ولا يجوز ذلك إلا أن تعيد " لا " الثانية من قبل أنه جواب لقوله:
أغلام عندك أم جارية؟ إذا ادعيت أن أحدهما عنده فلا يحسن إلا أن تعيد " لا " كما أنه لا يحسن إذا أردت المعنى الذي تكون فيه " أم " إلا أن تذكرها مع اسم بعدها.
[ ٣ / ٣٣ ]
فإذا قال: " لا غلام " فإنما هو جواب لقوله: هل من غلام؟ وعملت " لا " فيما بعدها. وإن كانت في موضع ابتداء كما عملت " من " في " الغلام " وإن كانت في موضع ابتداء فما لم يتغير عن حاله قبل أن تدخل " لا " قول الله تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١) وقال الراعي:
وما صدمتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي في هذا ولا جمل (٢)
وقد جعلت- وليس ذلك بالأكثر- بمنزلة " ليس ".
وإن جعلتها بمنزلة " ليس " كانت حالها كحال " لا " في أنها في موضع ابتداء وأنها لا تعمل في معرفة.
فمن ذلك قول سعد بن مالك:
من صدّ عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح (٣)
واعلم أن المعارف لا تجري مجرى النكرة في هذا الباب لأن " لا " لا تعمل في معرفة أبدا.
فأما قول الشاعر:
لا هيثم الليلة للمطي (٤)
فإنه جعله نكرة كأنه قال: لا هيثم من الهيثميين. ومثل ذلك: لا بصرة لكم.
وقال ابن الزبير الأسدي:
أرى الحاجات عند أبي خبيب نكدن ولا أمية بالبلاد (٥)
قلت: فكيف يكون هذا وإنما أراد عليّا ﵇؟
فقال لأنه لا يجوز لك أن تعمل " لا " إلا في نكرة.
_________________
(١) سورة الأنعام، من الآية ٤٨.
(٢) البيت في الخزانة ٢/ ٣٣٦، وابن يعيش ٢/ ١١١، نهاية الأرب ٣/ ٥٦.
(٣) الخزانة ٢/ ٩٠، وابن يعيش ١/ ١٠٨، والمغني ١/ ٢٣٩.
(٤) رجز لم يعرف قائله. في ابن يعيش ٢/ ١٠٢، الدرر ١/ ١٢٤.
(٥) البيت نسبه ابن السيرافي لفضالة بن شريك، ونسبه صاحب الأغاني لعبد الله بن فضالة بن شريك ١٠/ ١٦٣. والراجح أنه لابن الزبير الأسدي، قاله في هجاء عبد الله بن الزبير بن العوام، وكان يكنى أبا خبيب عند الذم. الخزانة ٤/ ٦١، وابن يعيش ٢/ ١٠٣، والمقتضب ٤/ ٣٦٢.
[ ٣ / ٣٤ ]
فإذا جعلت " أبا حسن " نكرة حسن لك أن تعمل " لا " وعلم المخاطب أنه دخل في هؤلاء المنكورين " على ".
فإن قلت: إنه لم يرد أن ينفي كل من اسمه علي فإنما أراد أن ينفي منكورين كلهم في صفة علي كأنه قال:
" لا أمثال " علي " لهذه القضية ".
ودل هذا الكلام على أنه ليس لها " علي " وأنه قد غيب عنها وإن جعلته نكرة ورفعته كما رفعت " لا براح " فجائز.
ومثله قول الشاعر: " مزاحم العقيلي.
فرطن فلا رد لما بت فانقضى ولكن بغوض أن يقال عديم (١)
وقد يجوز في الشعر رفع المعرفة ولا تثني " لا ".
قال الشاعر:
بكت جزعا واسترجعت ثم آذنت ركائبها إن لا إلينا رجوعها (٢)
واعلم أنك إذا فصلت بين " لا " وبين الاسم بحشو لم يحسن إلا أن تعيد " لا " الثانية لأنه جعل جواب أذا عندك أم ذا؟
ولم تجعل " لا " في هذا الموضع بمنزلة " ليس " وذلك لأنهم جعلوها إذا رفعت مثلها إذا نصبت لا تفصل لأنها ليست بفعل.
