وذلك قولك: له كذا وكذا درهما، وهو مبهم في الأشياء، بمنزلة (كم) وهو كناية للعدد، بمنزلة فلان، إذا كنيت به في الأسماء، وكقولك: كان من الأمر ذية وذية، وذيت وذيت وكيت وكيت، صار (ذا) بمنزلة التنوين؛ لأن المجرور بمنزلة التنوين.
وكذلك: كأيّ رجلا قد رأيت، وزعم ذلك يونس. وكأين- قد أتاني- رجلا، إلا أن أكثر العرب إنما يتكلمون بها مع من. قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ (١)
وقال عمرو بن شأس:
وكائنّ رددنا عنكم من مدجج يجيء أمام الألف يردى مقنّعا (٢)
_________________
(١) سورة الطلاق، من الآية ٨.
(٢) البيت في الكتاب ١/ ٢٩٧، الدرر ١/ ٢١٣، شواهد الكشاف ١٣٥.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
فإنما ألزموها لأنها توكيد، فجعلت كأنها شيء يتم به الكلام وصار كالمثل.
ومثل ذلك: ولا سيّما زيد، ف (ربّ) توكيد لازم حتى يصبر كأنه من الكلمة.
وفي نسخة مبرمان كأنه من الكلمة. وكأين معناها معنى ربّ.
وإن حذفت (من) و(ما) (١) فعربي. وقال: إن جرها أحد من العرب فحسن أن يجرها بإضمار (من) كما كان ذلك عند ذكرنا إياها في (كم).
وقال في كذا وكأين: عملتا فيما بعدها كعمل أفضلهم في رجل حين قلت:
أفضلهم رجلا، فصار أي وذا بمنزلة التنوين كما كان المجرور بمنزلة التنوين.
وقال الخليل: كأنهم قالوا: له كالعدد درهما، كالعدد من قرية، فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به. فإنما تجيء الكاف للتشبيه فتصير- وما بعدها- بمنزلة شيء واحد. من ذلك قولك: كأن، أدخلت الكاف على أن للتشبيه ".
قال أبو سعيد: قد مضى الكلام في (كذا وكذا درهما) وفي ذيّة وذيت وفي كية وكيت، وفي كل واحد من ذيت وكيت إذا خفضت ثلاث لغات: الضم والفتح والكسر.
كقولنا: ذيت وذيت وذيت، وكيت وكيت وكيت، وإذا شددت فالفتح لا غير كقولنا: ذيّة وكيّة. قال أبو العباس محمد بن يزيد: لأن الهاء- وما قبلها- بمنزلة خمسة عشر وأما قوله: كأي رجلا، وهي كاف التشبيه دخلت على أي وفيها خمس لغات:
أصلها كلها: كأيّ (وهي كأي)، وكأئن، وكأيّن، وكئن، وكأن، وهي تنصب ما بعدها بلزوم التنوين لها.
وقد كثر في كلام العرب وقوع (من) بعدها، وإنما اختارت العرب أن يتكلموا بها مع (من) فيما ذكر أبو العباس محمد بن يزيد أنه إذا قال: كأين رجلا أهلكت، جاز أن يكون رجلا نصبا بكأي، فيكون واحد في معنى جميع، ويجوز أن تجعل، كأي ظرفا، كأنه قال: كأي مرة، وتنصب رجلا بأهلكت، فيصير واحدا في معنى نفسه.
فإذا أدخلت (من) صار واحدا في معنى (جميع) ويخرج أن يكون واحدا في معنى نفسه. فأما اللغات فأصلها وأفصحها.
كأيّ مشددة والوقوف عليها بغير نون، وبعدها في الفصاحة والكثرة:
كائن، على مثال: كاعن، وهي أكثر من الأولى في شعر العرب.
_________________
(١) يعني لو حذفت من مع (كأيّن) و(ما) مع (لا سيما) فهو عربي.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
وقال الشاعر- غير ما أنشده سيبويه:
فكائنّ ترى من يلمعيّ مخطرب وليس له عند العزائم جول (١)
وقال آخر:
وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أصبت هو المصابا (٢)
والوقف على هذا- على ما قاله أبو علي محمد بن المستنير قطرب في القياس- وكائن. ذهب إلى أنها مقلوبة أخرت همزتها، وينبغي- على قوله- أن تكون الألف بعد الكاف منقلبة من ياء.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: لما أدخلت الكاف جعلت اسما واحدا، وحذفت الياء الأولى من أي، وجعل التنوين عوضا من الياء المحذوفة.
والذي يوجبه مذهبه أن يجعل على وزن فاعل، (الكاف) منه كفاء الفعل، وبعد الكاف ألف (فاعل) وبعدها الهمزة
التي هي أول أي، وقد حذفت إحدى الياءين، فتكون الهمزة في موضع عين الفعل، والياء الباقية في موضع لام الفعل، ودخل عليه التنوين الذي كان في أي، فسقطت الياء لاجتماع الساكنين فصار كائنّ، ولزمت النون عوضا وينبغي أن تكون النون ثابتة في الوقف.
وحكى محمد بن المستنير أن يونس بن حبيب كان يزعم أن (كائن) فاعل من كان يكون، فإذا وقفت على هذا القول قلت: كائن بإثبات النون.
وأما كأن على وزن كيعبن، فقد حكاه أبو العباس.
وأما كأين بهمزة ساكنة بعدها ياء مكسورة فحكاها أبو الحسن بن كيسان.
وحكى أبو الحسن بن كيسان عن بندار- يعني أبا عمرو بندار بن كره الكرخي عن بعض البصريين ولم يسمه بندار: كين بتقدير كعن.
قال سيبويه: وكأي معناه معنى (رب).
وقال الفراء: معناها (كم).
وكثر استعمال النحويين- من البصريين والكوفيين تفسيرها بكم.
والذي قال سيبويه أصبح؛ لأن الكاف حرف دخوله على ما بعده كدخول (رب)، و(كم) في نفسها اسم، وأنت تقول: كم لك؟ ولا تقول كأيّ لك. كما لا تقول: ربّ
_________________
(١) البيت في إصلاح المنطق ١٠٠.
(٢) البيت منسوب لجرير في ابن يعيش ٣/ ١١٠، والدرر ١/ ٤٦، وشواهد الكشاف ١٣٥.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
لك.
وما بقي من الباب مفهوم والله أعلم بالصواب.