(وإن شئت جعلته صفة فجرى على الأول وإن شئت قطعته وابتدأته وذلك قولك: الحمد لله الحميد، والملك لله أهل الملك. ولو ابتدأته فرفعت كان حسنا، كما قال الأخطل:
_________________
(١) سورة المدثر، الآية: ٤٩.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
نفسي فداء أمير المؤمنين إذا أبدى النّواجذ يوم باسل ذكر
الخائض الغمر والميمون طائره خليفة الله يستسقى به المطر) (١)
قال أبو سعيد: هذا الباب في التعظيم والمدح، والباب الذي في الشتم والتقبيح يجريان مجرى واحدا، والإعراب فيهما على طريق واحد، وفي كل واحد منهما ثلاثة أوجه:
إمّا الصفة واتباع الثاني الأول، وإن كان قصدك فيه المدح والثناء كنحو ما يذكر من تكبير صفات الله تعالى على جهة المدح له والثناء عليه.
وإمّا أن تنصبه بإضمار أذكر.
وإمّا أن تستأنفه فترفعه بإضمار الابتداء.
والذي يصيره مدحا وثناء أو شتما وتقبيحا، قصد المتكلم به إلى ذلك، وربما قصد الإنسان بقوله: فلان فاضل شجاع إلى الهزء به، ويتبين ذلك في لفظه من محاوره، وهذا معروف في عادات كلام الناس، وقد ذكرناه مفصلا قبل هذا الباب، وأنا أسوق كلامه في البابين، وما احتمل زيادة زدت، والله المعين، وأنشد في الاستئناف قول
مهلهل:
ولقد خبطن بيوت يشكر خبطة أخوالنا وهم بنو الأعمام (٢)
فاستأنف أخوالنا على معنى: هم أخوالنا، ولو خفضه على النعت ليشكر لجاز.
وقوله تعالى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ (٣).
في المقيمين وجهان:
أحدهما: أن يكون منصوبا على المدح والثناء.
والآخر: أن يكون مجرورا بالعطف على ما، فيكون معناه:
ويصدّقون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة أي: بمذاهبهم وبدينهم، والمؤتون الزكاة مبتدأ مستأنف أو عطف على الراسخين.
_________________
(١) ديوان الأخطل/ ١٠٣.
(٢) سيبويه ١/ ٢٢٥، ٢٤٨.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٦٢.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وأمّا قوله ﷿: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (١) إلى قوله:
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ (٢)، " فالموفون بعهدهم " يحتمل وجهين:
يحتمل أن يكون مدحا، ويكون التقدير: وهم الموفون بعهدهم فإذا كان كذلك، كان نصب الصابرين على وجهين:
أحدهما: العطف على ذوي القربى.
والآخر: أن يكون على المدح بإضمار (أذكر).
والوجه الآخر من رفع الموفون: أن يكون عطفا على من آمن بالله، فإذا ارتفع بذلك كان نصب الصابرين على المدح لا غير، ولا يجوز أن ينصب بالعطف على ذوي القربى، لأن ذوي القربى في صلة من آمن بالله، لأنّ (آتى) معطوف على آمن، ولا يجوز أن يعطف الموفون على (من) إلا بعد تمام صلته فيصير (والصابرين) منقطعا عن الصلة، وأنشد قول الخرنق في رفع المدح ونصبه، وهو:
لا يبعدن قومي الذين هم سمّ العداة وآفة الجزر
النّازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر (٣)
ومثله في الرفع والنصب قول أبي خياط العكلي:
وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها
الظّاعنين ولمّا يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخلّيها (٤)
(وزعم يونس: أن العرب من يقول: النازلون بكل معترك والطيبين، فهذا مثل:
والصابرين، ومن العرب من يقول: الطاعنون في القائلين، فنصبه كنصب الطيبين إلا أنّ هذا شتم لهم وذم، كما أن الطيبين مدح لهم وتعظيم، وإن شئت أجريت هذا كله على الاسم الأول، وإن شئت ابتدأته جميعا فكان مرفوعا على الابتداء.
كل هذا جائز في ذين البيتين وما أشبههما، كل ذلك واسع.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(٣) البيتان سبق تخريجهما.
(٤) الخزانة ٢/ ٣٠١.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وزعم يونس أنه سمع ذا الرّمة ينشد هذا البيت نصبا وهو للأخطل:
لقد حملت قيس بن عيلان حربها على مستقلّ للنوائب والحرب
أخاها إذا كانت عضوضا سما لها على كل حال من ذلول ومن صعب) (١)
الشاهد: نصب أخاها، وهو المستقلّ المجرور.
(وزعم الخليل أن نصب هذا على أنك لم ترد أن تحدّث الناس ولا من تخاطبه بأمر جهلوه، ولكنهم عملوا من ذلك ما قد علمت، فجعلته تعظيما وثناء، ونصبه على الفعل كأنه قال: اذكر أهل ذاك، واذكر المقيمين، ولكنه فعل لا يستعمل إظهاره.
وهذا شبيه بقوله: إنّا بني فلان نفعل كذا، لأنه لا يريد أن يخبر من لا يدري أنه من بني فلان، ولكنه ذكر مراتبها
افتخارا وابتهاء، إلا أن هذا يجري على حرف النداء، وستراه في باب النداء إن شاء الله).
نصب بني فلان كنصب ما يمدح على المدح، وسأشرحه في بابه بما أتم من هذا إن شاء الله.
وترك إظهار الناصب له كترك إظهار الناصب في باب النداء، ومن هذا الباب في النكرة قول أمية بن أبي عائذ:
ويأوي إلى نسوة عطّل وشعثا مراضيع مثل السّعالي (٢)
الشاهد في نصب شعثا.
