لإضمارك ما يكون مستقرا لها، وموضعها لو أظهرته وليس هذا المضمر بنفس المظهر، وذلك إنّ مالا وإنّ ولدا وإنّ عددا؛ أي أن لهم مالا، فالذي أضمرت لهم.
ويقول الرجل للرجل هل لكم أحد؟ إن الناس عليكم، فيقول: إن زيدا وإنّ عمرا أي إن لنا.
وقال الأعشى:
أن محلا وإن مرتحلا وإن في السفر إذ مضى مهلا (٥)
قال أبو سعيد: ويروى إنّ للسفر ما مضى، ومعناه إن لنا محلا يعني في الدنيا إذا
_________________
(١) سورة يس، الآية: ٣٢.
(٢) سورة الأعراف، الآية ١٠٢.
(٣) سورة الشعراء، الآية: ١٨٦.
(٤) البيت في ابن يعيش بلا نسبة ٨/ ٧٣، والهمع ١/ ١٤٣، شرح شواهد المغني للسيوطي ٣٩.
(٥) البيت في ابن يعيش ١/ ١٠٤، والكتاب ١/ ٢٨٣، والمقتضب ٤/ ١٣٠.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
عشنا وإنّ لنا مرتحلا إلى الآخرة إذا فنينا. ويقال إنّ في الدنيا محلا ومرتحلا إلى الآخرة إذا فنينا، والسفر: المسافرون يعني به من مات.
وقال أبو عمرو مهلا مهلة لمن بقي بعدهم؛ أي يستعد ويصلح من شأنه. وقال أبو عبيدة: إنّ مقيما وإنّ مسافرا، وإن في السفر إذ مضى مهلا. قال ذهابا لا يرجعون، وقيل إن للسفر: يريد من قدم لآخرته فاز وظفر، والمهل: السبق. والذي عند سيبويه أنّ الخبر محذوف، وهو مستقر كنحو ما قدرناه وذكرناه.
وقال الفراء: إنما تحذف مثل هذا إذا كررت (إن) لتعرف أن أحدهما مخالف للآخر عند من يظنه غير مخالف. ويحكى أنّ أعرابيّا قيل له الذبابة الفارة، فقال: إن الذبابة وإنّ الفارة. قال: وتقديره إن الذبابة ذبابة وإن الفارة فارة، ومعناها إنّ هذه مخالفة لهذه.
والخلاف الذي بين الاسمين يدل على الخبر. قال والفائدة أن المحل خلاف المرتحل، وأنشد أصحابنا في الواحد الذي لا مخالف معه قول الأخطل:
خلا إنّ حيّا من قريش تفضلوا على الناس أو أنّ الأكارم نهشلا (١)
وقد اطرد الحذف في (لا) كقولنا لا حول ولا قوة إلّا بالله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله. والتقدير: لا حول لنا ولا قوة. والفراء قائل بهذا الحرف. فهذا شاهد لذلك.
وذكر سيبويه من المحذوف: إن غيرها إبلا وشاة، اسم إنّ (غيرها) والخبر (لنا) وهو محذوف. وإبلا وشاة منصوب على التمييز أو الحال؛ كقوله: ما في الناس مثله فارسا.
ومثل ذلك قول الشاعر:
يا ليت أيام الصبى رواجعا (٢)
تقديره: يا ليت لنا أيام الصبى، أو يا ليت أيام الصبى أقبلت رواجعا، ورواجعا منصوب على الحال، وهو كقوله: ألا ماء باردا، ومعناه ألا ماء لنا باردا. وتقول إن قريبا منك زيدا إذا جعلت قريبا منك موضعا، أي أن في مكان قريب منك زيدا، وإذا جعلت الأول هو الآخر قلت إن قريبا منك زيدا. أردت من القرابة أو القرب كأنك قلت: إن رجلا قريبا منك زيد، وهو مستعمل؛ لأنه قد قربته من المعرفة بدخول منك، ومثله: إنّ بعيدا منك زيد، يريد أن رجلا بعيدا منك
زيد. إما في بعد النسب أو بعد المذهب
_________________
(١) البيت في ابن يعيش ١/ ١٠٤، والخصائص ٢/ ٣٧٤، المقتضب ٤/ ١٣١، وتاج العروس (نهشل).