فمما فصل بينه وبين " لا " بحشو قوله تعالى:
لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٣) ولا يجوز: " لا فيها أحد " إلا ضعيفا ولا يحسن لا فيك خير.
وإن تكلمت به فلا يكون إلا رفعا لأن " لا " لا تعمل إذا فصل بينها وبين الاسم لا رافعة ولا ناصبة لما ذكرت لك.
وتقول: لا أحد أفضل منك إذا جعلته خبرا وكذلك: لا أحد خير منك قال الشاعر:
_________________
(١) البيت في الخزانة ٣/ ٤٣، والأعلم ١/ ٣٥٤.
(٢) البيت ففي الخزانة ٤/ ٣٤، وابن يعيش ١/ ١١٣.
(٣) الصافات: ٤٧.
[ ٣ / ٣٥ ]
وردّ جازرهم حرفا مصرمة ولا كريم من الولدان مصبوح (١)
لما صار خبرا جرى على الموضع لأنه ليس بوصف ولا محمول على " لا " فجرى مجرى لا أحد فيها إلا زيد.
وإن شئت قلت: لا أحد أفضل منك في قول من جعلها " كليس " ويجريها مجراها ناصبة في الموضع وفيما يجوز أن يحمل عليها.
ولم تجهل " لا " التي " كليس " مع ما بعدها كاسم واحد لئلا يكون الرافع كالناصب وليس أيضا كل شيء يخالف بلفظه يجري مجري ما كان في معناه ".
قال أبو سعيد: اعلم أن " لا " إذا عملت كانت على وجهين:
أحدهما: أن تنصب ما بعدها وتبني معه إذا كان مفردا كنحو ما تقدم من قولنا لا رجل في الدار وإن كررتها وأردت إعمالها على هذا الوجه جاز وقلت: لا رجل ولا امرأة، ويكون جواب قوله: هل من رجل أو من امرأة؟
والوجه الثاني: أن ترفع ما بعدها من النكرات وتنصب أخبارها ولا تعمل إلا في نكرة ولا تفصل بينها وبين ما عملت فيه كقولنا: لا رجل أفضل منك وتكون محمولة على " ليس " في رفع الاسم ونصب الخبر وليس هذا بالكثير فيها، والكثير فيها أن تنصب، فلما جوز فيها رفع اسمها ونصب خبرها لم تخرج عن حكمها في أقوى حاليها وهو نصب الاسم ورفع الخبر، فلم يفصل بينها وبين ما عملت فيه ولم تعمل إلا في نكرة.
وعلى مذهب " ليس " حمل سيبويه:
فأنا ابن قيس لا براح (٢)
وحذف الخبر كما يحذفه وهي ناصبة.
و(ما) في عملها إذا شبهت بليس أقوى من (لا) لأن " ما " إنما تدخل على مبتدإ وخبر وجعلت مثل " إن " في جواب اليمين. " إن " للإيجاب. " ما " للجحد فتدخل على جميع ما تدخل عليه " إن " وليست " لا " كذلك.
وأصلها أن تكون ناصبة عاطفة. والرافعة منها محمولة على الناصبة فأجريت مجراها.
وتدخل " لا " على المعارف والنكرات مكررة على أنها جواب كلام قد عمل بعضه في بعض من المبتدإ والخبر ويكرر فأعيد الجواب على التكرير الذي في السؤال وذلك
_________________
(١) البيت في الشعر والشعراء ١/ ٢٤٥، وابن يعيش ١/ ١٠٧، والأشموني ٢/ ١٨.
(٢) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٦ ]
قولك: لا غلام عندي ولا جارية " ولا زيد في الدار ولا عمرو ".