كأنه حيث قال: إلى نسوة عطل، صرن عنده ممن علم أنّهنّ شعث، ولكنه ذكر ذلك تشنيعا لهنّ وتشويها.
(قال الخليل: كأنه قال: اذكرهنّ شعثا، إلا أن هذا فعل لا يستعمل إظهاره، وإن شئت جررت على الصفة. وزعم يونس: أن ذلك أكثر، كقولك: مررت بزيد أخيك وصاحبك، وكقول الراجز:
بأعين منها مليحات النّقب شكل التّجار وحلال المكتسب (٣)
_________________
(١) ملحقات ديوان الأخطل/ ٦٢٢.
(٢) الخزانة ١/ ٧١٤، ٢/ ٣٠١ - معاني الفراء ١/ ٣٢٥.
(٣) البيت لابن المعتز سيبويه ١/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
قال: كذلك سمعناه من العرب.
الشاهد: في شكل التجار، وهو صفة لنكرة، وهو في مذهب: قيد الأوابد، ومعناه: موافقة التجار في الزي ومشاكلتهم فيه، فكأنه قال: مشاكلة التجار، وقوله:
وحلال المكتسب، أي: ليس فيهن تبرّج وتكشّف يحرم، ولكن خفر وحياء وتستر، وذلك: حلال المكتسب.
وقال مالك بن خويلد الخناعيّ:
يا ميّ لا يعجز الأيّام ذو حيد في حومة الموت رزّام وفرّاس
يحمي الصّريمة أحذان الرّجال له صيد ومجترئ بالليل همّاس) (١)
قال أبو سعيد: وروى هذا الشعر أيضا لأبي ذؤيب ووقع في البيت الأول من هذين البيتين غلط في كتاب سيبويه، لأن قوله: ذو حيد، وعل، ورزّام، وفرّاس: أسد، والصواب الذي حملته الرواة:
يا ميّ لا يعجز الأيّام ذو حيد بمشمخرّ بهذا الظيّان والآس
ذو حيد، وعل، ومشمخرّ: جبل، والظيّا: ياسمين البرّ.
وروى أبو العباس المبرد: ذو حيد بفتح الحاء والياء، وجعله مصدرا بمنزلة العوج والأود. والذي رواه أبو العباس: ثعلب حيد بكسر الحاء، وكذلك رواه أبو سعيد السكري في شعر الهذليين، وفسره جمع حيدة بعد هذا البيت بأبيات في القصيدة:
يا ميّ لا يعجز الأيّام مبترك في حومة الموت رزّام وفرّاس
يحمي الصّريمة أحدان الرجال له صيد ومجرئ بالليل همّاس
ومما حمل على الابتداء قوله:
(فتى الناس لا يخفى عليهم مكانه وضرغامة إن همّ بالحرب أوقعا (٢)
وقال الآخر:
إذا لقي الأعداء كان خلاتهم وكلب على الأذنين والجار نابح (٣)
_________________
(١) البيتان لمالك بن خويلد الهذليين ٣/ ٣، ابن يعيش ٦/ ٣٢.
(٢) سيبويه ١/ ٢٥١.
(٣) في الكتاب ٢/ ٦٨ بلا نسبة.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
قال: كذا سمعناهما من الشاعرين اللذين قالاهما.
قال: واعلم أنه ليس كل موضع يجوز فيه التعظيم، ولا كل صفة يحسن أن يعظّم بها، لو قلت: مررت بعبد الله أخيك صاحب الثياب أو البّزاز، لم يكن هذا مما يعظم به الرجل عند الناس، ولا يفخم له، ولها الموضع الذي لا يجوز فيه العظيم، فإن تذكر رجلا ليس بنبيه عند الناس ولا معروف بالتعظيم، ثم تعظمه كما تعظم النبيه، وذلك قولك: مررت بعبد الله الصالح، فإن قلت: مررت بقومك الكرام الصالحين ثم قلت: المطعمين في المحل، جاز لأنه إذا وصفهم صاروا بمنزلة من قد عرف منهم ذلك، وجاز له أن يجعلهم كأنهم قد علموا فاستحسن من ذا ما استحسنت العرب، وأجزه كما أجازته، وليس كل شيء من الكلام يكون تعظيما لله ﷿ يكون لغيره من المخلوقين لو قلت: الحمد لزيد، تريد العظمة لم يجز وقد يجوز أن تقول: مررت بقومك الكرام، إذا جعلت المخاطب كأنه قد
عرفهم، كما قال: مررت برجل زيد، فتنزله منزلة من قال له: من هو وإن لم يتكلم به.
فكذلك هذا تنزله هذه المنزلة وإن كان لم تعرفهم).
قال أبو سعيد: يحتاج التعظيم إلى اجتماع معنيين في المعظّم:
أحدهما: أن يكون المعنى الذي عظّم به فيه مدح وثناء ورفعة.
والآخر: أن يكون المعظّم قد عرفه المخاطب وشهر عنده ما عظّم به أو يتقدم من كلام المتكلم ما يتقرر به عند المخاطب حال مدح وثناء وتشريف في المذكور يصح أن يورد بعدها التعظيم، وهذا معنى ما ذكره سيبويه: (مررت بقومك الكرام، ثم قلت:
المطعمين في المحل)، وتقول: مررت بعبد الله الكريم الفاضل، على التعظيم لمّا قدمت ذكر الكريم صار كأنه قد عرف وشهر، فتدبر ذلك إن شاء الله تعالى.