من الأسماء التي تدخلها الألف واللام، وتكون نكرته الجامعة لما ذكرت من المعاني.
" وذلك قولك: فلان ابن الصّعق، والصّعق صفة تقع على كلّ من أصابه الصّعق، ولكنّه غلب عليه حتى صار علما بمنزلة زيد وعمرو، وقولهم النجم، صار علما للّثريّا، وكابن الصعق قولهم: ابن ألان، وابن كراع، صار علما لإنسان واحد، وليس كلّ من كان ابنا لألان وابنا لكراع غلب عليه هذا الاسم، فإن أخرجت الألف واللام من النجم والصّعق لم يصر معرفة، من قبل أنك إنما صيّرته معرفة بالألف واللام، كما صار ابن ألان معرفة بألان، وليس هذا بمنزلة عمرو وزيد وسالم، لأنها أعلام جمعت ما ذكرنا من التطويل وحذفوا، وزعم الخليل: إنه إنّما منعهم أن يدخلوا في هذه الأسماء الألف واللام، أنّهم لم يجعلوا الرجل الذي سمّي بزيد من أمة كلّ واحد منهم يلزمه هذا الاسم، ولكنّهم جعلوه سمّي به خاصّا، وزعم الخليل أن الذين قالوا الحرث والحسن والعبّاس، إنّما أرادوا أن يجعلوه سمّي به، ولكنهم جعلوه كأنه وصف له غلب عليه، ومن قال: حارث، وعباس، فهو يجريه مجرى زيد.
وأمّا ما ألزمته الألف واللام فلم تسقط فإنما جعلت الشيء الذي يلزمه ما لزم كلّ واحد من أمته، وأمّا الدّبران والسّماك والعيّوق وهذا النحو، فإنّما تلزمه الألف واللام من قبل أنه عندهم الشيء بعينه ".
[ ٢ / ٤٢٨ ]
قال أبو سعيد: اعلم أنّ الاسم العلم إنما وضع لإبانة شخص من سائر الأشخاص، وليس فيه دلالة على وجود معنى ذلك الاسم في الشخص الذي سمي به، كرجل يسمى بزيد، أو عمرو، أو جعفر، أو طلحة، أو حمزة، أو ما أشبه ذلك، ومعنى زيد: الزيادة، ومعنى عمرو: العمر، وجعفر: هو النهر، وطلحة: اسم لشجرة، وحمزة: اسم بقلة. وقد علم أن المسمى بشيء من هذا من الناس لا يراد به أنه نهر ولا أنه شجرة، ولا أنه بقلة، فإذا سموا بشيء من هذه الأسماء أو غيرها لإبانة الشخص، فإنه يصير معرفة بالتسمية، والذي يوجب التعريف اختصاص المسمى به شخصيا بعينه ليميزه من سائر الأشخاص، وهذا تعريف الاسم العلم الذي لا يحتاج إلى الألف واللام والإضافة، وهذه الأسماء إذا اشترك فيها المسمّون، لم يكن بينهم اتفاق يجب به اشتراكهم في الاسم؛ لأن جماعة أسماؤهم زيد لا يختصون بمعنى جمعهم على تسمية زيد يتباينون به ممن اسمه عمرو، وقد ذكر في أقسام المعارف: (أن الاسم يكون معرفة بدخول الألف واللام عليه كالرجل والفرس وما أشبه ذلك، وبالإضافة له إلى معرفة نحو ابن زيد وغلام زيد وما أشبهه)، وهذه الأسماء تجب للمسمين بها لمعان فيهم يختصون بها، وتوجب مثل تسميتهم لكل من شاركهم في المعنى، كالرجل يسمى به خلقته كخلقته، وكذلك الفرس، والدار، والبستان، والبزار (١)، والعطار، والظريف، والجميل، والشجاع؛ لأن كل من شارك البزار في صفته فهو بزار، وكذلك العطار، وكل من فيه ظرف أو جمال أو شجاعة قيل له:
الظريف، والجميل، والشجاع، لا يختص أحد منهم باسم دون سائر من فيه ذلك المعنى.
