " فنصبت.
وتقول: " لا مثله رجل " إذا حملته على الموضع كما قال بعض العرب " لا حول
_________________
(١) الرواية في ديوانه: سوى العين. انظر: الديوان ٤٥٨، وشرح المفضليات ٢١١.
(٢) البيت منسوب لهنى بني أحمر، وهو من بني الحارث بن كنانة، شاعر جاهلي، انظر: معجم الشعراء ٤٨٩، والأعلام ٩/ ١٠٨، والبيت في ابن يعيش ٢/ ١١٠، والمقتضب ٤/ ٣٧١.
(٣) هو عقبة بن هبيرة الأسدي، شاعر جاهلي، انظر: الأعلام ٥/ ٣٨، والخزانة ١/ ٣٤٣، وصمت اللآلي ١٤٩.
(٤) عجز بيت وصدره: معاوية إننا بشر فأسجح. انظر: الكتاب ١/ ٣٤، والمقتضب ٣/ ٣٣٧.
[ ٣ / ٣٠ ]
ولا قوة إلا بالله " وإن شئت حملته على " لا " فنونته ونصبته، وإن شئت قلت: " لا مثله رجلا " على قوله " لي مثله غلاما " وقال ذو الرمة:
هي الدّار إذ ميّ لأهلك جيرة ليالي لا أمثالهنّ لياليا (١)
وقال الخليل﵀-: يدلك على أن " رجل " في موضع اسم مبتدأ مرفوع قولك: لا رجل أفضل منك، كأنك قلت: زيد أفضل منك، ومثل ذلك: يحسبك قول السوء، كأنك قلت: حسبك قول السوء.
وقال الخليل ﵀: " كأنك قلت: رجل أفضل منك " حين مثّله.
وأما قول جرير:
لا كالعشية زائرا ومزورا (٢)
فلا يكون إلا نصبا من قبل أن العشية ليست بالزائر وإنما أراد: لا أرى كالعشية زائرا، كما تقول ما رأيت كاليوم رجلا. ف " كاليوم " كقولك: في اليوم؛ لأن الكاف ليست باسم.
وفيه معنى التعجب كما قال: " تالله رجلا. وسبحان الله رجلا " إنما أراد: تالله ما رأيت رجلا. ولكنه يترك إظهار الفعل استغناء؛ لأن المخاطب يعلم أن هذا الموضع إنما يضمر فيه هذا الفعل لكثرة استعمالهم إياه.
وتقول: لا كالعشية عشية ولا كزيد رجل؛ لأن الآخر هو الأول ولأن " زيدا " رجل. فصار " لا كزيد " كأنك قلت: " لا أحد كزيد " ثم قلت: " رجل " كما تقول: لا مال له قليل ولا كثير على الموضع.
قال امرؤ القيس:
ويلمنها في هواء الجوّ طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب (٣)
كأنه قال: ولا شيء له كهذا الذي.
ورفع على ما ذكرت لك.
فإن شئت نصبت على نصبه:
_________________
(١) البيت في ديوانه ٦٥٠، وابن يعيش ٢/ ١٠٣، والمقتضب ٤/ ٣٦٤.
(٢) عجز بيت صدره: يا صاحبي دنا الرواح فسيرا. انظر: ديوانه ١٣٤، وابن يعيش: ٢/ ١١٤.
(٣) البيت في ديوانه ٢٢٧، والخزانة ٤/ ٩١، وابن يعيش ٢/ ١١٤.
[ ٣ / ٣١ ]
فهل في معدّ فوق ذلك مرفدا (١)
كأنه قال: لا أحد كزيد " رجلا " وحمل " الرجل " على " زيد " كما حمل " المرفد " على " ذلك ".
وإن شئت نصبته على ما نصبت عليه " لا مال له قليلا ولا كثيرا ".
