(وزعم يونس أنه قول أبي عمرو، وذلك قولك: أمّا العبيد فذو عبيد، وأمّا العبد فذو عبد وأما عبدان فذو عبدين، وإنما اختير فيه الرفع لأن ما ذكرت في هذا الباب أسماء، والأسماء لا تجري جري المصادر، ألا ترى أنك تقول: هو الرّجل علما وعقلا، أي: يعلم ويعقل، ولا تقول: هو الرجل خيلا وإبلا).
قال أبو سعيد: قوله: أمّا العبيد فذو عبيد؛ فرفع العبيد هو الوجه، لأن العبد ليس بمصدر فيقدّر له فعل من لفظه ينصبه على ما تقدّم في المصادر فوجب رفعه بالابتداء، وما بعده يكون خبرا له، والعائد إليه محذوف تقديره: أمّا العبيد فأنت منهم، أو فيهم، أو نحو هذا ذو عبيد.
وذكر سيبويه في الباب عن بعض العرب: (أنهم ينصبون هذا فيقولون: أمّا العبيد
[ ٢ / ٢٧٩ ]
فذو عبيد، وأمّا العبد فذو عبد، يجرونه مجرى المصدر سواء، وهو قليل خبيث، وذلك أنهم شبهوه بالمصدر، كما
شبّهوا الجمّاء الغفير وخمستهم بالمصدر، وكأنّ هؤلاء أجازوا: هو الرجل عبيدا ودراهم، أي: للعبيد والدراهم، وهذا لا يتكلّم به، وإنما وجهه وصوابه الرفع، وهو قول العرب وأبي عمرو ويونس، ولا أعلم الخليل خالفهما).
وكان المبرّد لا يجيز النصب ولا يرى له وجها، وكان سيبويه يجيز النصب على ضعفه إلا أن يكون العبيد بغير أعيانهم ليلحق بالمصادر المبهمة، فلو قال: أمّا العبيد الذين عندك أو الذين في دارك، أو هؤلاء العبيد، لم يجز النّصب.
وكان الزجّاج يتأوّل في نصب العبيد تقدير الملك، والملك مصدر، كأنه قال: أمّا ملك العبيد، كما تقول: أمّا ضرب زيد فأنا ضاربه.
قال أبو سعيد: والذي عندي: أن جعل العبيد، وهو اسم، مكان التعبيد وهو مصدر، والعرب قد استعملت العبيد في تصريف الفعل من العبد، قال رؤبة:
والناس عندي كثمام التّمّي يرضون بالتّعبيد والتأمّي (١)
فعلى هذا يجعل العبيد مكان التعبيد، كما جعل الشراب وهو اسم للمشروب في موضع المصدر؛ فقالوا: شربت شرابا، بمعنى شربت شربا، وقالوا: أعطيته عطاء؛ بمعنى:
إعطاء، والعطاء: اسم للشيء الذي يعطى؛ فعلى هذا يكون النصب، ولا يجوز: هو الرجل خيلا وإبلا، كما جاز هو الرجل علما وعقلا؛ لأن علما وعقلا في موضع الحال، أو المفعول له على أحد التقديرات.
وعلى كلا الوجهين لا يجوز: هو الرجل خيلا وإبلا؛ لأن خيلا وإبلا ليسا بمصدرين فيكونا في موضع الحال كما تكون المصادر أحوالا، ولا مفعولا له؛ لأنّ المفعول له أيضا مصدر، والعامل في الحال أو المفعول له إذا قلت: أنت الرجل علما، فكأنه قال: أنت العالم علما، ثم تقيم الرجل مقام العالم، ولا يجوز: أنت الرجل خيلا؛ إذ لا يمكن أن يشتقّ من لفظ الخيل اسم فاعل يكون الرجل في موضعه فينصب الخيل.
فإذا قلت: أمّا النّصرة فلا نصرة لك، وأما الحارث فلا حارث لك، وأمّا أبوك فلا
_________________
(١) قائله: رؤبة بن العجاج: ديوانه: ١٤٣.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
أبا لك، فليس في هذا كلّه إلا الرفع، ولا يجوز نصبه على مذهب من نصب العبيد؛ لأن هذه أشياء معلومة فلا يجوز حملها على المصدر المبهم، ويحتمل قولك: أما أبوك فلا أبا لك معنيين:
أحدها: أن تجعل أباه غير فاعل به ما يفعله الآباء من النصرة له والبرّ به.