ثم غلب على بعض المسمّين بذلك الاسم الذي يشارك فيه غيره حتى يصير له كالعلم الذي يعرف به إذا ذكر مطلقا، ولا يعرف به غيره إلا بعهد يتقدّم، فمن ذلك الصّعق:
وهو رجل من بني كلاب وهو خويلد بن نقيل بن عمرو بن كلاب، ذكروا أنه كان يطعم الناس بتهامة، فهبت ريح فسفت في جفانه التراب، فشتمها، فرمي بصاعقة فقتلته، فقال فيه بعض بنى كلاب:
إن خويلدا فابكي عليه قتيل الريح في البلد التهامي
فعرف خويلد بالصّعق، وغلب عليه، وشهر به حتى إذا ذكر الصعق لم يذهب
_________________
(١) البزار: بياع بزر الكتان.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
الوهم إلى غيره، فمن أصابته صاعقة، ثم عرف بعض أولاده بابن الصعق حتى إذا ذكر ابن الصعق لم يذهب الوهم إلى غيره إلّا ببيان. وكان أشهر ولده وأكثرهم علما، وأغزرهم شعرا، وأشجعهم للعدو، وألزمهم للحروب، وأسرعهم إلى الوقائع، يزيد بن عمرو بن الصعق (١)، وكان قد أسر وبرة بن رومانس الكلبي (٢) أخا النعمان بن المنذر لأمّه، فأرسل إليه النعمان أن يطلقه فأبى حتى يحكّم، فأرسل إليه النعمان فحكّمه، فاحتكم مائة فرس، ومائة بعير، ومائة شاة، ومائة سيف، ومائة رمح، وألف قوس، وألف درع، فأرسل إليه بذلك فخلّى سبيله. ومن شعره:
فما كان مالي من تراث ورثته ولا صدقات من نساء ولا سرق
ولكن عناق الدارعين وطعنهم وفودي بأرسان المسوّمة العتق
وصبري إذا نفس الجبان تطلعت وأعصم من وقع الأسنة كالبرق (٣)
وليس كل من كان ابنا للصعق عرف بابن الصعق كمعرفة زيد. ومثله في الإسلام أنّه كان لكل واحد من عمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، والعباس بن عبد المطلب، رضوان الله عليهم، أولاد جماعة، فغلب على عبد الله بن عمر أن يعرف بابن عمر وإن لم يسمّ، فيعلم أنه عبد الله دون غيره من ولد عمر، وكذلك ابن الزبير عبد الله، وكذلك عبد الله بن عباس، فإذا ذكر ابن عمر وابن الزبير وابن عباس لا يذهب الوهم إلى غير هؤلاء من ولد هؤلاء الثلاثة، وذلك إذا قيل: ابن رألان، علم أنّه جابر بن رألان الطائي السنبسي، ولا يذهب الوهم إلى ابن آخر لرألان، وكذلك سويد بن كراع العكليّ، ومن ذلك قولهم للثريا: النجم، وذلك أنّ النجم واحد النجوم نكرة، ثم تدخل عليه الألف واللام فيقال النجم، لنجم عرفه المتكلم والمخاطب وعهداه، أي نجم كان، ثم غلب على الثريا اسم النجم حتى يقول القائل: طلع النجم، فيعلم المخاطب أنه يعني به الثريا من غير عهد بينهما. قال أبو ذؤيب:
_________________
(١) هو يزيد بن عمرو ابن الصعق فارس جاهلي من الشعراء، خزانة الأدب ١/ ٢٠٦.
(٢) ابن رومانس الكلبي هو المنذر بن وبرة الكلبي، شاعر جاهلي أدرك الإسلام، اشتهر بنسبته إلى أمه (رومانس)، وهو أخو النعمان بن المنذر اللخمي. التاج ٤/ ١٦٤.
(٣) خزانة الأدب ١/ ٢٠٦.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
فوردن والعيّوق مقعد رابئ ضرباء خلف النجم لا يتتلّع (١)
يريد بالنجم: الثريا، والثريا أيضا تجري هذا المجرى؛ لأن الأصل فيها ثروى، ومعناها كثير من الثروة، وتروى كثيرة الكواكب؛ لأن كواكبها سبعة أو نحوها، فصغرت فصارت ثريّا، ودخلت الألف واللام عليها وغلب اللفظ على هذه الكواكب بعينها دون سائر ما يوصف بالثروة والكثرة، ولو أخرجت الألف واللام من الصعق أو النجم أو الثريا لم تصر معرفة؛ لأن تعريفها بالألف واللام لا بالتسمية، كما لو ألقيت رألان من ابن، بطل التعريف؛ لأن تعريف ذلك ليس كتعريف زيد وعمرو وسلام؛ لأنها أعلام جمعت ما ذكرنا من التطويل وحذفوا.
