" وذلك قولك: مررت بكلّ قائما، وببعض جالسا. وإنّما خروجهما من أن تكونا وصفين أو موصوفين، أنه لا يحسن لك أن تقول: مررت بكلّ الصالحين ولا ببعض الصالحين، قبح الوصف حين حذفوا ما أضافوا إليه؛ لأنّه
مخالف لما يضاف، شاذ منه، فلم يجر في الوصف مجراه، كما أنّهم حين قالوا: يا الله، فأضافوا ما فيه الألف واللام، لم يصلوا ألفها وأثبتوها وصار معرفة؛ لأنّه مضاف إلى معرفة، كأنك قلت:
مررت بكلّهم ببعضهم، ولكنك حذفت ذلك المضاف إليه، فجاز ذلك كما جاز: لاه أبوك، تريد لله أبوك، حذفوا الألف واللامين. وليس هذا طريقة الكلام، ولا سبيله؛ لأنهم ليس من كلامهم أن يضمروا الجارّ ".
قال أبو سعيد: مررت بكلّ قائما، ومررت ببعض قائما وببعض جالسا، لا يتكلم به مبتدأ، وإنما يتكلم به إذا جرى ذكر قوم فتقول: مررت بكلّ أي: مررت بكلهم، ومررت ببعض، أي ببعضهم، فيستغنى بما جرى من الكلام ومعرفة الخطاب بما يوصف به أيضا؛ لأنهم لما أقاموه مقام الضمير، والضمير لا يوصف إذا لم يكن تحلية ولا فيه معنى تحلية، ولم يصفوا به. ولا يقال: مررت بالزيدين كلّ، كما لا يقال: مررت بكل الصالحين، وأما تشبيه سيبويه ذلك في الشذوذ بقولهم: يا الله، حين نادوا ما فيه الألف واللام، وقطعوا ألف الوصل منه، فإن الذي دعاه إلى ذلك مع خروجه عن القياس المستمر
[ ٢ / ٤٤٣ ]
في كلامهم، أن الألف واللام لا يفارقان اسم الله، على ما فيه من الخلاف في أصل الاسم قبل دخول الألف واللام، وبالخلق أجمعين الفاقة الشديدة إلى نداء الله ﷿ ودعائه بهذا الاسم؛ لأنه أشهر أسمائه وأكثرها دورا على ألسنتهم، فلما اضطرهم الأمر إلى ندائه، خالفوا بلفظ لفظه لفظ ما ينادى مما فيه الألف واللام للتعريف، فقطعوا الألف فصار في اللفظ كأن الألف واللام فيه أصليان.
ومن الحذف الشاذ- أيضا- قولهم: لاه أبوك، يريد: لله أبوك، فحذفوا منه لامين، وقد كانوا حذفوا منه الألف الوصل.
واللامان المحذوفان عند سيبويه: لام الجر واللام التي بعدها.
وقال محمد بن يزيد: لام الجر هي هذه اللام المبقّاة، وكانت أولى بالتبقية عنده لأنها دخلت لمعنى، وفتحت لام الجر؛ لأن لام الجر في الأصل مفتوحة، والصواب عندنا ما قاله سيبويه؛ لأنّا رأيناهم قد حذفوا حروف الجر إذا دخلت على (إن) و(أن)، مخففة ومشددة نحو قولك:
رغبت أن أصحبك، وأيقنت أن زيدا خارج، وتقديره: في أن أصحبك، وأيقنت بأن زيدا خارج، ولا يجوز حذفها من المصدر إذا قلت: رغبت في صحبتك، وأيقنت بخروجك، والأجود أن (أن) في موضع جرّ، وقد روي أن رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟
قال: خير، يريد: بخير.
وروي من قول بعض العرب: مررت برجل صالح وأن طالح، وفيه من الاحتجاجات والمناقضات ما لا يحتمل الكتاب ذكره.
وجملة الأمر أن قول سيبويه: إذا حذف من الكلمة ما قاله، فالباقي منها هو اللفظ الموجود من غير تغيير.
وعلى قول المبرد: تبقى اللام المكسورة وتغيّر، وليس على التغيير دليل يجب التسليم له.
ومن الحذف: لا عليك، أي: لا بأس، أو لا ضرر عليك، أو نحو ذلك.
وقال: ما فيهم بفضلك في شيء، يريد: أحد بفضلك. قد قال الله: وَإِنْ مِنْ
[ ٢ / ٤٤٤ ]
أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ (١) ومعناه: أحد.
قال الراجز:
لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسم (٢)
والشواذ في كلامهم كثير.
قال: ولا يكونان وصفا، كما لا يكونان موصوفين، يعني: كل، وبعض. قال:
وإنما يوضعان في الابتداء، أو يبنيان على اسم بالابتداء، نحو قوله: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٣)، فأمّا جميع فيجري مجرى رجل ونحوه في هذا الموضع.
قال الله ﷿:
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٤)
وقال: ائتهم والقوم جميع، أي: مجتمعون.
قال المفسر: لفظ جميع: لفظ واحد، ومعناه: جمع، مثل: قوم، وجماعة.
قال: وزعم الخليل أنه يستضعف أن يكون كلّهم مبنيا على اسم أو غير اسم، ولكن يكون مبتدأ، أو يكون كلّهم صفة.
فقلت: لم استضعف أن يكون مبنيا؟
فقال: لأنّ موضعه في الكلام أن يعمّ به غيره من الأسماء بعد ما يذكر فيكون كلّهم صفة أو مبتدأ.
قال المفسر: الأغلب في كلهم أن يجري مجرى أجمعين؛ لأنه يعم به بأجمعين؛ لأن معناه معنى أجمعين، اتسع في لفظه فأضيف إلى الكنى، والظاهر، والمعرفة، والنكرة، كقولنا: كل القوم، وكل رجل، وجعل نعتا على معنى المبالغة والكمال، لا على معنى العموم، كقولنا: رأيت الرجل كل الرجل، ورأيت رجلا كل رجل، وأكلت شاة كلّ
شاة، على معنى: رأيت الرجل الكامل، واستحسنوا الابتداء به بهذا التصرف والإضافة؛ لأن أول الكلام الابتداء ثم تدخل عليه العوامل.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٥٩.
(٢) الرجز لحكيم بن معية في خزانة الأدب ٥/ ٩٢، وبدون نسبة في تاج العروس (أثم).
(٣) سورة النمل، الآية: ٨٧.
(٤) سورة يس، الآية: ٣٢.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
ولأن الابتداء ب (كلهم) بعد كلام يجري مجرى التوكيد، كقولك، إن قومك كلهم ذاهب، ويجوز أن تدخل عليها العوامل كلها، وإن كان فيها بعض الضعف من حيث دخل عليها الابتداء، وكلاهما، وكلتاهما، وكلهن تجري مجرى كلهم.
وأما جميعهم فقد يجوز على وجهين: يوصف به المضمر كما يوصف ب (كلهم) ويجري في الوصف مجراه، ويكون في سائر ذلك بمنزل: عامتهم، وجماعتهم، يبدأ ويبنى على غيره؛ لأنه يكون نكرة وتدخله الألف واللام، وأمّا كل شيء، وكل رجل، فإنما يبنيان على غيرهما؛ لأنه لا يوصف بهما.
والذي ذكرت قول الخليل، ورأينا العرب توافقه بعد ما سمعناه منه.