" وذلك قولك: هذا ابن عميّ دنيّا، وهو جاري بيت بيت. فهذه أحوال قد وقع فيها في كل واحد شيء وانتصب؛ لأنّ هذا الكلام قد عمل فيها كما عمل الرجل في العلم حين قلت: عشرون درهما؛ لأن الدرهم ليس من اسم العشرين ولا هو هو "
قال أبو سعيد: الذي يريده سيبويه الاسم الذي له اسمان أحدهما هو الآخر ولو غيرنا عن كلّ واحد منهما بالآخر كان له اسما، والذي هو من اسمه أن يكون محمولا على إعرابه، وذلك النعت وما كان من الحال من أسمائه الفاعلين كقولنا: هذا زيد ذاهبا، فهو هو لأن زيدا هو ذاهب، وذاهب هو زيد، وما كان مصدرا لم تقل هو هو؛ كقولك: هو ابن عمي دنيّا، دنيّا مصدر في الأصل، ولا تخبر عنه ولا يكون خبرا، وأصل دنيّا دنوا؛ لأنه من دنا يدنو، فقلبوا الواو ياء؛ لأن بينهما وبين الكسرة نونا ساكنة وهو خفيّة، ودنيّا ليس بمتمكن؛ لأنه لا يقال: هذا ابن عمى دنيّ، ولا: مررت بابن عمّ دنيّ، ودنيّا في معنى دانيا منصوبا على الحال، والعامل فيه معنى ابن عمي، كأنه قال: يناسبني دانيا.
وأما قوله: " هو جاري بيت بيت " فمعناه: هو جاري ملاصقا، وبيت بيت جعلا اسما واحدا، ووضعا في موضع مصدر، وذلك المصدر في موضع الحال، " وهذا درهم وزنا " يكون وزنا مصدرا بمعنى: وزن وزنا، وحالا بمعنى موزونا، والذي ساق عليه الكلام أن يكون في موضع الحال، وكذلك: هذا حسيب جدا وهذا عربيّ حسبه، وتقديره: اكتفاء بمعنى: كافيا.
حدّثني بذلك أبو الخطاب عن من يثق به من العرب. جعله بمنزلة الدّني والوزن، كأنه قال: هو عربيّ اكتفاء. فهذا
تمثيل ولا يتكلم به، ولزمته الإضافة كما لزمته جهده وطاقته.
وما لم يضف من ذا ولم تدخله الألف واللام، فهو بمنزلة ما تضيفه ولم تدخله الألف واللام فيما ذكرنا من المصادر، نحو: لقيته كفاحا، وأتيته جهارا.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
ومثل ذلك: هذا عشرون مرارا. وكأنه قال تكريرا وتضعيفا في معي مضافة ومكررة، فهذا غير مضاف. و" هذه عشرون أضعافها " وهي مضافة مثل: جهده وطاقته ومعناه: مضاعفة.
قال: " ومثل ذلك: هذا درهم سواء، كأنه قال: هذا درهم استواء. فهذا تمثل وإن لم يتكلم به، كما قال الله تعالى:
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١)
وقد قرأها ناس " في أربعة أيام سواء " قال الخليل: جعلوه بمنزلة أيام مستويات.
وتقول: هذا درهم سواء، كأنك قلت: هذا درهم تام. قال: (وهذا شيء ينتصب على أنّه ليس من اسم الأول ولا هو هو) وذلك قولك:
هذا عربيّ محضا، وهذا عربيّ قلبا.
فمحضا وقلبا ليسا بالعربي لأنهما مصدران، ولا جريا على عربيّ في نعته وإعرابه، فصار بمنزلة دنيّا وما أشبهه من المصادر وغيرها، والرفع فيه وجه الكلام.
وزعم يونس ذلك وذلك قولك: هذا عربيّ محض وهذا عربيّ قلب ".
قال أبو سعيد: وإنما صار الرفع الوجه؛ لأنه كثر في كلامهم أن يجروا محض وقلب مجرى عدل، وأنت تقول: هذا رجل عدل في معنى عادل، وكذلك محض في معنى ماحض؛ لأنه يقال: محض يمحض وامتحضت أنا، ومعناه: خالص. ولم يستعمل الفعل من قلب ما استعمل من محض.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: قلبا، معناه: قد تقلّب في العرب أي: دائر في أنسابها وهما مصدران صادفا الحال.
قال أبو سعيد: ويجوز أن يكون أخذ من قلب قلبا، كأنه فتّش ونقي من العيب.
وأما عربيّ قحّ فلم يستعمل إلا صفة؛ لأنه اسم ليس مصدر، وليس له فعل يتصرّف.
