" وذلك قولك: هذا أوّل فارس مقبل، وهذا كلّ متاع عندي موضوع، وهذا خير منك مقبل، ومما يدلك على أنهنّ نكرة أنهن مضافات إلى نكرة وتوصف بهن النكرة، وذلك أنك تقول فيما كان وصفا: هذا رجل منك، وهذا فارس أوّل فارس، وهذا مال كلّ مال عندك.
وتستدل على أنهن مضافات إلى نكرة أنك تصف ما بعدهن بما توصف به النكرة ولا تصفه بما توصف به المعرفة، وذلك قولك: هذا أوّل فارس شجاع مقبل.
وحدثنا الخليل أنه سمع من يوثق بعربيته ينشد هذا البيت، وهو قول الشماخ:
وكلّ خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارز (٣)
فجعله صفة لكل.
وحدثني أبو الخطاب أنه سمع من يوثق بعربيته من العرب ينشد هذا البيت:
كأنّا يوم قرّى إن نما نقتل إيّانا
_________________
(١) بدون نسبة في خزانة الأدب ٩/ ٥٨٧.
(٢) البيت لأبي دؤاد، ديوانه ٣١٦، ابن يعيش ٨/ ٢٩.
(٣) ديوان الشماخ ١٧٣.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
قتلنا منهم كلّ فتى بيض حسّانا (١)
فجعله وصفا لكل ".
قال أبو سعيد: قصد سيبويه في هذا الباب إلى آخره ذكر أسماء لا تدخل عليها الألف واللام، وأنها مع امتناع دخول الألف واللام عليها منكورة بدلائل النكرة عليها، وجعل دلائل التنكر فيها أنها توصف بالأسماء النكرات، وتوصف بها الأسماء النكرات.
فمن تلك الأسماء: خير منك، وأول فارس، وكلّ مال عندك، وقد وصف بهنّ نكرات ووصفن بنكرات في قوله:
أول فارس شجاع مقبل.
ويكشف ما قاله سيبويه بأن يراد فيه أنهن يوصفن بنكرات يمكن دخول الألف واللام عليها، فلا تدخل نحو: أول فارس شجاع، ولا يقال الشجاع، وامتناع دخول الألف واللام عليها أن مواضعهن أوجبت لها التنكير، فمنها أن أفعل إنما يضاف إلى جمع أو واحد منكور في معنى الجمع؛ كقولنا: أفضل رجل، وخير رجل، بمعنى أفضل الرجال، وخير الرجال على التخفيف، والاقتصار على أخف لفظ، ويدل على ذلك الواحد، وهو الواحد المنكور من الجنس، وكذلك: أفضل منك، وخير منك، وجميع باب أفعل منك لا يكون إلّا نكرة، لما قد ذكرت في موضعه مما أوجبت التنكير.
فإن قال قائل: فأنتم قد تصفون المعارف بالنكرات في قولك: إنّي لأمرّ بالصادق غير الكاذب، وإنّي لأمرّ بالرجل مثلك. قيل له: إنما جاز وصفه بذلك لأنه لا يمكن دخول الألف واللام على غيرك ومثلك، ولو جئنا بشيء يمكن دخول الألف واللام عليه من المنكرات ما جاز الوصف به إلّا بدخول الألف واللام، وعليه لو قلت: إني لأمرّ بالرجل الغريب أو بالصادق المحق، ما جاز أن تقول إنّي لأمرّ بالرجل غريب، ولا بالصادق محق، ومن دلائله: عشرون درهما، وثلاثون يوما، وما أشبه ذلك؛ لأن المميز واحد منكور؛ لأنه أخفّ لفظ يدلّ على النوع، ولا تدخل عليها الألف واللام، ثم واصل الاحتجاج لذلك والاستشهاد بالنظائر بما يكشف لأفهام المتكلمين بكلام بيّن إلى آخر الباب.
قال: " ومثل ذلك: هذا أيّما رجل منطلق، وهذا حسبك من رجل منطلق.
_________________
(١) البيتان لذي الإصبع العدواني في شرح ابن يعيش ٣/ ١٠١، وخزانة الأدب ٢/ ٤٠٦.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
ويدلك على أنه نكرة أنك تصف به النكرة، تقول، هذا رجل حسبك من رجل، فهو بمنزلة: مثلك وضاربك إذا أردت النكرة، ومما يوصف به كلّ، قول ابن أحمر:
ولهت عليه كلّ معصفة هو جاء ليس للبها زبر (١)
سمعناه ممن يروونه من العرب.
ومن قال: هذا أول فارس مقبلا، من قبل أنه لا يستطيع أن يقول: هذا أوّل الفارس، فيدخل عليه الألف واللام فصار عنده بمنزلة المعرفة، فلا ينبغي أن يصفه بالنكرة، وينبغي له أن يزعم أن درهما في قولك: عشرون درهما معرفة، فليس هذا بشيء، وإنما أرادوا من الفرسان، فحذفوا الكلام استخفافا، وجعلوا هذا يجزئهم من ذلك، وقد يجوز
نصبه على نصب: هذا رجل منطلقا، وهو قول عيسى بن عمر وزعم الخليل أن هذا جائز، ونصبه كنصبه في المعرفة، جعله حالا ولم يجعله وصفا.
ومثل ذلك: مررت برجل قائما، إذا جعلت المرور به في حال قيامه. وقد يجوز على هذا: فيها رجل قائما، وهو قول الخليل.
