إذا بني على ما قبله، وبمنزلته في الاحتياج إلى الحشو، ويكون نكرة بمنزلة رجل.
قال أبو سعيد في هذا الباب إلى آخره: في (من)، و(ما)، في الخبر، ويكونان معرفتين ونكرتين، فإن كانا معرفتين، فكل واحد منهما بمنزلة (الذي) يحتاج من الصلة إلى ما يحتاج إليه (الذي).
وسيبويه يسمي الصلة الحشو، فأمّا المعرفة فنحو قولك: هذا من أعرف منطلقا، وهذا من لا أعرف منطلقا، أي هذا الذي قد علمت أني لا أعرفه منطلقا، وهذا ما عندي مهينا، وأعرف ولا أعرف عندي؛ حشو لهما يتمّان به، فيصيران اسما كما كان الذي لا يتمّ إلّا بحشوه، وإن كانت نكرتين فهو ما قاله الخليل قال: (إن شئت جعلت من بمنزلة إنسان، وجعلت ما بمنزلة شيء، نكرتين وتلزمهما للصفة، والفرق بين الصلة والصفة أن الصلة جملة لا تتعلق بإعراب الموصول أو في تقدير جملة، والصفة اسم مفرد أو ما تقديره تقدير اسم متعلق إعرابه بالموصوف، تقول في الموصول: مررت بمن أبوه قائم، وبما طعمه طيب، ورأيت بمن أبوه قائم، وما لونه حسن.
وأما الصفة فنحو قولك: مررت بمن منطلق، ورأيت من منطلقا، ومررت بماء طيب، وقال الأنصاري (٢):
وكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبيّ محمد إيّانا (٣)
فوصف من بغير، وجرّه على موضع من، وقال الفرزدق في مثله:
_________________
(١) أم عامر: الضبع.
(٢) كعب بن مالك بن عمرو الخزرجي الأنصاري، صحابي من أكابر الشعراء من أهل المدينة، اشتهر في الجاهلية، وكان في الإسلام من شعراء النبي ﷺ، وشهد أكثر الوقائع. الإصابة (ت ٧٤٣٣)، خزانة الأدب ١: ٢٠٠.
(٣) ديوان كعب بن مالك: ٨٩، شرح ابن يعيش ٤: ١٢، خزانة الأدب ٦: ١٢٠، ١٢٣، ١٢٨.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
إنّى وإيّاك إذ حلّت بأرحلنا كمن بواديه بعد المحل ممطور (١)
جرّ ممطور لأنه صفة من، كأنه قال: كإنسان ممطور. قال: وأما هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢) فرفعه على وجهين: على شيء لديّ عتيد، يجعل ما بمنزلة شيء، كأنه قال:
هذا شيء لديّ عتيد.
وقد أدخلوا في قول من قال نكرة فقالوا: هل رأيتم شيئا يكون موصوفا لا يسكت عليه؟ فقالوا: نعم يا أيها الرجل. الرجل وصف لقوله يا أيها، ولا يجوز أن يسكت على يا أيّها، فربّ اسم لا يحسن عليه عندهم السكوت حتى يصفوه وحتى يصير وصفه عندهم كأنه به يتم الاسم؛ لأنهم إنما جاءوا بأيّها ليصلوا إلى نداء الذي فيه الألف واللام، فلذلك
جيء به. كذلك (من) و(ما) إنما يذكران لحشوهما ولوصفهما، ولم يرد بهما خلوين شيء، ولزمهما الوصف كما لزمهما الحشو، وليس لهما بغير حشو ولا وصف معنى، فمن ثم كان الوصف والحشو واحدا، فالوصف قولك: مررت بمن صالح، فصالح وصف. وإن أردت الحشو قلت: بمن صالح، فيصير صالح خبرا لشيء مضمر، كأنك قلت: مررت بمن هو صالح، والحشو لا يكون أبدا ل (من) و(ما) إلّا وهما معرفة؛ وذلك من قبل أن الحشو إذا صار فيهما أشبهتا الذي، فكما أنّ الذي لا يكون إلا معرفة لا تكون من وما إذا كان الذي بعدهما حشوا وهو الصلة إلّا معرفة وتقول: هذا من أعرف منطلق، فتجعل أعرف صفة. يصير كأنك قلت: هذا من معروف منطلق، بمنزلة رجل معروف.