يريد أن العلم جمع معرفة الرجل وأحواله فأغنى عن تطويل ذكره. وقد مضى الكلام في نحو هذا. وقد مضى الكلام في منع زيد ونظائره الألف واللام، فأمّا الحارث والحسن والعباس فمذهب العرب في هذه الأسماء وما جرى مجراها، أن يجعلوها لأولادهم وسائر من يسمون بها تفاؤلا وترجيا أن يصير فيهم تلك الأشياء، فيعزونهم لما تراد له تلك الأسماء نحو الحارث، ومعناه: الكاسب الذي يحرث لدنياه ويكسب، والعباس:
المجرّب الذي يعيش في الحرب، فسموا بما أعدّوا له كما يقال: الأضحية والذبيحة لما أعدّ لذلك، وربما اعتقدوا لهم معنى أو رأوه فيهم فوصفوهم به، وغلب فشهروا به، وأغنى عن اسم سواه من الأعلام، كتسميتهم بالحسن الأغرّ وما أشبه ذلك، وبعضهم ينزع الألف واللام ويجرى مجرى زيد ونظائره، ويقول حارث وعباس وحسن، وقد يشبهون الشيء بالشيء فيوقعون عليه اسمه، يعرّفونه بالألف واللام فيغلب عليه اسمه كقولهم: النّسران للكوكبين تشبيها لهما بالطائرين، والفرقدان تشبيها لهما بفرقدي بقرة وحشية، وقد يشبهون بقر الوحش بالكواكب لبياضها، وقد يشتقون لبعضها اسما من معان فيها غير مطردة أسماؤه فيما شاركه من المعاني، وغير خارجة عن نظائرها في كلامهم لم تطّرد، كالدبران والعيّوق والسّماك، فأما الدبران فمشتق من دبر يدبر، وهم يذكرون أنه يتبع الثريا ويطلبها خاطبا لها، وليس كل شيء دبر شيئا، فهو دبران، إلّا أن في كلامهم فعلانا في موضع
الفاعل، كقولهم: العدوان للعادي من العدو، والغدوان للغادي وهو السائل، وكذلك
_________________
(١) شرح أشعار الهذليين ١/ ١٩، خزانة الأدب ١/ ٤١٨، اللسان (ضرب).
[ ٢ / ٤٣١ ]
صلتان وهو النشيط الشديد، مأخوذ من السيف الصّلت أو نحوه. قال امرؤ القيس:
وغيث من الوسمّي حوّ تلاعه تبطّنته بشيظم صلتان
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا كتيس ظباء الحلّب الغذوان (١)
ويروى: الغذوان من التغذية بالبول، والعدوان من العدو.
وأما العيّوق فمشتق من عاق، وكأنه عاق كواكب وراءه من المجاورة. وهذا على التمثيل والتخيّل بالنظر إليه وإلى ما وراءه، ويجوز أن يكون سمّوه بذلك لأنهم يقولون إن الدبران يطلب الثريا ويخطبها، وقد ساق مهرها كواكب صغارا معه، والعيوق بينهما في العرض إلى ناحية الشمال، وكأنه يعوقه عنها. والعيوق على وزن الفيعول، ومثله ما اشتق للفاعل قيّوم، وهو فيعول من قام يقوم، وصخد صخود من صخد يصخد.
وأما السمّاك فهو الارتفاع. قال الفرزدق:
إنّ الذي سمك السّماء بنى لنا بيتا دعائمه أعزّ وأطول (٢)
أي رفع، ويقال: سمك بمعنى ارتفع، فالسماء مسموكة وسامكة، ومن سامكة يقال النجوم السوامك، ومثل سماك في معنى سامك، رجل نقاب ينقب عن غوامض العلم ويفطن لها بمعنى ناقب. وقد قال أوس:
نجح مليح أخو مأقط نقاب يحدّث بالغائب (٣)
قال: " فإن قال قائل: يقال لكل شيء صار خلف شيء دبران، ولكل شيء عاق عن شيء عيوق، ولكل شيء ارتفع سماك؟ فإنك قائل له: لا ولكن هذا بمنزلة العدل والعديل والعديل ما عادلك من الناس، والعدل لا يكون إلّا للمتاع والمعنى واللفظ واحد، ولكنّهم فرقوا بين البناءين ليفصلوا حصان ومثل ذلك بناء حصين، وامرأة، أن يخبروا أن البناء محرز لمن لجأ إليه، والمرأة محرزة لفرجها، ومثل ذلك الرّزين من الحجارة والحديد، والمرأة رزان، فرقوا بين ما يحمل وبين ما نقل في مجلسه فلم يخف.