ونظير: " لا كزيد " في حذفهم الاسم قولهم: " لا عليك " وإنما يريدون " لا بأس عليك " " ولا شيء عليك " ولكنه حذف لكثرة استعمالهم إياه.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا أن " لا " وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد مرفوع بالابتداء والحجة فيه.
ومن الحجة فيه أيضا ما لا يقصر عما ذكرناه بل يزيد عليه: أن " لا " وإن نصبت بها وبنيت المنصوب معها، فإنا إذا فصلنا بينها وبين اسمها لظرف أو حرف جر بطل عملها وارتفع اسمها بالابتداء مع صحة الجحد بها. وبقاء معنى المنصوب كقوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ (٢).
فلما كان ارتفاع الاسم بعد " لا " بالابتداء لا يغير معنى المنصوب فيها صارت بمنزلة " إن " التي ابتداء الاسم في موضعها لا يغير معناه منصوبا بل هو في " لا " أقوى؛ لأنه يجوز أن يظهر الاسم بعدها مبتدأ.
فمن ذلك جاز- في نعت ما يعد " لا " وفي بيانه مما يجري مجرى النعت. وفي العطف عليه وفي الخبر عنه- الرفع حملا على موضع " لا " مع الاسم والنصب على الاسم الذي بعد " لا ".
ومن أجل ذلك شبهه بقولهم:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٣)
أجراه على موضع الباء؛ لأنه في موضع خبر " ليس " ولو أجراه على ما بعد الباء لقال: ولا الحديد.
وأما النعت فقوله العرب: لا مال له قليل ولا كثير .. على الموضع ولا مال له قليلا ولا كثيرا .. على ما بعد " لا ".
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
(٢) سورة الصافات، الآية: ٤٧.
(٣) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٢ ]
وأما ما جرى مجرى النعت فقوله " لا مثله أحد " ولا مثله رجل " ولا كزيد أحد " فبين " مثله " " بأحد " " وبرجل " وجرى مجرى النعت كما ذكرناه في عطف البيان، والكاف بمنزلة " مثل " ويجوز فيه النصب على ما ذكرنا.
وأما العطف فقول بعض العرب: " لا حول ولا قوة إلا بالله " ويجوز " ولا قوة إلا بالله " على ما تقدم.
وأما الخبر: لا رجل أفضل منك، كأنك قلت: زيد أفضل منك ولا يجوز فيه النصب إذا كان خبرا.
وإن جعلت " أفضل منك " نعتا جاز فيه النصب أيضا على ما ذكرنا
وشبهه بقولك: بحسبك قول السوء، أن مجرور الباء في موضع رفع بالابتداء وقول السوء خبره، كأنه قال: " حسبك قول السوء ".
وأما: " لا كالعشية زائرا ومزورا " .. فقد أحاط العلم أن الزائر والمزور لا يراد بهما العشية فاضطر المعنى إلى فعل يضمر فيه ما يظهر في مثل معناه وهو: لا أرى زائرا ومزورا كزائر العشية ومزورها، كما قالوا: ما رأيت كاليوم رجلا والمعنى: ما رأيت رجلا كرجل رأيته أو أراه، وإنما يقال ذلك عند التعجب.
ولو قال " لا كالعشية عشية " جاز في " عشية " الرفع والنصب كما تقول: لا مثل العشية عشية وعشية على موضع " لا " وعلى ما بعد " لا ".
وأجاز النصب أيضا من وجه آخر وهو التمييز الذي مر ذكره في قوله:
فهل في معدّ فوق ذلك مرفدا
كأنه قال: فهل في عدد أكثر من ذلك مرفدا، وقد ذكرناه فيما تقدم كأنه قال: لا أحد كزيد رجلا، وقد ذكرنا هذا ونحوه فيما فسرناه في: لي مثله رجلا. وقوله بعد بيت امرئ القيس " كأنه قال ولا شيء له كهذا " فرفع على ما ذكرت لك. يعني: رفع على موضع " لا " وما عملت فيه.