وذلك نحو قولك: (له صوت صوت حسن؛ لأنك إنما أردت الوصف، فكأنك قلت: له صوت حسن، وإنما كرّرت الصوت توكيدا، ولم ترد أن تحمله على الفعل)
ومثل هذا: مررت برجل رجل صالح، وعنده ثوب ثوب حسن، فيعيدون الاسم فينعتونه بالنّعت الذي يكون للأول.
(ومثل ذلك: له صوت أيّما صوت، وله صوت مثل صوت الحمار، لأن أيّ والمثل صفة أبدا، فإذا قلت: أيّما صوت، فكأنك قلت: له صوت حسن جدّا، وهذا صوت شبيه بذلك، فأيّ ومثل فيهما الأول، الرفع فيهما أحسن؛ لأنّك ذكرت اسما يحسن أن يكون هذا الكلام منه؛ فلمّا كان منه حمل عليه، كقولك: هذا رجل مثلك، وهذا رجل حسن، وهذا رجل أيّما رجل).
قال أبو سعيد: معنى قول سيبويه: يعني هو هو، وهو يستعمله في بعض كلامه، يريد أن قولك: له صوت إنّما هو الأوّل، وصوت مثل صوت الحمار، مثل: هو الأوّل.
وأراد أن يفرّق بين هذا وبين قوله: له صوت صوت حمار؛ لأنّ صوت حمار ليس بالصوت الأوّل، ولم يظهر لفظ مثل فيختار فيه الرفع.
وإذا قلت: له صوت صوت حمار فيقول سيبويه: (إنّما جاز رفعه على سعة الكلام
[ ٢ / ٢٥٠ ]
كما جاز لك أن تقول: ما أنت إلا سير).
قال أبو سعيد: يريد أن جوازه على إضمار " مثل " كإضمارك في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١) على معنى أهل القرية، وكإضمارك وما أنت إلا سير، أي إلا صاحب سير.
فمن اختار: ما أنت إلا سيرا، اختار له صوت صوت حمار، ومن اختار الرفع في ذلك اختار الرفع في هذا.
(ولو قلت: له صوت أيّما صوت، وله صوت مثل صوت الحمار، أو له صوت صوتا حسنا جاز، وإنما جاز هذا على الحال، أو على المصدر بإضمار فعل؛ لأنّ في قوله: له صوت دلالة على التصويت، فأجاز الخليل النصب لهذا المعنى، ويقوّي ذلك أنّ يونس وعيسى جميعا زعما أن رؤبة بن العجاج كان ينشد هذا البيت:
فيها ازدهاف أيّما ازدهاف
وفي كتاب أبي بكر مبرمان مفسّر في الحاشية؛ الازدهاف: العجلة، وليس كذلك، قال رؤبة يخاطب أباه ويعاتبه في قصيدة فيها:
أقحمتني في النفنف النّفناف في هول مهوى هوّة الرصّاف (٢)
قولك أقوالا مع التّحلاف فيها ازدهاف أيّما ازدهاف
وفسّر الازدهاف: الشّدّة والأذى، وحقيقته: استطارة القلب أو العقل من شدة الجزع أو الحزن.
قال الشاعر:
ترتاع من نفرتي حتّى تخيّلها جون السّراة تولّى وهو مزدهف (٣)
وقالت امرأة من العرب:
بل من أحسّ بنيّ اللذين هما قلبي وعقلي فعقلي اليوم مزدهف (٤)
_________________
(١) الآية سبق تخريجها.
(٢) البيتان لرؤبة بن العجاج: ديوانه: ١٠٠؛ خزانة الأدب ٢: ٤٣؛ شرح المفصل ١٠: ٤٩.
(٣) غير منسوب، تاج العروس (زهف).
(٤) البيت ينسب لأم حكيم بنت قارظ بن خالد الكنانية، وقيل: هي عائشة بنت عبد المدان: =
[ ٢ / ٢٥١ ]
ونصب أيّما على تقدير تزدهف أيّما ازدهاف، لأنّ له ازدهاف قد دلّ على ذلك وصار بدلا من اللفظ بالفعل.