وإمّا أن تكون حال عرضت لأبيه أعجزته عن ذلك، وهكذا قولهم: أمّا النصرة فلا نصرة لك، إمّا أن يكون منع منها ومن منافعها، أو تغيرت هي في نفسها فبطل منافعها.
وقوله: (وسمعنا من العرب من يقول: أمّا ابن مزنيّة؛ فأنا ابن مزنيّة؛ كأنه قال: أما ابن مزنيّة فأنا ذاك، فجعل الآخر الأول كما كان قائلا ذلك في الألف واللام: أما ابن المزنيّة فأنا ابن المزنيّة، وإن شئت نصبته على الحال كما قلت: أمّا صديقا فأنت صديق، فإنه يريد: أنك إن شئت جعلته مبتدأ وخبرا، كأنه قال: أما ابن مزنيّة فأنا هو، وأنا ذاك، وإن شئت نصبته حالا على التفسير المتقدم).
وقوله: (وأمّا قول الناس للرجل: أمّا أن يكون عالما فهو عالم وأما أن يعلم شيئا فهو عالم، فقد يجوز أن تقول: أمّا أن لا يكون يعلم فهو يعلم وأنت تريد أن يكون، كما جاءت: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (١) في معنى لأن يعلم أهل الكتاب. فهذا يشبه أن يكون بمنزلة المصدر، لأنّ أن مع الفعل الذي يكون صلة بمنزلة المصدر، كأنّك قلت: أمّا علما وأمّا كينونة علم فأنت عالم. ألا ترى أنّك تقول: أنت الرجل أن تنازل أو أن تخاصم، كأنّك قلت نزالا وخصومة، وأنت تريد المصدر الذي في قوله فعل ذاك مخافة ذاك. ألا ترى أنك تقول: سكتّ عنه أن أجترّ مودّته، كما تقول:
اجترار مودّته. ولا تقع أن وصلتها حالا يكون الأوّل في حال وقوعه، لأنّها إنما تذكر لما لم يقع بعد. فمن ثم أجريت مجرى المصدر الأوّل الذي هو جواب لمه؟).
فإنه يريد: أنك إذا أدخلت أن بعد أمّا فهي وما بعدها مصدر لا تكون في معنى الحال، ولا مصدرا يعمل فيه الفعل الذي هو من لفظه، كعمل ضربت في ضربا إذا قلت ضربت ضربا؛ لأن أن لا تدخل على هذين لأنهما للمستقبل؛ لكون الفعل الذي بعدها مستقبلا بل يكون مفعولا له، كقولك: كلمت زيدا لأن أجترّ مودته، وفعلت ذلك مخافة
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٢٩.
[ ٢ / ٢٨١ ]
الشّرّ، ويحسن في هذا دخول لا زائدة، فيقول: أمّا أن لا يكون وأنت تريد ما يكون؛ لأن الفعل إذا قصد به كون شيء، فقد قصد به نفي ضده. ألا تراك لو قلت: فعلت هذا الأمر لغضبك، تريد: فعلته من أجل ما أخشاه من غضبك، أو لأن يقع غضبك، كان كلاما صحيحا.
فإذا قلت فعلت هذا لأن لا تغضب، لم يخرج عن هذا المعنى، وفي القرآن: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا (١)، لأن التقدير: يبين الله لكم الضلال المتوهّم منكم لو لم يبيّن، وهذا الوجه أحبّ إليّ من قول من قال: كراهة أن تضلّوا، وكذلك قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (٢) إن لم تجعل (لا) زائدة لم تكن الضرورة داعية إلى زيادتها، لأنّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (٣)، أي: يفعل بكم هذه الأشياء ليبين جهل أهل الكتاب، وأنهم لا يعلمون أنّ ما يؤتيكم الله من فضله في ذلك لا يقدرون على تغييره وإزالته عنكم؛ فعلى هذا لا يحتاج إلى زيادة (لا).