_________________
(١) خزانة الأدب ١/ ١٦٠، الشعر والشعراء ٣١.
(٢) البيت في ديوانه ص ٧١٤.
(٣) البيت في اللسان (نجح).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وهذا أكثر من أن أصفه لك في كلام العرب ".
قال أبو سعيد: وإنما أراد سيبويه أن يبين أن الدبران والعيوق والسماك من دبر وعاق وسمك، ولا يلزم أن يستوي لفظ الفاعل وبناؤه في كل شيئين اشتقا من لفظ واحد في معنى واحد؛ لأن البناء الحصين مشتق من لفظ الحاء والصاد والنون، ومعنى الحرز، وكذلك امرأة حصان، وفصل بين بنائهما لاختلاف موضوعيهما، فجعل أحدهما على فعيل، والآخر على فعال، وكذلك الرزين والرّزان، والدابر، وإن كانا مأخوذين من لفظ (دبر)، ومعنى التأخر، لفظ الكواكب خلاف غيره، وعلى أنه قد قيل: دبران الحمى، وحكم العيوق والعائق والسماك والسامك يجرى على ذلك.
قال سيبويه: " وكل شيء جاء قد لزمه الألف واللام فهو بهذه المنزلة، فإن كان عربيّا نعرفه ولا نعرف الذي اشتق منه، فإن ذلك لأنا جهلنا ما علم غيرنا، أو يكون الآخر لم يصل إليه علم وصل إلى الأول المسمّي " يريد أن المعنى الذي اشتق منه إمّا أن يكون نحن لا نعرفه ويعرفه غيرنا من أهل عصرنا، وإما أن يكون علم ذلك قد درس، ولم يقع إلى أهل عصرنا. ومما يجري مجرى الأول الثلاثاء والأربعاء فهما مشتقان من الثالث والرابع، واختص بهذا الاشتقاق اليومان فقط، كما اختص بالعيوق الكوكب، وهي كلها معارف.
قال: " فإن قلت: هذان زيدان منطلقان، وهذان عمران منطلقان، لم يكن الكلام إلا نكرة، وإنما تنكّر التثنية؛ لأن الاسم العلم زيد، فلما تثنيه بطل لفظ العلم الذي وضع لتعريف أدخلت الألف واللام فقلت: الزيدان والعمران، وقد يجوز أن تقع التسمية بلفظ التثنية والجمع فتكون معرفة بغير الألف واللام، وذلك لا يكون إلّا في الأماكن التي لا يفارق بعضها بعضا نحو أبانين وعرفات، وإنما فرقوا بين أبانين وعرفات وبين زيدين وزيدين، من قبل أنهم لم يجعلوا التثنية والجمع علما لرجلين ولا لرجال بأعيانهم، وجعلوا الاسم الواحد علما لشيء بعينه، كأنهم قالوا: إذا قلنا ائت:
تريد هات هذا الشخص الذي تشير إليه، ولم يقولوا: إذا قلنا: جاء زيدان فإنما نعني شخصين بأعيانهما قد عرفا قبل ذلك وأثبتا، ولكنهم قالوا إذا قلنا: جاء زيد ابن فلان، وزيد ابن فلان فإنما يعني هذين الجبلين بأعيانهما، فهكذا تقول إذا أردت أن تخبر عن معرفتين.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
كأنهم قالوا إذا قلنا ائت أبانين، فإنما يعني هذين الجبلين بأعيانهما اللذين نشير لك إليهما. ألا ترى أنهم لم يقولوا: أمرر بأبان كذا وأبان كذا، ولم يفرقوا بينهما؛ لأنهم جعلوا أبانين اسما لهما يعرفان به بأعيانهما.