(٢) الرجز لرؤبة في ابن يعيش ١/ ١٠٤، والكتاب ١/ ٢٨٤.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
والأخلاق أو بعد المكان. والوجه إذا أردت هذا أن تقول إنّ زيدا قريب منك أو بعيد؛ لأنه اجتمع معرفة ونكرة، فالأولى أن يكون الاسم هو المعرفة. وقال امرؤ القيس:
وإنّ شفاء عبرة مهراقة فهل عند رسم دارس من معول (١)
فهذا أحسن لأنهما نكرة.
قال: " وإن شئت قلت إنّ بعيدا منك زيدا، وقلما يكون بعيدا منك ظرفا، وإنما قلت لأنك لا تقول إنّ بعدك زيدا، وتقول إن قربك زيدا، فالدنو أشد تمكنا في الظروف من البعد ".
قال أبو سعيد: إنما صار الدنو أشد تمكنا؛ لأن الظروف موضوعة على القرب أو على أن تكون ابتداؤها من قرب، فأما الموضوع على القرب ف (عند) و(لدن) وما كان في معناهما كقولك زيد عندك. وأما ما لا يكون ابتداءه من قرب فالجهات المحيطة بالأشياء كخلف وقدام ويمنة ويسرة وفوق وتحت؛ لأنّا إذا قلنا زيد خلف عمرو فهو مطلوب خلفه من أقرب ما يليه إلى ما لا نهاية له، والبعد لا نهاية له، ولا حدّ لأوله معلوم؛ كعلم حدود الجهات الست، ويقوى ويكشفه أنّا إذا قلنا قربك زيد طلبه المخاطب فيما قرب منه، وذلك ممكن مفهوم، كما تقول عندك زيد، وإذا قلنا خلفك زيد ابتداء بما يليه من خلفه واستقراه طلبا له. وإذا قلنا بعدك زيد لم يكن ذاك فيه.
قال: " وزعم يونس أن العرب تقول إنّ بدلك زيدا أي أنّ مكانك زيدا، والدليل على هذا قول العرب هذا لك بدل هذا؛ أي هذا لك مكان هذا، وإن جعلت البدل بمنزلة البديل قلت إنّ بدلك زيد أي إنّ بديلك زيد ".
لأنّ البدل يستعمل في موضع مكان والبديل هو الإنسان.
قال: " وتقول إنّ ألفا في دراهمك بيض، وإن في دراهمك ألفا بيض، فهذا يجري مجرى النكرة في (كان) و(ليس)؛ لأن المخاطب يحتاج إلى أن تعلمه هذا، كما يحتاج إلى أن تعلمه في قولك: ما كان أحد فيها خيرا منك، وإن شئت جعلت فيها مستقرا وجعلت البيض صفة ".
يعني أن النكرة قد تكون اسم إن إذا كانت فيها فائدة، كما كانت اسم (كان) و(ليس) ويجوز: أن في دراهمك ألفا بيضا، إذا جعلت في دراهمك هي الخبر.
_________________
(١) البيت في ديوانه ٩٠، والكتاب ١/ ٢٨٤.
[ ٢ / ٤٧١ ]
قال: " واعلم أن التقديم والتأخير والعناية والاهتمام هاهنا مثله في باب كان، ومثل ذلك قولك: إنّ أسدا في الطريق رابضا، وإنّ بالطريق أسد رابض، وإن شئت جعلت بالطريق مستقرا ثم وصفته بالرابض، فهذا يجري هاهنا مجرى ما ذكرت لك من النكرة في باب كان ".
قال أبو سعيد وهذا كله مفهوم.