وتقول هذا من أعرف منطلقا، تجعل أعرف صلة. وقد يجوز منطلق على قولك:
هذا عبد الله منطلق ومثل ذلك: الجمّاء الغفير، فالغفير وصف لازم، وهو توكيد؛ لأنّ الجمّاء الغفير مثل، فلزم الغفير كما لزم ما في قولك: إنك ما وخبزا، والخبز في هذا ونحوه عند أصحابنا محذوف، وتقديره إنك وخبزا مقرونان، وما زائدة، وهي لازمة عوضا عن المحذوف، ومثل هذا: كل رجل وقرينه، وكل إنسان وصنعته، عند أصحابنا البصريين الخبر محذوف، وتقديره: كلّ رجل وقرينه مقرونان، وكذلك كل إنسان وصنعته، وعند الكوفيين
_________________
(١) ديوان الفرزدق، ص: ٢٦٣، وروايته: إني وإيّاك إن بلّغن أرحلنا كمن بواديه بعد المحل ممطور.
(٢) سورة ق، الآية: ٢٣.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الواو بمعنى مع وهي الخبر.
قال: " واعلم أنّ كفى بنا فضلا على من غيرنا أجود، وفيه ضعف إلّا أن يكون مرفوعا بهو وهو نحو مررت بأيّهم أفضل، وكما قرأ بعضهم هذه الآية تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ (١) ".
يريد أن قوله: على من غيرنا بالرفع أجود من الجر؛ لأن الجر بالصفة، والصلة في (من) و(ما) أجود من الصفة وأكثر في الكلام، وإذا وصلت لم يحسن حذف العائد المقدر بعد من، والتقدير: من هو غيرنا، ولذلك قال: وفيه ضعف أي في حذف " هو " ضعيف، وهو جائز مع ضعفه لما ذكره بعد.
قال: " اعلم أنه قبيح أن تقول: هذا من منطلق إن جعلت المنطلق حشوا أو وصفا، فإن أطلت الكلام فقلت: من خير
منك، حسن في الوصف والحشو.
وزعم الخليل أنه سمع من العرب رجلا يقول: ما أنا بالذي قائل لك سوءا، وما أنا بالذي قائل قبحا، فالوصف بمنزلة الحشو؛ لأنه إنما يحسن بما بعده، كما أن الحشو إنما يتم بما بعده. ويقوّي أن (من) نكرة قول عمرو بن قميئة:
يا ربّ من يبغض أذوادنا رحن على بغضائه واغتدين (٢)
وربّ لا يكون ما بعدها إلا نكرة.
قال أمية بن أبي الصلت
ربّ ما تكره النّفوس من الأمر له فرجة كحلّ العقال (٣)
وما اسم وليست بكافة لربّ؛ لأن الهاء في له تعود إليه.
وقال آخر:
ألا ربّ من تغتشّه لّك ناصح ومؤتمن بالغيب غير أمين (٤)
قال أبو سعيد: هذا آخر كلام سيبويه، وهو مفهوم.
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية ١٥٤.
(٢) ديوان عمرو بن قميئة ١٩٢، ابن يعيش ٤/ ١١.
(٣) البيت في ابن يعيش ٤/ ٣٥٢، واللسان (فرج).
(٤) بدون نسبة في اللسان (خشش).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وأما قول أبي دؤاد
سالكات سبيل قفرة بدا ربّما ظاعن بها ومقيم (١)
ف (ما) في ربّما نكرة؛ لأن ربّ لا تدخل على المعارف، ولا هي كافة؛ لأنّ الوجه في الكافّة أن يليها الفعل، فإذا كانت نكرة جاز أن تنعت بالجمل، وتقدير (ما) هاهنا تقدير إنسان، كما قد جاءت (ما) في موضع (من) في أماكن. منه ما حكى أبو زيد:
سبحان ما سخركنّ لنا. وسبحان ما سبّح الرعد بحمده. وأشباه لذلك. وتقديره:
ربّ إنسان هو ظاعن بقلبه- إلى أحبّته الذين ظعنوا عن هذه البلدة- بها مقيم بجسمه فيها، وأما قول أبي دؤاد
أيضا:
ربما الجامل المؤيد فيهم وعناجيح بينهن المهار (٢)