وليس كذلك هذا في الأناسي ولا في الدواب، إنما يكون هذا في الأماكن والجبال وما أشبه ذلك، من قبل أن الأماكن لا تزول، فيصير كل واحد من الجبلين داخلا عندهم في مثل ما دخل فيه صاحبه من الحال في الثّبات والخصب والقحط، ولا يشار إلى واحد منهما بتعريف دون الآخر، فصارا كالواحد الذي لا يزايله منه شيء حيث كان في الأناسي والدواب، والإنسانان والدّابتان لا يثنيان أبدا يزولان ويتصرفان، ويشار إلى أحدهما والآخر غائب، ولا يقولون أبان الأيمن ولا أبان الأيسر، ولا الشرقي ولا الغربي، ويقولون: هذه عرفات، وهؤلاء عرفات، وهذه عرفة ".
قال أبو الحسن: وقد يجوز في الشعر أن يتكلم بأبان واحد وبعينهما.
قال أبو سعيد: هذا يجوز في كل اثنين يصطحبان ولا يفارق أحدهما صاحبه، وذلك في الشعر وغيره، فأما أبان فقد قال لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان فتقادمت بالحبس فالسّوبان (١)
قال أبو ذؤيب:
والعين بعدهم كأنّ حداقها سملت بشوك فهي عور تدمع (٢)
ويقول القائل في كلامه: لبس زيد خفّ، ولبس زيد نعله يريد النعلين.
قال: " وأما قولهم: أعطيكم سنّة العمرين، فإنما أدخلوا الألف واللام على عمرين؛ لأن عمرين نكرة على ما تقدم من القول في زيدين، وتعرّفهما بالألف واللام، وأكثر الناس على أن سنّة العمرين؛ سنّة: أبي بكر وعمر، واختاروا التثنية على لفظ عمر لأنّه مفرد، وهو أخف في اللفظ من المضاف، ومنهم من يقول اختير لفظ عمر لطول أيامه وكثرة فتوحه وشهرة آثاره. ويروى أنه قيل لعثمان ﵁: نسألك سنّة العمرين.
_________________
(١) أشعار الهذليين ١/ ٩.
(٢) البيت في اللسان (عور).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وقال الفرّاء: وأخبرني معاذ الهراء: لقد قيل سنّة العمرين قبل عمر بن عبد العزيز وزعم الأصمعي عن أبي هلال الراسبي عن قتادة: أنه سئل عن عتق أمهات الأولاد فقال: أعتق العمران فيما بينهما من الخلفاء أمهات الأولاد، ففي
قول قتادة أنهما عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز؛ لأنه لم يكن بين أبي بكر وعمر خليفة ".
قال أبو سعيد:
والذي عندي أنه ليس فيما روي عن قتادة مخالفة لقول من قال: إنه يراد بسنّة العمرين سنّة أبي بكر وعمر؛ لأن قتادة إنما ذكر اتفاق عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز في عتق أمهات الأولاد، كما يثنيان لو أخبر عن اتفاقهما في مسألة من الفقه والفرائض، وإنما الكلام في سنة العمرين التي يطلبها طالب السيرة العادلة على معنى المثل السائر فيه، وأما قول الفرزدق:
فحلّ بسيرة العمرين فينا شفاء للقلوب من السقام (١)
فليس فيه بيان؛ لأنّ الفرزدق يمدح بهذا هشام بن عبد الملك، وهو بعد عمر بن عبد العزيز.
وهذان الاسمان وإن كان أحدهما قد اتّبع صاحبه في اللفظ وليس باسمه في الأصل، فقد صار في حكم اسمين؛ كلّ واحد منهما من أمة، كل واحد منهما عمر، وذلك على مذهب يستعمله العرب وطلبا للتخفيف كقوله:
لنا قمراها والنجوم الطوالع (٢)
فإنما أراد الشمس والقمر.
وقال قراد بن حنش الصادي:
إذا اجتمع العمران عمرو بن جبار وبدر بن عمرو خلت ذبيان تبعا
والزّهدمان فيما ذكر أبو عبيدة؛ زهدم وكردم ابنا قيس. وقال غيره: زهدم وقيس العبسيان من بني عوير بن رواحة، والأبوان الأب والأم، وفيما ذكر سيبويه من المثنى:
_________________
(١) ديوانه ٨٣٩. وفيه: فجاء بسنة العمرين فينا شفاء للصدور من السقام
(٢) ديوانه ٤١٩ وهو عجز بيت صدره: أخذنا بأطراف السماء عليكم
[ ٢ / ٤٣٥ ]
الغريّان (١) المشهوران بالكوفة؛ بمنزلة النسرين إذا كنت تريد النجمين، وللغريّين حديث ليس القصد في هذا الموضع لذكر مثله والله أعلم.