وهو جواب: أغلام عندك أم جارية؟ وأزيد في الدار أم عمرو؟ وهذا سؤال من قد علم أن أحدهما عنده أو أحدهما
في الدار ولا يعرفه بعينه فسأل ليعرف بعينه، وإن كان المسؤول يعرف ما سأل عنه قال: زيد. إن كان زيد أو عمرو إن كان عمرو، وإن لم يكن في الدار واحد منهما قال: لا زيد ولا عمرو. وإن لم يكن عنده غلام ولا جارية قال: " لا غلام عندي ولا جارية ".
ولا يحسن أن تقول: لا زيد عندي .. من غير تكرير " لا " وذلك أن قولك: لا زيد عندي إنما هو جواب من قال: أزيد عندك؟ فكان حق الجواب أن يقول المجيب: نعم إن كان عنده. أو " لا " إن لم يكن عنده. ولا يزيد شيئا على " لا " كما لا يزيد شيئا على نعم.
وإن كرر فهو جواب كلام لا يجوز في جوابه " لا " ولا " نعم " لأنه جواب قولك:
أغلام عندك أم جارية؟ وهو سؤال موضوع على أن السائل قد علم أن أحدهما عنده وإنما سأل تعيينه، فإن كان الأمر كما اعتقد السائل في السؤال فالجواب أن يقال: غلام أو جارية، وإن يكن كما اعتقده السائل ولم يكن عنده واحد منهما قال: لا غلام عندي ولا جارية. فلذلك خالف التكرير الإفراد.
وقد أجاز الإفراد في الشعر وأنشد فيه:
أن لا إلينا رجوعها (١)
لأن المعنى الموجب منه لا يحتاج إلى تكرير لو قال: أنه إلينا رجوعها. لكان كلاما حسنا، فدخلت " لا " وعملت الجحد ولم تغير لفظ الموجب. وستقف من ذلك بعد هذا الباب على ما يحسن فيه الرفع ولا تحتاج " لا " إلى إعادة.
وأما قوله: " لا هيثم للمطي " و" قضية ولا أبا حسن لها " و" لا أمية بالبلاد " فالمعنى الذي يذكر مثل هذا الكلام عند حضوره وكونه هو الذي سوغ فيه التنكير؛ وذلك لأن الكلام إنما يقال لإنسان كان يقوم بأمر من الأمور وله فيه كفاية وغناء فحضر ذلك الأمر ولم يوجد ذلك الإنسان، ولا من يقوم به مثل قيامه. ولو وجد من يقوم مقامه لم نطلب.
فصار التقدير " لا مثل هيثم " ولا مثل أبي حسن " ولا مثل " أمية " ودخلت هذه الأسماء في
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
[ ٣ / ٣٧ ]
المعنى. وأريدوا به كما يقول القائل لمن يخاطبه:
" مثلك لا يتكلم بهذا " " ومثلك لا يفعل القبيح ".
وإنما تريد: أنت وأمثالك لا تفعلون مثل ذلك.
وإذا فصلت بين " لا " وما عملت فيه النصب أو الرفع مما ذكرنا بطل عملها ورفعت ما بعدها بالابتداء. واحتجت إلى التكرير كقوله ﷿: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (١).
وقد يجوز في التكرير أن يكون الأول منهما منصوبا مبنيّا مع " لا " والأخير مرفوعا كقولنا " لا رجل ولا غلام " ولا جارية في الدار ولا زيد ".
وقد قرأ يعقوب الحضرمي .. وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:
١١٢] (هم) مرفوع محمول على موضع لا خوف.
وقد بيّن هذا في الباب الذي يتلو هذا الباب.
وأما قوله:
فرطن ولا رد لما بت فانقضى
فإنه يروى على ثلاثة أوجه: " ولكن بغوض " على تكثير الفعل مثل:
ضروب وشروب. وبغيض وهو اسم للذات كقولك: رجل بغيض " وليس بتكثير الفعل. ويروى: ولكن تعوض، أن يقال عديم من العوض.