ومثل ذلك: عليه مائة بيضا، والرفع الوجه، وعليه مائة عينا، والرفع الوجه.
وزعم يونس أن ناسا من العرب يقولون: مررت قائما بماء قعدّه رجل، والجر الوجه. وإنما كان النصب هنا بعيدا من قبل أن هذا يكون من صفة الأول، فكرهوا أن يجعلوه حالا كما كرهوا أن يجعلوا الطويل والأخ حالا حين قالوا:
هذا زيد الطويل، وهذا عمرو أخوك.
فألزموا صفة النكرة النكرة، كما ألزموا صفة المعرفة المعرفة، وأرادوا أن يجعلوا حال النكرة فيما يكون من اسمها، معنى ما يكون صفة لها ".
قال أبو سعيد:
الحال من المعرفة كالحال من النكرة فيما يوجبه العامل، غير أن الحال من النكرة تنوب عن معناها الصفة، والصفة مشاكلة للفظ الأول، فيكون أولى من الحال المخالفة للفظ الأول، وذلك قولك: جاءني رجل راكب. في حالة مجيئه، ولست تريد بيان رجل في
_________________
(١) ديوانه ٨٧، واللسان (زبر)، والزبر: الإحكام.
[ ٢ / ٤٤١ ]
حال إخبارك، وإذا قلت: جاءني رجل راكبا، فذلك المعنى تريد، فكرهوا العدول عن لفظ مشاكل للفظ الأول إلى لفظ يخالفه لغير خلاف في المعنى، فلذلك آثروا الصفة في النكرة على الحال.
وأما المعرفة فإن فائدة الحال فيها غير فائدة الصفة؛ لأنك إذا قلت: جاءني زيد أمس الراكب، فالراكب صفة لزيد في حال إخبارك؛ لأنّ زيدا معرفة تحتاج إلى أن يعرفه المخاطب في حال إخبارك، فإذا قلت: جاءني أمس راكبا، فالركوب في حال مجيئه لا في حال إخبارك.
وجعل سيبويه أول فارس مقبلا في باب الحال كقولك: هذا رجل منطلقا لتحقق تنكير أول فارس؛ إذ محله في الإعراب والحال الذي بعده كمحل رجل من هذا رجل.
قال: " واعلم أن ما كان صفة للمعرفة لا يكون حالا ينتصب انتصاب النكرة، وذلك أنه لا يحسن لك أن تقول: هذا
زيد الطويل، ولا هذا زيد أخاك، من قبل أنه من قال هذا فينبغي أن يجعله صفة للنكرة، فيقول هذا رجل أخوك.
ومثل هذا في القبح: هذا زيد أسود الناس، وهذا زيد سيّد الناس.
حدثنا بذلك يونس عن أبي عمرو.
ولو حسن أن يكون هذا خبرا للمعرفة لجاز أن يكون خبرا للنكرة، فتقول:
هذا رجل سيّد الناس، من قبل أنّ نصب هذا رجل منطلقا، فينبغي لما كان حالا للمعرفة أن يكون حالا للنكرة. فليس هكذا، ولكن ما كان صفة للنكرة جاز أن يكون حالا للنكرة، ولا يجوز للمعرفة أن تكون حالا كما تكون النكرة فتلتبس بالنكرة. ولو جاز ذلك لقلت: هذا أخوك عبد الله، إذا كان عبد الله اسمه الذي يعرف به. وهذا كلام خبيث يوضع في غير موضعه ".
قال أبو سعيد: ذكر الصفات للمعارف أنها لا تكون أحوالا للمعارف، وهذا مسلّم إذ كنّا لا نقول: جاءني زيد الراكب على الحال، ولا أعلم أحدا يخالفه في ذلك، ولأن الحال- أيضا- مشبهة للتمييز؛ لأنّا إذا قلنا: جاءني زيد، احتمل أحوالا شتى جاء فيها، كما أنّا إذا قلنا: عشرون، احتمل أن يكون بعدها أنواع كثيرة، فإذا جئت بنوع منها نكّرته ونصبته، فقلت: درهما، أو ثوبا، وكذلك إذا جئت ببعض الأحوال المبهمة نصبته ونكّرته فقلت: جاءني زيد راكبا أو ماشيا أو مسرعا أو مبطئا أو ضاحكا أو باكيا،
[ ٢ / ٤٤٢ ]
ثم ألزم من يلتزم أن تكون الحال معرفة أن يجعل حال النكرة معرفة؛ لأنه لا فرق بين حال المعرفة والنكرة فتقول: هذا رجل سيد الناس، وهذا كله من سيبويه تشنيع وتقبيح لهذا القول، ثم ألزمه أن يقول: هذا أخوك عبد الله؛ لأنه قد يكون الاسم للعلم عطف البيان، ويجري ما قبله مجرى النعت، فألزمه نصبه. ومن أصحابنا من قال: غلط في الكتاب وإن معناه إذا عبد الله ليس اسمه الذي يعرف به، ثم ذكر مواضع المعرفة فقال: إنما تكون للمعرفة مبنيا عليها، يعني مبتدأ أو مبنية على اسم يعني خبرا لمبتدإ، أو لكان ونحوها، أو غيره من الكلام الذي جرى بالاستئناف له، أو بنصبه على إضمار، وقد دخل هذا في أقسامه الأول. فهذا أمر النكرة وأمر المعرفة، فأجره كما أجروه وضع كل شيء موضعه.