قال: " ومما ينتصب لأنه ليس من اسم الأول ولا هو هو، قولك: هذه مائة
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ١٠.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وزن سبعة، ونقد الناس، وهذه مائة ضرب الأمير، وهذا ثوب نسج اليمن، كأنه قال نسجا وضربا ووزنا. وإن شئت قلت: وزن سبعة.
قال الخليل: إذا جعلت وزن سبعة مصدرا نصبت، وإن جعلته اسما وصفت به.
يعني بقوله: اسما تجعله في معنى موزون فتجريه مجرى موزون، ومنه الخلق يكون مصدرا، ويكون المخلوق، والحلب يكون مصدرا ويكون معنى المحلوب، والضرب في الدرهم بمعنى المضروب كما تقول: رجل رضى بمعنى مرضيّ، وامرأة عدل بمعنى عادلة، ويوم غم. فيصير هذا الكلام صفة.
قال: استقبح أن أقول هذه ضرب الأمير، فأجعل الضرب صفة فيكون نكرة وصفت بمعرفة، ولكن أرفعه على الابتداء، كأنّه قيل له: ما هي؟ فقال: ضرب الأمير.
فإن قلت: ضرب أمير حسنت الصفة؛ لأنّ النكرة توصف بالنكرة ".
قال أبو سعيد: إذا قلت: هذه مائة نقد الناس، وهذه مائة ضرب الأمير، وهذا ثوب نسج اليمن، فنصبها على المصدر لا على الحال؛ لأنها معارف، كأنه قال: نقدت نقد الناس، وضربت ضرب الأمير، ونسجت نسج اليمن.
قال: " واعلم أنّ جميع ما ينتصب في هذا الباب ينتصب على أنّه ليس من اسم الأول ولا هو هو. والدليل على ذلك أنك لو ابتدأت اسما لم تستطع أن تبني عليه شيئا ممّا انتصب في هذا الباب؛ لأنه جرى في كلام العرب أنّه ليس منه ولا هو هو. لو قلت: هذا ابن عمي دني والعربيّ جدّ، لم يجز، نعلم أنه ليس هو هو؛ لأن ما هو هو، لا يمتنع أن يكون خبرا له. وإذا لم يكن خبرا له، فهو من الصفة أبعد فصار ليس منه؛ لأن ما كان صفة فهو اسمه، وبيّن أنه كان خبرا لمبتدأ ما لا يكون صفة كقولك:
خاتمك فضّة ولا يكون صفة ".
قال أبو سعيد: الذي يعني به فيما يقول أنّه منه ما كان نعتا له جاريا عليه، وما ليس منه ليس بنعت له جار عليه، وقد عبر عنه بعض أصحابنا بأنه ما كان تماما له فيدخل فيه النعت والصلة، وأما ما هو هو فما صيغ لذاته من أسماء الفاعلين نحو: زيد الطويل، وزيد ذاهب.
وبيّن أنّ دنيّا وجدّا في قولك: هذا ابن عمى دنيّا، وهذا حسيب جدّا، دنيّ وجدّ ليسا بنعتين، فيكون من اسم الأول، ولا هما الأول لأنهما مصدران، والأول ليس بمصدر
[ ٢ / ٤٤٩ ]
ولم يكونا نعتين للأول لأنّهما غير متمكنين، ولا يخبر بهما عن الأول. لا يقال: هذا دنيّ جدّ، وإذا لم يخبر بهما فهما من النعت بهما أبعد؛ لأنه قد يخبر بما لا ينعت به؛ لأنك تقول: خاتمك فضة ولا تقول: مررت بخاتم فضة.
قال: " اعلم أن الشيء قد يوصف بالشيء الذي هو هو. وهو من اسمه، وذلك قولك: هذا زيد الطويل، ويكون هو هو وليس من اسمه كقولك: هذا زيد ذاهبا.
ويوصف بالشيء الذي ليس به ولا من اسمه، كقولك: هذا درهم وزنا، لا يكون إلّا نصبا. قال أبو العباس: أزنه وزنا ".
قال أبو سعيد: إن قال قائل: أليس قد تقدم في الباب بأن الوزن يكون اسما ومعناه: موزون، فلم لا يكون هذا درهم وزن؟ قيل له: هذا جائز إذا أراد هذا المعنى، وإنما ذكر سيبويه ما يوصف به وليس من اسمه، أي ليس بنعت جار على المنعوت، ولو رفع كان من اسمه، وأدخل فيما يوصف به الحال والمصدر، إنما ذهب في ذلك إلى ما يتعلق عليه، ويبيّن به، ولم يذهب إلى الصفة التي هي نعت، والله أعلم.