قال أبو سعيد: هذا الباب إلى آخره في رفع منطلق من (قولك: هذا عبد الله منطلق).
وقد ذكرناه منصوبا في باب قبل هذا وقد شرحناه.
وذكر رفعه في هذا الباب، وحكاه عن يونس وأبي الخطاب، عمن يوثق به من العرب وأفرد الباب به ورفعه من أربعة أوجه، أظنني ذكرتها فيما مضى وأعيدها هاهنا للاحتياط.
ذكر عن الخليل وجهين، منها:
أحدهما: (أنك حين قلت: هذا عبد الله، أضمرت هذا أو هو، كأنك قلت: هذا منطلق أو هو منطلق.
والوجه الآخر: أن تجعلهما جميعا خبرا ل (هذا) كقولك: هذا حلو حامض، لا تريد أن تنقض الحلاوة، ولكنك تزعم أنه جمع الطعمين، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّها لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١)، وزعموا أنها في قراءة ابن مسعود: وَهذا بَعْلِي شَيْخًا (٢)، وقال الراجز:
_________________
(١) سورة المعارج، الآيتان: ١٥، ١٦.
(٢) سورة هود، الآية: ٧٢.
[ ٢ / ٤١٠ ]
من يك ذا بتّ فهذا بتّي مقيّظ مصيف مشتىّ (١)
سمعناه ممن يروي هذا الشعر من العرب يرفعه)
والوجهان الآخران من الرفع:
أحدهما: أن يجعل عبد الله معطوفا على هذا كالوصف، وهو عطف البيان فيصير كأنه قال: عبد الله منطلق، فيكون- أيضا- بدلا من هذا في هذا الوجه.
والوجه الثاني: أن يكون منطلق بدلا من زيد فيكون التقدير: هذا منطلق، وتقديره:
هذا زيد رجل منطلق، فيبدل رجل من زيد ثم تحذف الموصوف وتقيم الصفة مقامه، فيصير: هذا منطلق، وهو بدل نكرة من معرفة، كما قال تعالى: بِالنَّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ. (٢)
فهذه أربعة أوجه في الرفع.
قال: (وأمّا قول الأخطل:
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل فأبيت لا حرج ولا محروم (٣)
فزعم الخليل: أن هذا ليس على إضمار (أنا) ولو جاز على إضمار (أنا) لجاز:
كان عبد الله لا مسلم ولا صالح، على إضمار (هو).
ولكنه فيما زعم الخليل على قوله: (فأبيت) بمنزلة الذي يقال له: لا حرج ولا محروم، ويقويه في ذلك قوله:
على حين أن كانت عقيل وشائظ وكانت كلاب خامري أمّ عامر) (٤)
هجا هذا الشاعر عقيلا وكلابا، فأمّا عقيل فجعلهم وشائظ واحدهم: وشظ، والوشظ: الخسيس، والوشيظ: الزائد في القوم الملزّق بهم.
قال جرير يهجو التّيم:
يخزى الوشيظ إذا قال الصّميم لهم عدّوا الحصى ثم قيسوا بالمقاييس (٥)
_________________
(١) البيت ينسب لرؤبة بن العجاج ملحقات ديوانه/ ١٨٩ ابن يعيش ١/ ٢٥٨.
(٢) سورة العلق، الآيتان: ١٥، ١٦.
(٣) ديوان الأخطل/ ٨٤، سيبويه ١/ ٢٥٩.
(٤) في سيبويه ٢/ ٨٥ ونسبه للربيع الأسدي.
(٥) ديوان جرير/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٤١١ ]
والصميم: الصحيح النسب.
وأمّا كلاب فجعلهم حمقى، وذلك أنّ أمّ عامر هي الضّبع، والعرب تستحمقها وتذكر من حمقاتها أنها يقال لها:
خامري أم عامر، أي: ادخلي الخمر فتدخل جحرها فيصطادونها، ويكون التقدير في البيت: وكانت كلاب يقال لها: خامري أمّ عامر، كأنه قال: وكانت كلاب من حماقتها كضبع يقال لها: خامري أم عامر، فهذا كله تأييد لقول الخليل، ويؤيّد أيضا- قوله:
(كذبتم وبيت الله لا تنكحونها بني شاب قرناها تصرّ وتحلب (١)
أي بني من يقال له ذلك). لأنه يجعله كأنه حكاية لما كان يتكلم به قبل ذلك، فكأنه حكى اللفظ كما كان.
قال سيبويه: (وقد زعم بعضهم أنّ رفعه على النفي كأنه قال: فأبيت لا حرج ولا محروم بالمكان الذي أنا به).
قال: (وهذا التفسير كأنه أسهل).
وإنما صار عنده أسهل لأنّ المحذوف خبر حرج وهو ظرف، وحذف الخبر في النفي كثير كقولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا حول لنا ولا قوة لنا.
وقد قال بعض النحويين: لا أنا حرج، ولا أنا محروم، فيحذف المبتدأ، وقد ذكر حذفه في مواضع.